نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (185)

ولما أبهم الأمر أولا{[7524]} في الأيام{[7525]} وجعله واجباً مخيراً على المطيق{[7526]} عين هنا {[7527]}وبت الأمر فيه{[7528]} بقوله تعالى : { شهر رمضان } لأن{[7529]} ذلك أضخم وآكد من تعيينه{[7530]} من أول الأمر . قال الحرالي{[7531]} : والشهر هو الهلال الذي شأنه أن{[7532]} يدور دورة من حين أن{[7533]} يهل إلى أن يهل ثانياً سواء كانت عدة أيامه تسعاً وعشرين أو ثلاثين ، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر واحد ، فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكمال{[7534]} العدة كما يأتي أحد الفردين لمسماه{[7535]} رمضان ، يقال{[7536]} : هو اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى{[7537]} ، واشتقاقه من الرمضاء وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة ، كأن هذا الشهر سمي بوقوعه زمن{[7538]} اشتداد الحر بترتيب أن يحسب{[7539]} المحرم من أول فصل الشتاء أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها ، قال : وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق حين تنزل الشمس الحوت والسماوي اللاحق حين تنزل الشمس الحمل ، وقال : إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى القبلة أولاً بوجه أهل الكتاب تداركه الإرفاع{[7540]} إلى حكم الفرقان المختص بهم{[7541]} ، فجعل صومهم{[7542]} القار{[7543]} لهم بالشهر لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة{[7544]} ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس ، فجعل صومهم لرؤية الشهر وجعل لهم الشهر يوماً واحداً ، فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم{[7545]} يوم واحد غير معدود لوحدته ، لأنهم أمة أمية{ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة }[ الأعراف : 142 ] هي ميقات أمة محمد صلى الله عليه وسلم{ وأتممناها بعشر{[7546]} }[ الأعراف : 142 ] هي ميقات موسى عليه الصلاة والسلام وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة - انتهى .

ولما كان هذا خطاب إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر{[7547]} فيه جملة {[7548]}إلى بيت العزة وابتدىء من{[7549]} إنزاله إلى الأرض . قال الحرالي : وأظهر فيه وجه القصد{[7550]} في الصوم وحكمته الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول{[7551]} الكتابي فقال : { الذي أنزل فيه{[7552]} القرآن } فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسراً لتلاوته ، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجد الليل ، وهو صيغة مبالغة من القرء ، وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح - انتهى{[7553]} . وفي مدحه بإنزاله فيه مدح للقرآن به من حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية{[7554]} الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف على حقيقة{[7555]} ما أتبع {[7556]}هذا به{[7557]} من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة من أنه{ لا ريب فيه }[ البقرة : 2 ] و{[7558]}أنه{ هدى{[7559]} }البقرة : 2 ] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى : { هدى للناس } قال الحرالي : فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم ، أي {[7560]}بالتهيئة للتدبر{[7561]} والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم{[7562]} إلى رتبة المحسنين ، فهو هدى{[7563]} يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم{[7564]} ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه أن مفتاح الهدى{[7565]} إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله نور الله سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة{[7566]} جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا لعامة{[7567]} خلقه ؛ وفي إشارته لمح{[7568]} لما يعان به الصائم من سد{[7569]} أبواب النار وفتح أبواب الجنة وتصفيد{[7570]} الشياطين ، كل ذلك بما يضيق من مجاري الشيطان من الدم الذي ينقصه الصوم ، فكان فيه مفتاح الخير كله ؛ وإذا هدى الناس كان للذين آمنوا أهدى وكان{[7571]} نوراً لهم وللمؤمنين أنور ، كذلك إلى أعلى رتب الصائمين العاكفين الذاكرين الله كثيراً الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة{[7572]} الحق بذكره .

وفي قوله : { وبينات } إعلان بذكر ما يجده الصائم من نور قلبه وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه وكونها { من الهدى } الأعم الأتم{[7573]} الأكمل الشامل لكافة الخلق { والفرقان } الأكمل ، و{[7574]}في حصول الفرقان عن بركة الصوم و{[7575]}الذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتب{[7576]}ه على وجهه إشعار بما يؤتاه{[7577]} الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل إلا بعد{[7578]} تحقق الفرقان ، فإن{[7579]} المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في الكتب الأول لعلكم تتقون } فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان كما قال تعالى{ إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً{[7580]} }[ الأنفال : 29 ] ينتهي{[7581]} إلى جمع{[7582]}يشعر به نقل{[7583]} الصوم من عدد الأيام إلى وحدة الشهر - انتهى . فعلى{[7584]} ما قلته المراد بالهدى الحقيقة ، وعلى ما قاله{[7585]} الحرالي هو مجاز {[7586]}علاقته السببية لأن الصوم مهيىء{[7587]} للفهم وموجب للنور ، و { الهدى } المعرف{[7588]} الوحي أعم من الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك ، وعلى ما قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب الأول للأيام ، والفرقان هو الخاص بالعرب{[7589]} الذي أعرب عن وحدة الشهر . ولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة فقال : { فمن شهد } أي حضر{[7590]} حضوراً تاماً برؤية بينة لوجود الصحو{[7591]} من غير غمام أو بإكمال عدة شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضاً ولا مسافراً . قال الحرالي : و{[7592]}في شياعه إلزام لمن رأى الهلال{[7593]} وحده بالصوم . وقوله : { منكم } خطاب الناس{[7594]} ومن فوقهم حين كان الصيام معلياً لهم { الشهر } هو المشهود على حد ما تقول النحاة مفعول{[7595]} على السعة ، لما فيه من حسن{[7596]} الإنباء وإبلاغ المعنى ، ويظهر معناه قوله تعالى : { فليصمه } فجعله واقعاً على الشهر لا واقعاً على معنى : فيه ، حيث لم يكن : فليصم فيه{[7597]} ؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعاً{[7598]} هنا بين صوم الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى{[7599]} .

{[7600]}ولما نسخ{[7601]} بهذا ما مر من التخيير {[7602]}أعاد ما{[7603]} للمريض والمسافر لئلا{[7604]} يظن نسخه{[7605]} فقال : { ومن كان مريضاً } أي سواء شهده{[7606]} أولا { أو على سفر } أي سواء كان مريضاً أو صحيحاً{[7607]} وهو {[7608]}بين بأن{[7609]} المراد شهوده في بلد الإقامة { فعدة } قال الحرالي : فمرد{[7610]} هذا الخطاب من مضمون أوله فمعناه : فصومه عدة ، من حيث لم يذكر{[7611]} في هذا الخطاب الكتب ، ليجري مرد{[7612]} كل خطاب على حد مبدئه . وفي قوله : { من أيام أخر } إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر رمضان ونزول قضائه منزلة الصوم الأول ، و{[7613]}في عدده وفي إطلاقه إشعار بصحة وقوعه متتابعاً وغير متتابع - انتهى . ولما رخص{[7614]} {[7615]}ذلك علل{[7616]} بقوله : { يريد{[7617]} الله } أي الذي لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره { بكم اليسر } {[7618]}أي شرع السهولة{[7619]} بالترخيص للمريض والمسافر وبقصر{[7620]} الصوم على شهر { ولا يريد بكم العسر } في جعله عزيمة على الكل وزيادته{[7621]} على شهر . قال الحرالي : اليسر عمل{[7622]} لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم ، والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم . وقال : فيه إعلام برفق الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر ، وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر{[7623]} ، ليجري الظاهر على حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته{[7624]} في البطون ، إذ لكل آية منه{[7625]} ظهر وبطن ، فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر " وكان أهل القوة من العلماء يصومون ولا ينكرون الفطر - انتهى . {[7626]}قال الشعبي{[7627]} : إذا اختلف عليك أمران فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية .

ولما كانت علة التيسير{[7628]} المؤكد بنفي التعسير{[7629]} الإطاقة فكان التقدير : لتطيقوا ما أمركم به ويخف{[7630]} عليكم أمره ، عطف عليه قوله : { ولتكملوا } من الإكمال وهو بلوغ الشيء إلى غاية حدوده في قدر أو عد حساً أو معنى { العدة } أي عدة أيام رمضان إلى رؤية الهلال إن رأيتموه و{[7631]}إلى انتهاء ثلاثين التي لا يمكن زيادة الشهر عليها إن غم {[7632]}عليكم بوجود الغمام فلم تشهدوه{[7633]} ، فإنه لو كلفكم أكثر منه أو كان إيجابه على كل حال كان{[7634]} جديراً بأن تنقصوا{[7635]} من أيامه إما{[7636]} بالذات بأن تنقصوا من عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في أثنائها{[7637]} كما تفعل{[7638]} النصارى ، فيؤدي ذلك إلى إعدامها أصلاً ورأساً . وقال الحرالي : التقدير{[7639]} : لتوفوا{[7640]} الصوم بالرؤية ولتكملوا إن أغمي عليكم ، ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء بقوله : { شهد } وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال{[7641]} - انتهى .

{[7642]}وفيه إشارة إلى احتباك ، فإن ذكر الشهود أولاً يدل على عدمه ثانياً وذكر الإكمال لأجل الغمام ثانياً يدل على الصحو أولاً{[7643]} .

ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك أجدر بتعظيمه قال : { ولتكبروا } والتكبير إشراف القدر{[7644]} أو المقدار حساً أو معنى - قاله الحرالي . وقرن به الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال : { الله } أي {[7645]}الذي تقف{[7646]} الأفهام{[7647]} خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ{[7648]} جماله لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى بدوام الخضوع من القلوب . قال الحرالي : وفيه إشارة إلى ما يحصل{[7649]} للصائم بصفاء باطنه من شهود ما يليح{[7650]} له أثر صومه من هلال نوره{[7651]} العلي ، فكما{[7652]} كبر في ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ربه{[7653]} ، فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة{[7654]} يوم العيد ، وأعلن فيها بالتكبير وكرر لذلك ، وجعل{[7655]} في براح{[7656]} من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه وتعالى إنما هو بما جلّ من مخلوقاته ، فكان في{[7657]} لفظه إشعار{[7658]} لما أظهرته السنة من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى التكبير الذي إنما يكون علناً{[7659]} - انتهى{[7660]} . ومن أعظم أسراره أنه لما كان العيد محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من الشره{[7661]} تارة غفلة وتارة بغياً أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر{[7662]} من سورتها ، ولما كان للوترية أثر{[7663]} عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وتراً وجعل سبعاً في الأولى لذلك وتذكيراً بأعمال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقاً{[7664]} إليها لأن النظر{[7665]} إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيراً بخالق{[7666]} هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في{[7667]} الأيام السبع لأنه خلقهما{[7668]} في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم الجمعة ، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وتراً{[7669]} إلى السبعة من دونها{[7670]} جعل تكبير{[7671]} الثانية خمساً لذلك ، ولأنه{[7672]} لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة والقهر والملك بجميع{[7673]} الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير بتكبير الثانية إلى عبادته{[7674]} بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصاً بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق .

ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال : { على } أي حامدين له على { ما هداكم } أي يسر{[7675]} لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم{[7676]} للزومها ودوام التمسك بعراها{[7677]} ، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد{[7678]} أحد من المسلمين يخل به إلا نادراً - والله سبحانه وتعالى الموفق .

وقال الحرالي : إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده الله من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بآية{[7679]} بادية{[7680]} لأهل المراقبة كلاًّ على{[7681]} حكم وجده{[7682]} من استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه ، فأعظم الهدى هدى المرء{[7683]} لأن يذبل{[7684]} جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه ، كما يقول : " يدع طعامه وشرابه من أجلي " فكل عمل فعل وثبت إلاّ الصوم فإنه محو وفقد ، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى .

ولما كان الشكر صرف ما أنعمه المنعم في طاعته{[7685]} وكان العمل{[7686]} إذا خف أقرب إلى لزوم الطاعة بلزومه ، ولو ثقل لأوشك أن يعصى بتركه{[7687]} قال : { ولعلكم{[7688]} تشكرون * } أي ولتكونوا في حالة يرجى معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية . وقال الحرالي : فيه تصنيف في الشكر نهاية كما كان فيه{[7689]} تصنيف للتقوى{[7690]} بداية ، كما قال : { ولعلكم تتقون } فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء ؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض{[7691]} زكاة الفطر عن{[7692]} كل صائم و{[7693]}عمن يطعمه{[7694]} الصائم ، فكان في الشكر إخراجه{[7695]} فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ربه{[7696]} وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته ، فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن يعوله الصائم - انتهى .


[7524]:ليس في ظ.
[7525]:ليست في ظ.
[7526]:ليست في ظ.
[7527]:ليست في ظ، ووقع في الأصل "رتب" مكان "بت" والتصحيح من م ومد.
[7528]:ليست في ظ، ووقع في الأصل "رتب" مكان "بت" والتصحيح من م ومد.
[7529]:من م وظ ومد، وفي الأصل: كان.
[7530]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تعيينه.
[7531]:في البحر المحيط 2 / 26: قال الأندلسي: الشهر مصدر شهر الشيء يشهره: أظهره ومنه الشهرة وبه سمى الشهر، وهو المدة الزمانية التي يكون مبدؤ الهلال فيها خافيا إلى أن يستسر ثم يطلع خافيا، سمى بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات وغيرها من أمورهم. وقال الزجاج: الشهر الهلال، قال: والشهر مثل قلامة الظفر سمى بذلك لبيانه.
[7532]:زيد من م ومد وظ.
[7533]:ليس في م ومد وظ.
[7534]:في مد وظ: فكمال.
[7535]:من م ومد وظ: وفي الأصل: لسماه.
[7536]:من م وظ ومد، وفي الأصل: فقال.
[7537]:في البحر المحيط 2/26: رمضان علم على شهر الصوم وهو علم جنس ويجمع على رمضانات وأرمضة وعلقة هذا الاسم من مدة كان فيها في الرمضى وهو شدة الحر كما سمى الشهر ربيعا من مدة الربيع وجمادى من مدة الجمود، ويقال: رمض الصائم يرمض احترق جوفه من شدة العطش، ورمضت الفصال أحرق الرمضاء أخفافها فبركت من شدة الحر وانزوت إلى ظل أمهاتها، ويقال: أرمضته الرمضاء أحرقته وأرمضنى الأمر...وعن ابن السكيت: وكانوا يرمضون أسلحتهم في هذا الشهر ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرام وكان هذا الشهر في الجاهلية يسمى ناتقا.
[7538]:من م ومد وظ، وفي الأصل: من.
[7539]:من ظ: وفي م: يحسب، وفي مد: يحرم، وفي الأصل: يجب.
[7540]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا رفاع.
[7541]:زيد من م ومد وظ.
[7542]:العبارة من هنا إلى "صومهم" ليست في ظ.
[7543]:من م ومد وموضعه في الأصل بياض.
[7544]:من م ومد وفي الأصل: أهله.
[7545]:زيدت من م وظ ومد.
[7546]:سورة 7 آية 142.
[7547]:من م وظ، وفي الأصل: البركة ولا يتضح في مد.
[7548]:العبارة من هنا إلى "الأرض" ليست في ظ.
[7549]:ليس في م.
[7550]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الفصل.
[7551]:زيد في ظ "و".
[7552]:وظاهره أنه ظرف لإنزال القرآن والقرآن يعم الجميع ظاهرا ولم يبين محل الإنزال فعن ابن عباس أنه أنزل جميعه إلى سماء الدنيا ليلة أربع وعشرين من رمضان ثم انزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، والتوراة ليست مضين منه، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين – البحر المحيط 2 / 39 و 40 .
[7553]:وقال أبو حيان الأندلسي: القرآن مصدر قرأ قرآنا، قال حسان رضي الله عنه: محوا باسمك عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا أي وقراءة.....ومعنى قرآن بالهمز الجمع لأنه يجمع السور كما قيل في القرء وهو إجماع الدم في الرحم أولا لأن القارئ يلقيه عند القراءة من قول العرب: ما قرأت هذه الناقة سلاقط أي ما رمت به – البحر المحيط 2 / 26 و 27.
[7554]:من م ومد، وفي ظ: تصفيته، وفي الأصل: بصبغة – كذا.
[7555]:في م: حقيقته.
[7556]:من م ومد وفي الأصل: هذا، وفي ظ: هدايه.
[7557]:من م ومد وفي الأصل: هذا، وفي ظ: هدايه.
[7558]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إن هذا.
[7559]:من م وظ ومد، وفي الأصل: إن هذا.
[7560]:من مد وظ، وفي الأصل: بالهيبة للقدير وفي م: لتهيئه للتدبر.
[7561]:من مد وظ وفي الأصل: بالهيبة للقدير، وفي م: لتهيئه للتدبر.
[7562]:زيد من م وظ ومد.
[7563]:من م وظ ومد، وفي الأصل: هذا.
[7564]:من م ومد وظ وفي الأصل: الحتم
[7565]:في م: الهداية.
[7566]:من ظ، وفي الأصل وم: العبادة، وفي مد: العيادة.
[7567]:من م ومد وظ وفي الأصل: العامة.
[7568]:من م وظ ومد، وفي الأصل: قمح.
[7569]:من ظ ومد وم: وفي الأصل: شدة.
[7570]:في الأصول كلها: تصفد – كذا.
[7571]:من م وظ ومد، وفي الأصل: فكان.
[7572]:من م وظ ومد، وفي الأصل: محالة.
[7573]:في ظ: ثم.
[7574]:ليس في م وظ.
[7575]:ليس في ظ وم.
[7576]:من م وظ ومد، وفي الأصل: رتبة.
[7577]:في م: توقاه.
[7578]:في م: به.
[7579]:زيد من مد.
[7580]:سورة 8 آية 29.
[7581]:من م وظ ومد، وفي الأصل: انتهى.
[7582]:من م وظ ومد، وفي الأصل: جميع.
[7583]:في ظ فقط: نفل.
[7584]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فعل.
[7585]:في م وظ ومد: قال.
[7586]:من م ومد وظ، وفي الأصل: علاقة التشبيه.
[7587]:ليس في م، وفي ظ: يهى، وفي مد: مهيء.
[7588]:من م ومد، وفي الأصل وظ: العرف وفي البحر المحيط 2 /40: والهدى والفرقان يشمل الكتب الإلهية فهذا القرآن بعضها وعبر عن البينات بالفرقان ولم يأت من الهدى والبينات فيطابق العجز الصدر لأن فيه مزيد معنى لازم للبينات وهو كونه يفرق به بين الحق والباطل فمتى كان الشيء جليا واضحا حصل به الفرق، ولن في لفظ الفرقان مؤاخاة للفاصلة قبله وهو قوله: "شهر رمضان" ثم قال: "الذي أنزل فيه القرآن" ثم قال: "هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" فحصل بذلك تواخي هذه الفواصل فصار الفرقان هنا أمكن من البينات من حيث اللفظ ومن حيث المعنى.
[7589]:من م وظ وفي الأصل ومد: بالعرف.
[7590]:العبارة من هناإلى "مسافرا" ليست في ظ.
[7591]:في م: الصحوى.
[7592]:ليس في ظ.
[7593]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الهلاك.
[7594]:في م وظ، للناس.
[7595]:من م وظ ومد، وفي الأصل: مفعولا. وفي البحر المحيط 2 / 41: الألف واللام في الشهر للعهد ويعني به شهر رمضان ولذلك ينوب عنه الضمير ولو جاء فمن شهد منكم فليصمه لكان صحيحا وغنما أبرزه ظاهرا للتنويه والتعظيم له وحسن له أيضا كونه من جملة ثانية، ومعنى شهود الشهر الحضور فيه فانتصاب الشهر على الظرف، والمعنى أن المقيم في شهر رمضان إذا كان بصفة التكليف يجب عليه الصوم إذ الأمر يقتضي الوجوب وهو قوله "فليصمه" وقالوا على انتصاب الشهر: إنه مفعول به وهو على حذف مضاف.
[7596]:من م ومد وظ، وفي الأصل: حين.
[7597]:زيد من م وظ ومد.
[7598]:من م ومد وظ، وفي الأصل: واقفا.
[7599]:ليس في م ومد.
[7600]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[7601]:من م ومد وفي الأصل: سنح.
[7602]:من م ومد وفي الأصل: أعادها.
[7603]:من م ومد وفي الأصل: أعادها.
[7604]:زيد في م "و".
[7605]:من م ومد، وفي الأصل: منحه.
[7606]:في م: أشهده.
[7607]:العبارة من هنا إلى "الإقامة" ليست في ظ.
[7608]:في م ومد: يبين أن.
[7609]:في م ومد: يبين أن.
[7610]:من مد وظ، وفي الأصل: فمرو وفي م: فمراد وفي البحر المحيط 2 / 41: تقدم تفسير هذه الجملة وذكر فائدة تكرارها على تقدير أن شهر رمضان هو قوله: "أياما معدودات" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
[7611]:في م: لم تذكر.
[7612]:من ظ ومد وفي الأصل وم: مراد.
[7613]:زيد من م.
[7614]:من ظ، وفي الأصل وم ومد: ارخص.
[7615]:في م ومد وظ، علل ذلك.
[7616]:في م ومد وظ: علل ذلك.
[7617]:والإرادة هنا إما أن تبقى على بابها فتحتاج إلى حذف ولذلك قدره صاحب المنتخب: يريد الله أن يأمركم بما فيه يسر، وإما أن يتجوز بها عن الطلب أي يطلب الله منكم اليسر، والطلب عندنا غير الإرادة؛ وغنما احتيج إلى هذين التأويلين لن ما أراده الله كائن لا محالة على مذهب أهل السنة والجماعة وعلى ظاهر الكلام لم يكن ليقع عسر وهو واقع – البحر المحيط 2 / 42.
[7618]:ليست في ظ.
[7619]:ليست في ظ.
[7620]:من م ومد وفي الأصل: يقصر وفي ظ: تقصر.
[7621]:في م: زيادة.
[7622]:من م ومد وظ، وفي الأصل: عمدا.
[7623]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الفطر.
[7624]:من ظ وفي الأصل وم ومد: حكمه.
[7625]:في م: من وفي الحديث: لكل آية ظهر وبطن.
[7626]:العبارة من هنا إلى هذه الآية" ليست في ظ.
[7627]:وفي الحديث: دين الله يسر "يسر ولا تعسر" وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ وفي القرآن: "ما جعل عليكم في الدين من حرج" ويضع عنهم أصرهم والإغلال التي كانت عليهم "فيندرج في العموم في اليسر فطر المريض والمسافر اللذين ذكر حكمهما قبل هذه الآية، ويندرج في العموم في العسر صومهما لما في حالتي المرض والسفر من المشقة والتعسير، وروى عن علي وابن عباس ومجاهد والضحاك أن اليسر الفطر في السفر أو العسر الصوم فيه – البحر المحيط 2 / 42.
[7628]:من م ومد وظ، وفي الأصل: اليسر.
[7629]:من م ومد وظ، وفي الأصل: النفس.
[7630]:من مد وظ، وفي م: مخف؛ وفي الأصل: يخفف.
[7631]:زيد من م ومد وظ.
[7632]:ليست في ظ.
[7633]:ليست في ظ.
[7634]:زيد من م ومد وظ.
[7635]:من م ومد وظ وفي الأصل: بان تنقضوا – كذا بالضاد.
[7636]:في ظ: أياما.
[7637]:من م ومد وظ، وفي الأصل: منتهايها.
[7638]:في م ومد وظ: يفعل.
[7639]:وقال الأندلسي: قال الزمخشري: تقديره: شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله "لتكملوا" علة الأمر بمراعاة العدة "ولتكبروا" علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر "ولعلكم تشكرون" علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك البحر المحيط 2 / 43.
[7640]:في م: لتوفر، وفي ظ: لتوقو.
[7641]:من ومد وظ، وفي الأصل: بما لا يتمار.
[7642]:ليست في ظ.
[7643]:ليست في ظ.
[7644]:من م وظ، وفي الأصل: القدرة.
[7645]:العبارة من هنا إلى "جماله" ليستفي ظ.
[7646]:في م: يقف.
[7647]:في م: الأجسام.
[7648]:منم ومد وفي الأصل: لسيوع.
[7649]:من م وظ ومد، وفي الأصل: يجعل.
[7650]:من ظ، وفي الأصل: ثلج وفي م: يلبج وفي مد: يليج.
[7651]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مورد.
[7652]:في م: فلما.
[7653]:من م ومد وظ وفي الأصل: به.
[7654]:من م وظ ومد، وفي الأصل: هو.
[7655]:في م: جعله.
[7656]:في م: براخ.
[7657]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لفظة إشعارا.
[7658]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لفظة إشعارا.
[7659]:في م: عليا، وفي ظ ومد: علنيا.
[7660]:وقال الأندلسي في البحر المحيط 2 / 42: ورجح في المنتخب أن إكمال العدة هو في صوم رمضان وأن تكبير الله هو عند الانقضاء على ما هدى إلى هذه الطاعة وليس بمعنى التعظيم، قال: لأن تكبير الله بمعنى تعظيمه هو واجب في جميع الأوقات وفي كل الطاعات فلا معنى للتخصيص – انتهى، و "على" تتعلق بتكبروا فيها إشعار بالعلية كما تقول: أشكرك على ما أسديت إلى: قال الزمخشري: وإنما عدى فعل التكبر بحر الاستعلاء لكونه مضمنا معنى الحمد كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.
[7661]:من ظ، وفي الأصل: السرة وفي م ومد: الشرة.
[7662]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يكر.
[7663]:في ظ: أثمر.
[7664]:من م، وفي الأصل: تشريعا، وفي ظ ومد،: تشويفا
[7665]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الفطر.
[7666]:من مد وفي م: بخالق وفي ظ: يخالق وفي الأصل: يخالف.
[7667]:في ظ: من.
[7668]:في مد: خلقها.
[7669]:في م ومد وظ: وتر.
[7670]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بدونها.
[7671]:من م ومد وظ، وفي الأصل: تكثير.
[7672]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لاية.
[7673]:في م: لجميع.
[7674]:في الأصل: عادته والتصحيح من النسخ الباقية.
[7675]:وقع في م: ليس – خطأ.
[7676]:في الأصل: فهناكم، والتصحيح من النسخ الأخر.
[7677]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بعداها.
[7678]:في ظ: لا يكون.
[7679]:في الأصل: بانه، والتصحيح من م ومد وظ.
[7680]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بادته.
[7681]:هكذا في الأصل وم ومد ، غير أن في الأصل: وحده، وفي ظ: وجد حكمه.
[7682]:هكذا في الأصل وم ومد، غير أن في الأصل: وحده، وفي ظ: وجد حكمه.
[7683]:في ظ: المراء.
[7684]:من م وظ، وفي الأصل: تذلل ولا يتضح في مد.
[7685]:في م وظ ومد: طاعاته.
[7686]:من م وظ ومد، وفي الأصل: المعنى.
[7687]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ببركة.
[7688]:هو ترج في حق البشر على نعمة الله في الهداية – قاله ابن عطية فيكون الشكر على الهداية وقيل: المعنى تشكرون على ما أنعم به من ثواب طاعاتكم.....وإذا كان التكليف شاقا ناسب أن يعقب بترجي التقوى وإذا كان تيسيرا ورخصة ناسب أن يعقب بترجي الشكر فلذلك ختمت هذه الآية بقوله (ولعلكم تشكرون" لأن قبله ترخيص للمريض والمسافر بالفطر وقوله: "يريد الله بكم اليسر" وجاء عقيب قوله "كتب عليكم الصيام" "لعلكم تتقون" وقبله "ولكم في القصاص حياة" ثم قال "لعلكم تتقون" لأن الصيام والقصاص من أشق التكاليف وكذا يجيء أسلوب القرآن فيما هو شاق وفيما فيه ترخيص وترقية فينبغي أن يلحظ ذلك حيث جاء فإنه من محاسن علم البيان – البحر المحيط 2 / 45.
[7689]:من مد وم وظ، وفي الأصل: نية.
[7690]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: التقوى.
[7691]:زيد من ظ.
[7692]:من ظ ومد وفي الأصل وم: من.
[7693]:من م وظ ومد، وفي الأصل: عن مطعمه.
[7694]:من م وظ ومد، وفي الأصل: عن مطعمه.
[7695]:زيدت في الأصل: زكاة صائم وعن تطعمه الصائم ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[7696]:في الأصل: به والتصحيح من بقية الأصول.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (185)

قوله تعالى : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم لعلكم تشكرون } . الشهر من الإشهار وهو الإعلان والإظهار ، وفعله أشهر يشهر ، نقول شهر السيف أي سله ، وشهر فلانا أو أشهره أي أبرزه وجعله ظاهرا ، وشهر الحديث بين الناس أي أفشاه فاشتهر{[225]} .

ورمضان من الفعل رمض رمضا أي اشتد حره . وفي الحديث الشريف : " شكونا إلى رسول الله ( ص ) الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا " ورمض الصائم يرمض إذا احترقت جوفه من شدة العطش . والرمضاء هي الحجارة شديدة الحر ، ومنها اشتق اسم رمضان ، وقد سمي بذلك لما وافقت تسميته الزمن الذي سمي فيه إذ كان شديد الحر كالرمضاء ، ويجمع رمضان على رمضانات وأرمضة وأرمضاء ، وقيل أيضا رماضين{[226]} .

وثمة قول وجيه في تعليل هذه التسمية وهو أنه سمي بذلك ؛ لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة . وذلك من الإرماض ومعناه الإحراق{[227]} .

وقوله : { الذي أنزل فيه القرآن } أي أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا جملة واحدة ، وكان ذلك في شهر رمضان وفي ليلة القدر بالذات . وفي ذلك يقول سبحانه { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وبعد إنزال القرآن إلى السماء الدنيا في تلك الليلة الكريمة المباركة تقرر تنزيله منجما على النبي ( ص ) تبعا للأحوال والظروف ومقتضيات الحياة .

وقوله : { هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان } هذه حقيقة كاملة يقف عليها العارفون بهذا الدين ، العاملون بالكتاب الحكيم وما ينطوي عليه من روائع الإعجاز في مختلف المناحي والضروب ، سواء في ذلك روعة البيان والأسلوب أو روعة التشريع في كماله وشموله واتساعه بما يغطي واقع الحياة كلها ، أو روعة التربية وتهذيب النفس بما يصنع الأعاظم من الرجال والعظيمات من النساء على نحو فذ عجيب وكيفية غريبة لا نظير لها في تاريخ الأفراد والأناسي .

وذلك الذي يدفعنا للقول مبادرين بأن القرآن جاء للناس هدى ، فهو فيه هدايتهم وما يأخذ بأيديهم ونفوسهم وطبائعهم وأذهانهم وكل أسباب الحياة والمعايش إلى الخير والسعادة وإلى الأمن والرشاد ، وما يقتضيه ذلك من معاني العدل والفضل والاستقامة والتعاون والتواد .

وكذلك فإن القرآن { بينات من الهدى والفرقان } أي أنه يحمل للبشرية دلائل وبراهين فيها الهداية والتفريق الجلي الواضح بين الحق والباطل .

وقد قدمنا في مطلع تفسير الآية أن هذا الشهر عظيم الفائدة والقدر . وهو ليس كغيره من الشهور ، بل إنه خيرها وسيدها ، وإن فيه كبير الأجر للعاملين المخلصين ، وكبير الوزر على الخاطئين العصاة أو الساهين الناكبين عن شريعة الله وعن قسطاسه العدل .

وفي عظمة الشهر وجليل قدره أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة ، وغلقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين " .

وروى النسائي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ( ص ) : " أتاكم رمضان شهر مبارك ، فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب جهنم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حرم خيرها فقد حرم " .

وروى النسائي عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله ( ص ) " إن الله تعالى فرض رمضان عليكم ، وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " .

قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } من اسم شرط . ( شهد ) فعل ماض والجملة الفعلية في محل جزم للشرط . ( الشهر ) ظرف زمان منصوب وليس مفعولا به . والفاء مقترنة بجواب الشرط . واللام للأمر يصمه مجزوم بلام الأمر وأصلها يصومه . والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به . ومعنى الآية أن من حضر شهر رمضان وكان غير معذور إلا هادم لركن عظيم من أركان هذا الدين ، ومقارف لمعصية فظيعة هي إحدى الكبائر من الذنوب{[228]} .

وفي هذا الصدد من الحديث عن الصيام وفرضيته على كل مسلم عاقل بالغ مقيم صحيح البدن ، نعرض لجملة مسائل لنناقشها مناقشة فقهية .

المسألة الأولى : فهم بعض أهل العلم أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر أثناءه فإنه لا يجوز له أن يفطر بحجة السفر ، بل إنه يباح الإفطار للمسافر الذي أقبل عليه الشهر وهو في حال السفر . وقد استندوا في هذا الرأي إلى ظاهر قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فالذي حضر الشهر أثناء السفر له أن يفطر .

ولا نظن هذا القول إلا مرجوحا ضعيفا ، وبذلك فهو قول لا يعول عليه ، والرد عليه من السنة واضح ، فقد ثبا عن النبي ( ص ) أنه خرج من شهر رمضان لغزوة الفتح ، فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأمر الناس بالفطر .

المسألة الثانية : في الإفطار في السفر ، هل هو واجب أم مباح ؟ فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه مباح وليس واجبا ، وأن صورة الأمر الواردة في الآية لا تفيد الوجوب ، بل تفيد التخيير ، فالمسافر مخير بين الصيام والإفطار .

وذهب آخرون من العلماء إلى وجوب الإفطار في السفر استنادا إلى ظاهر قوله تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) وفي تصورنا أن هذا الرأي ( الثاني ) مرجوح لا يعول عليه فهو بذلك غير معتمد . وقول الجمهور هو الصحيح . ويعزز ذلك ما روي أن الصحابة كانت تخرج مع النبي ( ص ) وفيهم الصائم والمفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم . وبذلك فإنه لو كان الإفطار واجبا لأمرهم النبي ( ص ) به ولأنكر عليهم الصيام .

المسألة الثالثة : أيهما أفضل في السفر الصيام أم الإفطار ؟ فقد قال الشافعي : إن الصيام أفضل ؛ وذلك لما ثبت عن النبي ( ص ) أنه كان يصوم في السفر .

وقال آخرون : إن الإفطار للمسافر أفضل ؛ وذلك نظرا للرخصة بالإفطار حال السفر . وكذلك لما سئل النبي ( ص ) عن الصوم في السفر قال : " من أفطر فحسن ، ومن صام فلا جُناح عليه " وفي حديث آخر " عليكم برخصة الله التي رخص لكم " .

وذهب آخرون إلى أن الصيام والإفطار في السفر سواء ؛ وذلك لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله ! إني كثير الصيام أفأصوم في السفر ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " .

ولعل الصواب في هذه المسألة أن من شق عليه الصوم في السفر حتى بلغ منه حرجا ، فإن الإفطار في حقه أفضل . ودليل ذلك حديث جابر أن النبي ( ص ) رأى رجلا قد ظلل عليه ، فقال : " ما هذا ؟ " قالوا : صائم . فقال : " ليس من البر الصيام في السفر " أما إن كان الصوم لا يشق عليه في السفر ، ولا يبلغ به الحرج والجهد ، فإن الراجح لدينا إذ ذاك أن الصوم أفضل والله تعالى أعلم{[229]} .

المسألة الرابعة : هل يجب القضاء متتابعا أو يجوز فيه التفريق ؟

ثمة قولان في الإجابة عن ذلك . وأحد هذين القولين أنه يجب التتابع في قضاء الصوم بحيث تصام الأيام متتابعة يتلو أحدها الآخر دون تفريق بينها بإفطار يوم أو أيام ، وليس من دليل على ذلك إلا الاحتجاج بأن القضاء يشبه الأداء ويقوم مقامه . والأداء لا يكون إلا متتابعا فكذلك القضاء .

وثان هذين القولين وهو الصحيح . وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف إذ ذهبوا جميعا إلى أن التتابع في صوم القضاء غير واجب ، فالصائم قضاء إن شاء تابع وإن شاء فرق تفريقا . وتوجيه هذا القول أن التتابع إنما وجب في الشهر ؛ لضرورة أدائه في نفس الشهر . وأما بعد انقضاء الشهر ( رمضان ) فلا يبقى بعد ذلك إلا المقصود وهو صيام عدة أيام . وذلك بعدد الأيام التي أفطرها المعذور في رمضان ؛ ومن أجل ذلك قال سبحانه : ( فعدة من أيام أخر ) وذلك بإطلاق ليس فيه تحديد بالتتابع ، بل إن الآية تنطوي على المقصود الأساسي وهو وجوب صيام عدة أيام على سبيل القضاء من غير اشتراط بتتابع{[230]} .

وثمة مسألة هامة أخرى جديرة بالاعتبار والنظر ، وهي ما لو رؤي الهلال في بلد ، فهل يلزم الصيام كل البلدان الأخرى ؟ وفي ذلك تفصيل نبينه في الآتي : إذا رؤي هلال رمضان في بلد فقد لزم الصيام كل البلدان الأخرى القريبة من بلد الرؤية ، كما لو رؤي في بغداد مثلا وجب على أهل المدن الأخرى غير النائية كالبصرة والكوفة أن يصوموا . وكذا لو رؤي في دمشق لزم أهل حمص وحماة وحلب أن يصوموا ، أي أن البلدان القريبة تلتزم بحكم الرؤية ، سواء كان ذلك في هلال رمضان الموجب للصيام ، أو في هلال شوال الموجب للإفطار حيث العيد . وإذا لم يره القريبون من بلد الرؤية فليس ذلك إلا لتقصيرهم في الملاحظة والتأمل لرؤية الهلال ، أو لعارض طرأ فحجب عنهم الرؤية . وذلك ما ليس فيه خلاف .

لكن الخلاف في اختلاف رؤية الهلال عند تباعد البلدان ، وذلك كما بيم المشرق والمغرب . وهو أن يُرى الهلال في العراق ولم يُر في المغرب . أو رؤي في دمشق ولم يُر في اليمن أو الحجاز . وذلك للبعد بين بلد الرؤية والبلدان الأخرى .

على أن السبب في عدم الرؤية عند تباعد البلدان هو اختلاف مطالع القمر تبعا لكروية الأرض ، وصغر حجم القمر إذا ما قورن بالأرض ، فإذا رؤي الهلال في أقصى المشرق ربما لم يره أهل المغرب في نفس الليلة . وكذا ما بين شمال الأرض وجنوبها ، فإن كان كذلك ، كان في المسألة من حيث حكم الصيام ثلاثة أقوال :

القول الأول : وهو أنه إذا رؤي الهلال في بلد لزم جميع المسلمين أن يصوموا ؛ وذلك لقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ولقوله عليه الصلاة والسلام : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين ) {[231]} .

وهذا يقتضي وجوب الصيام في حق الجميع لمجرد الرؤية في بلد . وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية وأكثر المالكية{[232]} .

القول الثاني : وهو أنه إذا كانت البلدان بعيدة بعدا عظيما عن بلد الرؤية فلا تلتزم بالصيام ، وإنما يلزم الصيام بلد الرؤية دون غيره ؛ وذلك نظرا لاختلاف مطالع القمر مما يقتضي رؤية الهلال في بلد دون غيره من البلدان النائية . وهو قول الحنفية وأكثر الشافعية وبعض المالكية{[233]} وقد احتجوا بحديث كريب ، وهو ما يعول عليه كثيرا في هذه المسألة .

فقد روى الجماعة عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام ، فقال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ؟ فقلت : نعم . ورآه الناس وصاموا وصام معاوية . فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه . فقلت : ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله ( ص ) .

وموضع الاستدلال هنا هو قوله : " هكذا أمرنا رسول الله ( ص ) " . والأمر المشار إليه هو ما قاله ابن عباس : " فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل عدة شعبان ثلاثين يوما " . أي أن أهل البلد النائي والذين لم يروا الهلال لم يلزمهم حكم رؤيته في البلد الآخر ، بل عليهم التربص حتى يروا الهلال أو يكملوا الثلاثين . ويؤيد ذلك ما رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : " إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما " ولا ينبغي أن يفهم من واو الجماعة هنا الاستغراق ليجب الصيام في حق الجميع بمجرد الرؤية في أي بلد ، بل إن الاستغراق هنا منوط ببلد الرؤية دون البلدان النائية الأخرى . وهو ما أشار إليه ابن عباس في تصريحه بالرفع إلى رسول الله ( ص ) وهو قوله : " هكذا أمرنا " .

ونقتضب جملة تقريرات من أقوال الفقهاء المشاهير من مختلف المذاهب في هذه المسألة :

فقد جاء في أحكام القرآن لابن العربي وهو من مشاهير المالكية في هذه المسألة : " واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا ، فقيل : رده ؛ لأنه خبر واحد ، وقيل : رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع وهو الصحيح . ونظيره ما لو ثبت أنه أهلّ ليلة الجمعة بأغمات ( غرب مراكش ) وأهل بأشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من إشبيلية ، وهذا يدل على اختلاف المطالع " {[234]} .

وقال الإمام الماوردي – من مشاهير الشافعية- في هذا الصدد : " إذا رأوه في بلد دون بلد فثلاثة أوجه : أحدها : يلزم الذين لم يروا ؛ لأن فرض رمضان لا يختلف باختلاف البلاد . والثاني : لا يلزمهم ؛ لأن الطوالع والغوارب قد تختلف لاختلاف البلدان ، وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم ، ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه في بلد ويتأخر في بلد آخر ؟ وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها في بلد ويتأخر في آخر ، ثم كل بلد يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه في حق أهله فكذلك الهلال ، إن كانا من إقليم لزمهم وإلا فلا{[235]} .

وقال صاحب المجموع في ذلك : " إذا رؤي الهلال في رمضان في بلد ولم يروه في غيره ، فإن تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف ، وإن تباعدا فوجهان مشهوران ، أصحهما : لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى . والثاني : يجب . وأجاب هؤلاء عن حديث كريب عن ابن عباس أنه خبر واحد ، وأنه لم يثبت عنده رؤية الهلال في بلد آخر بشهادة عدلين والصحيح أنه رده لاختلاف المطالع بين الأقطار " {[236]} .

وجاء في كتاب البدائع للكساني- من مشاهير الحنفية- قوله في هذا الصدد : " إذا كانت المسافة بين البلدين بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر ؛ لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر " {[237]} .

القول الثالث : وقد ذكره بعض أهل العلم ، وهو متعلق بدور الإمام الأعظم في هذه المسألة ؛ فقد قالوا ؛ إن للإمام الأعظم أن يلزم المسلمين جميعا با ث تاب البدائع للكسائييح أنه رده لاختلاف المطالع بين الأقطار " رؤية الهلاال في بلدالأخرى . حكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد اللصوم إذا ثبت له الرؤية حيث يقيم ، ووجه ذلك : أن بلاد الإسلام في حقه كالبلد الواحد ؛ فلا فرق عنده بين بلد وآخر ، أو بين إقليم وإقليم ، فحكمه يكون نافذا في الجميع .

قوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } هذه العبارة القصيرة عظيمة في مقصودها وما ترمي إليه من مدلول أساسي كبير يكشف عن طبيعة هذا الدين في اليسر والحنيفية .

إن الإسلام وهو دين الفطرة البشرية يقوم في أركانه وتفصيلاته عن عبادات وتشريع على التسهيل والتيسير ونفي الحرج . وتلك حقيقة تتجلى في طبيعة هذا الدين الميسور وهو يواكب حياة الإنسان بدءا بكونه جنينا مستورا ومرورا بمراحل حياته من الرضاع إلى الطفولة إلى اليفوع إلى الشباب إلى الشيخوخة ، وانتهاء بمماته وزوال ظله عن هذه الدنيا .

إن الإسلام دين البشرية على اختلاف أجناسها وأعراقها ومشاربها طيلة الدهر وفي كل أرجاء هذه المعمورة . ومن أجل ذلك بات ضروريا أن يجيء الإسلام ميسرا غير معسر ، وأن يكون أصلا قائما على قواعد من اليسر توافق طبيعة الإنسان ، وتلائم فطرته التي تنفر من الإعنات والتضييق ، وتضيق بالقسوة المرهقة والتنطع الممجوج .

وفي ذلك يحدثنا النبي ( ص ) عن هذه الحقيقة الجلية بما يكشف عن طبيعة الإسلام في التيسير . فقال عليه السلام : " إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره " {[238]} وقال عليه الصلاة والسلام : " إن دين الله في يسر " قالها ثلاثا . وذلك بعد ما سأله الناس : علينا حرج في كذا ؟ {[239]} .

وفي حديث الأنس بن مالك أن رسول الله ( ص ) قال : " يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا " {[240]} .

وفيما ترويه المسانيد والسنن من حديث النبي ( ص ) هذا المشهور " بعثت بالحنيفية السمحة " .

وعنه ( ص ) أنه قال : " إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر " {[241]} .

وقوله : ( ولتكملوا العدة ) أي أن الله أمر بقضاء عدة أيام لتكتمل عدة الشهر ، سواء كان هذا الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين ، فإن المهم أن يقضي المعذور ما عليه من أيام ليكتمل في حقه الشهر فتبرأ بذلك ذمته من حق الله سبحانه .

وقوله : { ولتكبروا الله على ما هداكم } فإن غالب أقوال العلماء تذهب إلى ترسيخ التكبير في عيد الفطر ؛ استنادا إلى هذه الأيام . وهو قول كل مسلم في هذا اليوم : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا ، لكنهم اختلفوا في حد التكبير من حيث بدايته ونهايته . فقال عبد الله بن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا . وروي عنه أيضا أن المرء يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة .

وقال سفيان الثوري : هو التكبير يوم الفطر . وقال زيد بن أسلم : يكبر المسلم إذا خرج إلى المصلى ، فإذا نقضت الصلاة انقضى العيد ، وهو مذهب الإمام مالك . وقيل غير ذلك . وأساس القضية تكبير الله سبحانه ، ويتحقق ذلك أولا باللسان وهو يلهج بتعظيم الله جل جلاله في ترديد هذه العبارة الضخمة ذات المدلول الزاخر العظيم " الله أكبر " ويتحقق ثانيا بالقلب حيث المشاعر والوجدان والحس ، وحيث الضمير وما يرسخ فيه من وازع مؤثر وإحساس مرهف هذه الجوانب الأساسية في تركيبة الإنسان تعتبر مصدرا أساسيا وعظيما تنبثق منه طاقات الإنسان وقدراته ، لتبعث في الحياة زخما هائلا من الفعالية والتأثير ومن العطاء والإيجابية .

إن هذه الجوانب الهامة في الإنسان تتلاقى فيما بينها جميعا لتعلن في تصديق كامل وفي يقين ضارب في أعماق النفس أن الله هو الأكبر . فهو أكبر من كل كبير ، وأنه أعظم من كل عظيم ، بل إنه في عظمته وكبريائه يهون دونه كل كبير أو عظيم .

ذلك ما يردده المؤمن سواء في أيام الفطر والأضحى ، أو في بقية الأيام جميعا . فهو يردد بلسانه على الدوام أن الله هو الكبير ، بل إنه أكبر من كل كبير ، لا باللسان وحده ، ولكن يأتي اللسان مقترنا بالقلب وما ينبثق عنه من طاقات شعورية ووجدانية . حتى إذا ذكر المؤمن ربه وكبره بلسانه وقلبه تكبيرا ثم أخبت له طائعا خاشعا عاملا بما أمر ومنتهيا عما زجر ، بات من الشاكرين لله سبحانه ، السائرين على صراطه وما هداهم إليه ؛ لذلك قال : { ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } .


[225]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 68 . ومختار الصحاح ص 349.
[226]:- القاموس المحيط جـ 2 ص 344 والمصباح المنير جـ 1 ص 256.
[227]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 291.
[228]:- فتح القدير جـ 1 ص 182 وتفسير النسفي جـ 1 ص 94 والبيان للأنباري جـ 1 ص 144.
[229]:- بداية المجتهد 1 ص 251 والغني جـ 1 ص 150 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 217.
[230]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 217.
[231]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ 1 ص 84 والمغني لابن قدامة جـ 3 ص 88 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 295 وبداية المجتهد جـ 1 ص 245.
[232]:- رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة.
[233]:- البدائع جـ 2 ص 83 والمجموع جـ 6 ص 273 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 295 وبداية المجتهد جـ 1 ص 245.
[234]:- أحكام القرآن لابن العربي جـ 1 ص 84.
[235]:- المجموع جـ 6 ص 273 ، 274.
[236]:- نفس المصدر السابق.
[237]:- البدائع جـ 2 ص 83.
[238]:- رواه أحمد عن أبي قتادة.
[239]:- رواه أحمد عن أبي عروة.
[240]:- أخرجه الصحيحان وأحمد عن أنس بن مالك.
[241]:- أخرجه الحافظ أبو بكر بن مردويه عن محجن بن الأدرع.