ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه{[7099]} كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل شيء ، وكان من جملة ما خالف فيه أهل الكتاب العهد{[7100]} أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه{[7101]} تعالى بقوله{[7102]}{ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم }[ البقرة : 84 ] الآيات{[7103]} وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد ؛أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذاً لهم بالإقبال عليهم بالخطاب { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا الإيمان بألسنتهم ، {[7104]}ولما حصل {[7105]}التعديل بها{[7106]} وقع سابقاً من {[7107]}التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما{[7108]} هو لله بني{[7109]} للمجهول قوله{[7110]} : { كتب عليكم } أي فرض في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين اختلفوا في الكتاب ، {[7111]}والذي عين{[7112]} إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع{[7113]} في معناه وأشعر به التعبير بعلى { القصاص{[7114]} } أي المساواة في القتل{[7115]} والجراحات لأنه{[7116]} من القص وهو تتبع الأثر . قال الحرالي : كأنه يتبع بالجاني إثر ما جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى . { في القتلى } أي{[7117]} {[7118]}في سائر أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به ، ومن قتل على كيفية قتل {[7119]}بمثلها ، كان{[7120]} قطع يداً فسرى إلى النفس فتقطعه ، {[7121]}فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون{[7122]} الآية عامة مخصوصة في بعض الصور ، ومتى لم يقل{[7123]} بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من الإجمال ، فصدقوا دعواكم الإيمان{[7124]} {[7125]}مما يعمل الأئمة{[7126]} الاستيفاء{[7127]} وغيرهم بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ، وأيضاً لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل الله إلاّ بمحض الإيمان كما أن الروح لا تبذل إلا بذلك .
ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في القصاص الذي {[7128]}أشير بآية المائدة{[7129]} إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من{[7130]} كان منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلاً{[7131]} فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية . وكان بعضهم كما نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس بالنفس ، أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور{[7132]} مبيناً للمساواة : { الحر بالحر } {[7133]}ولا{[7134]} يقتل بالعبد{[7135]} لأن ذلك ليس{[7136]} بأولى من الحكم المذكور ولا مساوياً بقتل{[7137]} العبد به لأنه أولى {[7138]}ولا{[7139]} بالحكم فهو مفهوم موافقة .
ولما {[7140]}قدم هذا لشرفه{[7141]} تلاه بقوله : { والعبد بالعبد } تعظيماً للذكورية ، {[7142]}وكذا يقتل بالحر لأنه أولى ، ولا يقتل الحر{[7143]} بالعبد لأنه ليس{[7144]} مساوياً للحكم { والأنثى بالأنثى } {[7145]}وتقتل{[7146]} الأنثى بالذكر والذكر بها ، لأن كلاًّ منهما مساوٍ{[7147]} للآخر وفاقا للأصل المؤيد بقوله{[7148]} صلى الله عليه وسلم " النساء{[7149]} شقائق الرجال " احتياطاً للدماء التي انتهاكها {[7150]}أكبر الكبائر{[7151]} بعد الشرك ، ونقصت الدية النصف إن كانت بدل الدم وفاقاً لقوله تعالى{ وللرجال عليهن درجة{[7152]} }[ البقرة : 228 ] وتنبيهاً على انحطاط {[7153]}حرمة الأموال{[7154]} عن حرمة الدماء على أن تصيب{[7155]} مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله ، وإذا تأملت قوله { القتلى{[7156]} } دون أن يقول{[7157]} : القتل . علمت ذلك . قال الحرالي{[7158]} : لأن أخذ غير الجاني ليس قصاصاً بل اعتداء{[7159]} ثانياً ، ولا ترفع{[7160]} العدوى بالعدوى إنما ترفع العدوى بالقصاص{[7161]} على نحوه وحده - انتهى{[7162]} . {[7163]}وكذا {[7164]}أخذ غير{[7165]} المساوي اعتداء فلا يقتل مسلم بكافر بما{[7166]} أفهمه القصاص ، وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله سبحانه وتعالى{ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة{[7167]} }[ الحشر : 20 ] في أمثالها من الآيات{[7168]} .
ولما فتح سبحانه وتعالى لنا باب الرحمة بالقصاص منبهاً{[7169]} على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك{[7170]} أظهر في الفرقان زيادة توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما{[7171]} . قال الحرالي : نقلاً من عقاب الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلاً من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ حظ من المال كما كان{[7172]} في الفداء{[7173]} الأول لذبح{[7174]} إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ولده فقال : { فمن عفي له }{[7175]} عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره - انتهى . وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع{[7176]} العفو من أي عاف كان له العفو في شيء من الحق ولو كان يسيراً وهو معنى قوله : { من أخيه شيء } أي أي شيء كان من العفو{[7177]} بالنزول عن طلب الدم إلى الدية ، وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين{[7178]} الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث{ ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ{[7179]} }[ النساء : 92 ] وإن لم يكن{[7180]} خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمناً إنما قصد أن يقتل عدوّاً{[7181]} وشاتماً أو عادياً على أهله و{[7182]}ماله أو ولده .
فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان { فاتباع }{[7183]} أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي{[7184]} الدم { بالمعروف } فيه توطين النفس على كسرها عن {[7185]}حدة ما تجره{[7186]} إليها أحقاد الجنايات ، والمعروف ما شهد عيانه{[7187]} لموافقته{[7188]} وبقبول{[7189]} موقعه {[7190]}بين الأنفس{[7191]} فلا يلحقها منه{[7192]} تنكر{[7193]} .
ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال { وأدآء إليه بإحسان } لئلا يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه ، وفي إعلامه{[7194]} إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان{ فقد جعلنا لوليه سلطاناً{[7195]} }[ الإسراء : 22 ] فيراقبون{[7196]} فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته - انتهى .
ولما وسع لنا{[7197]} سبحانه وتعالى بهذا الحكم نبه على علته تعظيماً للمنة فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الرفق{[7198]} وهو التخيير بين القصاص والعفو مجاناً وعلى الدية{[7199]} { تخفيف } أي عن القتال وأوليائه { من ربكم }{[7200]} المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل . وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى - انتهى . { ورحمة } لأولياء القتيل{[7201]} بالدية وللآخرين بالعفو عن الدم . روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن{[7202]} فيهم الدية ، فمن عفي له من أخيه شيء{[7203]} أي يقبل{[7204]} الدية في العمد ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة مما{[7205]} كتب على من{[7206]} كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية " انتهى . وقال أهل التفسير : كتب على اليهود{[7207]} القصاص وحرم عليهم{[7208]} الدية والعفو وعلى النصارى العفو وحرم عليهم الدية{[7209]} ]{[7210]} ؛ ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها تهديد من أباها{[7211]} فقال تعالى : { فمن اعتدى } أي بالقتل { بعد ذلك } أي {[7212]}التخيير و{[7213]}العفو ولو كان العافي غيره { فله عذاب أليم * } بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره{[7214]} وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الحكم الذي لا تسوغ{[7215]} مخالفته ، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظاً عليه . قال{[7216]} الحرالي{[7217]} : وفي الآية دليل على أن القاتل عمداً لا يصير بذلك كافراً ، قال الأصبهاني : قال ابن عباس : سمي{[7218]} القاتل في أول الآية مؤمناً وفي وسطها أخاً ولم يؤيسه{[7219]} آخرها من التخفيف والرحمة .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) القصاص معناه المماثلة في العقاب فأيما أحد اعتدى عمدا بقتل أو دونه كالجرح وغيره ، كان لولي القتيل أو للجريح أو المعتدى عليه أن يقتص بالمثل من المعتدي القاتل أو الجارح . وقيل : القصاص مأخوذ من قص الأثر ، ذلك أن القاتل بعد عدوانه يولي ذاهبا فيكون لقدميه من بعده أثر مما يعين أولياء القتيل على تتبع أثره وملاحقته وإدراكه . وقيل : القصاص مأخوذ من القص أي القطع ، وأساس ذلك أن يُقتل المعتدي أو يجرح قصاصا نظير عدوانه{[193]} .
ولقد شرع الإسلام القصاص عقابا رادعا تنزجر به نفوس الذين يسول لهم الشيطان أن يعتدوا على الآخرين بغير حق . وقد بينا سابقا أن الإسلام جاء مناسبا للفطرة البشرية تماما ، إذ جعل ولي القتيل أو المعتدى عليه بالخيار بين ثلاث . فإما القصاص ، وإما الدية ، وإما العفو . وذلك خلافا للكتب السماوية من قبل الإسلام فكانت من هذه القضية بالذات ما بين إفراط وتفريط . فالتوراة كان فيها إيجاب للقصاص دون الدية أو العفو . والإنجيل كان فيه إيجاب للعفو دون القصاص أو الدية .
ومن ذلك يبدو أن كلا الموقفين يأتي في غير صالح الفطرة البشرية أو أن كليهما لا يتلاءم مع المصلحة التي تقتضيها حقيقة التفاوت في رغبات البشر .
ومعلوم أن الناس متفاوتون ما بين حاد يؤثر الانتقام وإشفاء الغليل ، أو راغب في مال تهدأ معه سورة الغضب في نفسه ، أو وقور متبتل ودود يؤثر العفو على المال وإشفاء الغليل . فقد جاءت شريعة الإسلام ملاءمة لمثل هذه الطبائع المتفاوتة في رغائبها . وتطلعاتها . فشرعت بذلك الولي أو المصاب أن يختار بين أمور ثلاثة : القصاص والدية والعفو .
ويتبين من هذه الآية أن الناس كانوا لا يعدلون في القتل العمد ، بل كانوا يقتلون الرجل بالمرأة والحر بالعبد وذلك على سبيل المفاخرة والاستكبار . فكانوا إذا قتلت المرأة في القبيلة المشهورة قال أولياؤها : لا نقتل إلا رجلا بدلا منها من قبيلة القاتل . وإذا قتل الرجل فيها قال أولياؤه : نقتل بدلا منه اثنين أو أكثر ولا نكتفي بواحد أو القاتل نفسه . وإذا قُتل العبدُ في القبيلة ذات النفوذ والصيت قالوا : لا نقتل بدلا منه إلا حرا .
وذلك تصرف جاهلي ظالم أساسه التصور الضال الذي يراود أذهان الفاسدين والمنحرفين من الناس الذين يعيشون على الجاهلية الحمقاء في تعصبها وسفاهتها واستكبارها ؛ لذلك نزل قوله سبحانه ليضع الأمور في مواضعها الصحيحة وليقيم للقضايا وقواعد الحياة كلها خير ميزان : ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) أي لا ينبغي أن يُقتل بدل العبد حر ، ولا بدل الأنثى رجل . وإنما ينبغي أن يقتل القاتل نفسه سواء كان القاتل حرا أو عبدا أو أنثى . وسواء كان القتيل عبدا أو امرأة . ذلك هو القضاء العدل الذي يقوم على المماثلة دون انحراف أو تعصب أو جنوح للهوى .
ويتفرع عن هذه القضية جملة مسائل منها : هل يقتل الحر بالعبد ؟ أي أن الحر إذا قتل عبدا فهل يقتل به ؟
فقد هب الإمام ا [ و حنيفة وداود الظاهري والثوري وآخرون أن الحر يقتل بالعبد . وهو مروي عن فريق من الصحابة والتابعين . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) وكذلك قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) وذلك فيه عموم وهو يشكل الأنفس كيفما كانت دون تمييز بين حر وعبد أو ذكر وأنثى{[194]} . واستدلوا كلك بالحديث : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " {[195]} فليس من فرق إذن بين حر وعبد . وذلك خلافا لمذهب الجمهور بعدم قتل الحر بالعبد{[196]} . وذهب آخرون من العلماء إلى غير ذلك فقالوا : لا يقتل الحر بالعبد .
والراجح عندنا المذهب الأول استنادا إلى ما ذكرناه من دليل ، ويعزز ذلك قول النبي ( ص ) : " من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن خصاه خصيناه " {[197]}
ذهب أبو حنيفة إلى قتل المسلم بالكافر ، وهو يستند في ذلك إلى عموم قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) فأيما نفس تُقتل عمدا وجب قتل قاتلها ، مادام القتيل ذميا ؛ لأن الذمي يساوي المسلم في حرمة الدم . فهو ( الذمي ) محقون الدم على التأبيد وهو من دار الإسلام . وكذلك لو سرق المسلم فإنه تقطع يده في ذلك ؛ لأن مال الذمي مصون ؛ لذلك يُحكم بقتل قاتله في العمد . لكن جمهور العلماء قالوا : لا يقتل المسلم الكافر ، واستدلوا لذلك بما ثبت في البخاري عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا يقتل مسلم بكافر " وذلك حديث صحيح ، وهو يصلح لتخصيص العموم في قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص ) وقوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) .
وهو ما نميل إليه ونرجحه والله تعالى أعلم{[198]} .
أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة . أما القصاص بينهما فيما دون النفس فهو المعتبر عند أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور ، لكن أبا حنيفة – رضي الله عنه- خالفهم في ذلك وقال : لا قصاص بين المرأة والرجل فيما دون النفس ، وإنما يكون القصاص في النفس .
وفي تقديري أن قول الإمام في هذه المسألة مرجوح ، فإنه إذا وجب القصاص بينهما في النفس فمن الأولى أن يكون القصاص بينهما فيما دون النفس{[199]} .
اختلف العلماء في هذه المسألة . فقد ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي إلى أنه لا قَود على الأب في قتل ابنه وأن عليه الدية فقط ، وقد استندوا في قولهم هذا إلى الحديث : " لا يقاد والد بولده " {[200]} وتعلقوا أيضا في قضاء لعمر- رضي الله عنه- إذ قضى بالدية المغلطة في قاتل ابنه ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة .
وقد خالف الإمام مالك الجمهور في هذه المسألة ، وقال بالتفصيل . فإن رماه الأب بالسلاح على سبيل التأديب أو الحنق{[201]} فقتله وما كان يقصد بذلك قتلا فقد ذكر عنه أنه يقتل به . وفي قول آخر عنه أنه لا يقتل به ، بل يدفع ديته مغلظة .
أما إذا قصد قتله فعلا وعلى نحو مستبين ومكشوف كأن يضجعه ويذبحه ذبحا قتل به قولا واحدا{[202]} .
ذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الجماعة يقتلون بالواحد ، فإذا تمالأ كثيرون على قتل واحد بريء عمدا جاز قتلهم جميعا . وخالفهم في ذلك الإمام أحمد بن حنبل الذي قال : لا تقتل الجماعة بالواحد ، وتوجيه ذلك عنده أن الله سبحانه شرط المساواة في القصاص ولا مساواة بين الجماعة والواحد . فقد قال تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) وذلك يقتضي المساواة ولا مساواة في قتل الجماعة بالواحد .
لكن الحقيقة الظاهرة أن هذا القول الذي ذهب إليه أحمد مرجوح وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح والصحيح .
وتوجيه ما ذهب إليه الجمهور أن المراد بالقصاص في الآية المذكورة هو قتل من قتل أيا كان القاتل ، ويستوي في ذلك أن يكون القاتل واحدا أو أكثر ، فإن كانوا أكثر من واحد فكل واحد منهم مشارك في القتل . وفي ذلك رد مناسب على ما اعتاده العرب ، إذ كانوا يريدون أن يقتلوا بمن قتل من لم يقتل ، ويقتلون بدل القتيل الواحد مائة ، وذلك على سبيل المفاخرة والاعتداد بالجاه والسيطرة . فأمر الله – ردا عليهم- أن يقتل كل من قتل .
ومن المعلوم كذلك أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة برجل واحد في صنعاء ، وقال قولته المشهورة : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعا . حتى قيل إنه لا يعرف له في زمانه من خالفه من الصحابة فكان ذلك كالإجماع .
وكذلك قاتل علي – رضي الله عنه- الحرورية لما قتلوا رسوله عبد الله بن خباب إذ ذبحوه كما تذبح الشاة . ولما علم علي بذلك قال : الله أكبر ! نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب ، فقالوا : كلنا قتلناه ثلاث مرات . فقال علي لأصحابه : دونكم القوم . فما لبث أن قتلهم علي بعبد الله بن خباب .
ويعزز ذلك أيضا ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله ( ص ) : " لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار " .
ومن ناحية أخرى فإن صون الدماء وحفظ الأرواح يتطلب أن يقتل الجماعة بالواحد ؛ لكيلا يكون ثمة مجال للاحتيال ينفذ منه القتلة . فإذا علمت الجماعة أن قتلهم للواحد لا يوقع عليهم قصاصا تعاون الخصوم على قتل خصم واحد لهم مشتركين . وفي ذلك تأدية لغرضهم المبيت المقصود وإشفاء لغيظهم وغليلهم{[203]} .
وبعد القتل العمد فإن وليّ القتيل له الخيار ، فإن شاء اقتص ، وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل . فإن القاتل في هذه الحالة مكلف بدفع الدية بغير رضاه إن طلبها الولي . أي أن دفع الدية في حق القاتل يصبح فرضا عليه ؛ وذلك لإحياء نفسه وإنقاذها من الموت ، لقوله سبحانه : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) وذلك ما ذهب إليه مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون غيرهم .
قوله : ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان ) قوله ( مَنْ ) يراد به القاتل ، والذي يعفو هو ولي المقتول . والمراد بأخيه ، المقتول أو ولي الدم . والمراد بالشيء ، الدم الذي يعفو عنه الولي ليكتفي بدلا منه بأخذ الدية . والمعني ، أن القاتل والجاني إذا عفا عنه ولي المقتول أو المجني عليه فيما يأخذه منه بالمعروف ، وعلى القاتل أو الجاني أن يؤدي له ما عليه بإحسان ، أي من غير مماطلة ولا تسويف وقوله : ( فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) يأمر الله في ذلك بحسن الاقتضاء من ولي الدم وحسن القضاء من القاتل . فعلى الولي أن يطالبه بالدية برفق ، وعلى الجاني القاتل أن يدفع إليه الدية بإحسان فلا يماطل أو يتردد في الأداء بما يشق على الولي الذي عفا له عن القصاص منه .
وقوله : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) اسم الإشارة مبتدأ في محل رفع خبره تخفيف مرفوع ، لقد خفف الله عن هذه الأمة ثقل الحكم الذي كان مفروضا في القتل العمد في كل من التوراة والإنجيل ، فما كان في التوراة غير القصاص ، وما كان في الإنجيل غير العفو ، وفي كليهما قسوة كما هو معلوم ، بل إن كليهما يقف من قضية القتل العمد موقف التطرف الذي يجلب لكثير من الناس حرجا وتعسيرا ، لكن شريعة الإسلام جعلت للناس مندوحة أرحب في تقرير مجالات ثلاثة وهي : القصاص أو الدية أو العفو وذلك تخفيف عن كاهل هذه الأمة ورحمة بها .
وقوله : ( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) أي من قبل الدية أو أخذها بدل القول ثم عاد وقتل القاتل فله من الله عذاب موجع شديد ؛ لما في ذلك من سوء النية وخبث القصد وفساد التصرف . فما دام الولي قد قبل الدية فليس له بعد ذلك أن يقتاد من القاتل ، وإلا كان في زمرة الكاذبين الذين يخفون للناس مكرا وخداعا وليس ذلك من أخلاق المؤمنين الصادقين ، بل هو من أخلاق المنافقين أو الجاهليين كما وصفهم الحسن البصري في هذه القضية فقال : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيصالحون بالدية ، فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية حتى يأمن القاتل ويخرج فيقتله ويرمي إليهم بالدية .
وقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ( ص ) قال : " من أصيب بقتل أو خبْل{[204]} فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص ، وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية ، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها " .
وثمة مسألة اختلف فيها العلماء وهي فيما إذا أقدم ولي القتيل على قتل القاتل بعد أخذ الدية . ففي ذلك تفصيل للعلماء نبينه في التالي :
ذهب فريق من العلماء ومن بينهم الإمامان مالك والشافعي إلى أن الولي المعتدي يكون شأنه في هذه الحالة كمن قتل ابتداء . وبذلك فإن ولي القتيل الثاني بالخيار ، فإن شاء قتل القاتل أو عفا عنه ، وهو في الآخرة من المعذبين بسبب اعتدائه بعد قبوله للدية .
وقال آخرون : جزاء القاتل الثاني المعتدي أن يقتل البته فلا دية ولا عفو ، وذلك لما قارف من عدوان بالقتل بعد الدية . وفي ذلك روى أبو دوود عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا أعفى{[205]} من قتل بعد أخذ الدية " وفي رواية : : " لا أعافي " .
وقيل : عذاب المعتدي القاتل أن يرد الدية التي أخذها وعذابه في الآخرة . وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يراه ملائما .
والراجح عندي هو القول الأول وهو أن يكون شأن الولي المعتدي كمن قتل ابتداء . ونستند في ذلك إلى ظاهر الآية في القتل العمد . فمن أخذ الدية أسقط حقه في القود وعاد به الأمر إلى حاله ابتداء . فإذا وقع بعد ذلك قتل وجب القضاء بالخيارات الثلاثة من جديد وهي : القود أو العفو أو الدية{[206]} .