فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (178)

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون } .

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } كتب معناه فرض وأثبت ، وهذا إخبار من الله تعالى لعباده بأنه شرع لهم ذلك ، وقيل إن كتب هنا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ ، والخطاب للقاتلين وولاة الأمور ، والقصاص أصله قص الأثر أي اتباعه ، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار ، وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل يسلك طريقا من القتل يقص أثره فيها ، ومنه قوله تعالى { فارتدا على آثارهما قصصا } وقيل أن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع ، يقال قصصت ما بينهما أي قطعته ، قيل نزلت في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية بسبب قتيل فكانت بينهم قتلى وحروب وجراحات كثيرة ، ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام ، وقيل نزلت في الأوس والخزرج ، وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف .

وقيل نزلت لإزالة الأحكام التي كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب القتل بلا عفو ، ووجوب العفو بلا قتل ، والقتل تارة وأخذ الدية تارة ، والقصاص على القاتل للولي لا على الول . والقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح ، فيقتل القاتل بمثل الذي قتل به : وهو قول مالك والشافع ، وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد ؛ والكلام في فروع هذه المسألة يطول ؛ { وفي } في القتلى للسبب كقوله صلى الله عليه وسلم ( أن امرأة دخلت النار في هرة أي بسببها ) وفعلى يطرد جمعا لفعيل بمعنى مفعول .

{ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد وهم الجمهور ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداوود إلى أنه يقتل به إذا كان غير سيده ، وأما سيده فلا يقتل به إجماعا إلا ما روي عن النخعي ، فليس مذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق ، ذكره الشوكاني في شرح المنتقي ، قال القرطبي : وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد ابن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم ابن عتبة ، واستدلوا بقوله تعالى { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله الحر بالحر والعبد بالعبد مفسر لقوله تعالى { النفس بالنفس } وقالوا أيضا أن قوله { وكتبنا عليهم فيها } يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في التوراة .

ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله صلى الله عليه وسلم ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) ويجاب عنه بأنه مجمل ، والآية مبينة ، ولكنه يقال ان قوله تعالى { الحر بالحر والعبد بالعبد } إنما أفاد بمنطوقه أن الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد ، وليس فيه ما يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم ، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا ، ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا والبحث في هذا محرر في علم الأصول .

وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر ، وهم الكوفيون والثوري ، لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول المسلم ، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم ، واستدلوا أيضا بقوله تعالى { أن النفس بالنفس } لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة ، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر ، واستدلوا بما ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لا يقتل مسلم بكافر } {[159]}وهو مبين لما يراد في الآيتين ، وهذه الآية مع الأحاديث الواردة في ذلك حجة على أصحاب الرأي ، والبحث في هذا يطول .

واستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل بالأنثى وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا سلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية الرجل ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور ، وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا زيادة وهو الحق ، وقد بسط الشوكاني البحث في نيل الأوطار فليرجع إليه .

{ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } { من } هنا عبارة عن القاتل أو الجاني . والمراد بالأخ المقتول أو الولي ، والشيء عبارة عن الدم ، والمعنى أن القاتل والجاني إذا عفي له من جهة المجني عليه أوولي الدم أصابه منه على أن يأخذ منه شيئا من الدية أو الأرش فليتبع المجني عليه أو الولي من عليه الدم فيما يأخذه منه من ذلك اتباعا بالمعروف وليؤد الجاني ما لزمه من الدية أو الأرش إلى المجني عليه أو إلى الولي أداء بإحسان ، وقيل أن { من } عبارة عن الولي ، والأخ يراد به القاتل ، والشيء الدية . والمعنى أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص إلى مقابل الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه للقصاص كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ذلك ، وذهب من عداه إلى أنه لا يخير بل إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل ، بل يلزمه تسليمها .

وقيل معنى عفي بذل أي من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف ، وقيل ان المراد بذلك أن من فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من الديات ، فيكون عفي بمعنى فضل ، وعلى جميع التقادير فتنكير شيء للتقليل فيتناول العفو من الشيء اليسير من الدية ، والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة .

وفي الآية على أن القاتل لا يصير كافرا وأن الفاسق مؤمن لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمنا حال ما وجب عليه من القصاص وقتل العمد والعدوان من الكبائر بالإجماع ، فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم وأراد بها أخوة الإيمان ، فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة ، وأيضا ندب إلى العفو عن القاتل والعفو لا يليق إلا عن المؤمن لا عن الكافر .

{ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة } إشارة إلى العفو والدية أي أن الله شرع لهذه الأمة العفو من غير عوض ، أو بعوض ، ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود ، فإنه أوجب عليهم القصاص ولا عفو ، وكما ضيق على النصارى فإنه أوجب عليهم العفو والدية ، وفيه تضييق على كل من الوارث والقاتل ، فهذا تخفيف مما كتب على من كان قبلكم .

{ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } أي بعد التخفيف نحو أن يأخذ الدية ثم يقتل القاتل أو يعفو ثم يستقص .

وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية فقال جماعة منهم مالك والشافعي أنه كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه ، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ، وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة وقال عمر ابن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث إما أن يقتص وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها أبدا ) {[160]} وعن قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية ) أخرجه{[161]} ابن جرير وابن منذر .

وأخرج سمويه في فوائده عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ، والعذاب الأليم قيل هو عذاب الآخرة وقيل هو أن يقتل قصاصا ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه ، والأول أظهر وأولى ، ويدل له الحديث المتقدم .


[159]:أحمد/1/ 79 - 2 / 178 وبرواية لا يقتل مؤمن بكافر 2/180
[160]:ضعيف الجامع الصغير 5441 .
[161]:أبو داوود كتاب الديات الباب 5 – أحمد ابن حنبل 2 / 262 .