ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتاب والصحف كانت مبادىء أحكامها على حكم الأحكام المتقدم ، فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى الكعبة انتهاء كذلك صوّموا صوم أهل الكتاب { أياماً معدودات } {[7413]}أي قلائل مقدرة بعدد{[7414]} معلوم ابتداء{[7415]} ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة{[7416]} قدر انتهاء{[7417]} ، وذلك أنه لما كان من قبلهم أهل حساب{[7418]} لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر ، وفي إعلامه{[7419]} إلزام بتجديد النية لكل يوم حيث هي أيام معدودة ، و{[7420]}في إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو معنى الوصال الذي يشعر صحته{[7421]} رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة القمر يقنع{[7422]} الفطر في ليلة {[7423]}رخصة للضعيف{[7424]} لا عزماً{[7425]} على الصائم ، وكان فيه من الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم ، فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظاً من منال أوائل الأمم ثم يرقيها{[7426]} الله إلى حكم ما يخصها فتكون{[7427]} مرباة تجد طعم اليسر بعد العسر - انتهى وفيه تصرف . ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم الوصال ، قالوا : يا رسول الله ! إنك تواصل ! قال : " إني لست كهيئتكم{[7428]} " وقال : " من كان مواصلاً فليواصل إلى السحر " قال الحرالي : فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل{[7429]} وجبة{[7430]} الفطر التي توافق{[7431]} حال أهل الكتاب ، إلى وجبة{[7432]} السحر التي هي خصوص أهل الفرقان - انتهى . وفي مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياماً ، ما{[7433]} يشهد{[7434]} لمن أباح ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم . قال الحرالي : وفي تأسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال{[7435]} {[7436]}كما سيأتي{[7437]} التصريح به ، فصار لهم العدد في الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء .
ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى{[7438]} : { فمن كان منكم مريضاً } أي مرضاً يضره عاجلاً أو يزيد في علته آجلاً . قال الحرالي : فبقي على حكم التحمل بيقين مما{[7439]} يغذو المؤمن ويسقيه من{[7440]} غيب بركة{[7441]} الله سبحانه وتعالى ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " فللمؤمن{[7442]} غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه من لم يصل إلى محله ، فعلى قدر ما تستمد{[7443]} بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل الولاية والديانة ، فكان فطر{[7444]} المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه .
ولما كان المرض وصفاً جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن الرأس تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في مدار يومه وليلته {[7445]}نسبة بين{[7446]} جسمانيين{[7447]} جاء بحرف الإضافة مفصولاً{[7448]} فقال : { أو على سفر } {[7449]}لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء{[7450]} لوفور نهضته{[7451]} في عمله في سفره وأن وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب الاختيار إذ {[7452]}المسافر و{[7453]}متاعه على قلب{[7454]} إلا ما وقى الله " السفر قطعة من العذاب " وذلك لئلا يجتمع على العبد{[7455]} كلفتان فيتضاعف{[7456]} عليه المشقة ديناً ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه{[7457]} طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني { فعدة } نظمه يشعر أن المكتوب عدة { من أيام } أي متتابعة أو متفرقة{[7458]} { أخر } لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض رؤوساً وأطرافاً ، ففي{[7459]} إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر غير مكتوب الصحيح والمقيم ، فبذلك لا يحتاج إلى تقدير : فأفطر ، لأن المقصد{[7460]} معنى الكتب ويبقى{[7461]} ما دون الكتب على حكم تحمله ، فكأنه يقال للمريض{[7462]} والمسافر : مكتوبك أياماً أخر لا هذه الأيام ، فتبقى هذه الأيام{[7463]} خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع{[7464]} الصوم .
ولما كانوا قوماً لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة{[7465]} بهم تشريفاً لرسولهم صلى الله عليه وسلم ، قال مخيراً في أول الأمر : { وعلى الذين يطيقونه } أي الصوم ، من الطوق{[7466]} وهو ما يوضع{[7467]} في العنق حلية ، فيكون ما يستطيعه{[7468]} من{[7469]} الأفعال طوقاً{[7470]} له في المعنى { فدية{[7471]} طعام } بالإضافة أو الفصل { مسكين } بالإفراد إرجاعاً إلى اليوم الواحد ، وبالجمع{[7472]} إرجاعاً إلى مجموع الأيام لكل يوم طعام واحد ، وهو مد أوحفنتان بالكفين هما قوت الحافن{[7473]} غداء وعشاء كفافاً لا إقتاراً{[7474]} ولا إسرافاً ، في جملته توسعة أمر الصوم على من لا يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر {[7475]}فهو ممراض بالنهمة{[7476]} كأنها حال مرض جبل عليه الطبع ، فكان في النظر إليه توفية رحمة النظر إلى المريض{[7477]} والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقاً وذينك غير مطيق أو غير متمكن ، و{[7478]} في إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك عن غذائه{[7479]} فحقه أن يغذو{[7480]} غيره ليقوم بذل الطعام عوضاً عن التماسك{[7481]} عن الطعام لمناسبة{[7482]} ما بين المعنيين لذلك{[7483]} ؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم { فمن تطوع خيراً{[7484]} } أي فزاد في الفدية { فهو خير له } لأنه فعل ما يدل على حبه{[7485]} لربه .
ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها مساق{[7486]} الغيبة{[7487]} وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته تنفيراً عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذاناً بما له من الشرف على ذلك كله ترغيباً فيه وحضاً عليه فقال : { وأن تصوموا } أيها المطيقون { خير لكم } من الفدية وإن زادت
{[7488]} ، قال الحرالي : ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم{[7489]} الأجر في الآخرة ، كما أشار إليه الحديث القدسي{[7490]} : " كل عمل ابن آدم له{[7491]} إلا الصوم {[7492]}فإنه لي{[7493]} " وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالاً وإنفاقاً{[7494]} وسيراً وأحوالاً مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له ، ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له ، فالصلاة مثلاً{[7495]} أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه ، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه{[7496]} أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن{[7497]} يعتدى عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل : إني صائم ، فليس{[7498]}جملة مقاصد{[7499]} الصوم من شأنه وحقيقته {[7500]}إذبال جسمه{[7501]} وإضعاف نفسه وإماتته ، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه{[7502]} بوجه ما ما{[7503]} جرى على يده خطأ من القتل ، فكان في الصوم تنقص{[7504]} ذات الصائم فلذلك قال تعالى : " فإنه لي " حين لم يكن من جنس عمل الآدمي ، قال سبحانه وتعالى : " وأنا أجزي به " ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، كل ذلك في مضمون قوله{[7505]} { إن كنتم تعلمون{[7506]} * } انتهى . وجوابه {[7507]}والله سبحانه وتعالى أعلم : صمتم وتطوعتم ، فإنهم إن لم يعلموا أنه خير{[7508]} لهم{[7509]} لم{[7510]} يفعلوا فلم يكن{[7511]} خيراً لهم . قال الحرالي : كان خيراً{[7512]} حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ الخير - انتهى . روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير{[7513]} ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي{[7514]} عن سلمة{[7515]} بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال : لما نزلت { وعلى الذين يطيقونه } الآية كان من أراد أن{[7516]} يفطر ويفتدي حتى{[7517]} نزلت الآية {[7518]}التي بعدها فنسختها{[7519]} وفي رواية : حتى نزلت هذه الآية{[7520]}{ فمن شهد منكم الشهر فليصمه }[ البقرة : 185 ] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى عنهم قالوا : أنزل { شهر رمضان } فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم من{[7521]} يطيقه {[7522]}ورخص{[7523]} لهم في ذلك فنسختها { وأن تصوموا خير لكم } فأمروا بالصوم .
وقوله ( أياما معدودات ) ( أياما ) مفعول به ثان للفعل المبني للمجهول ( كتب ) وقيل : منصوب على الظرفية الزمانية . أما الأيام المعدودات فالمراد بها شهر رمضان . وقيل هي الثلاثة أيام من كل شهر . والقول الأول الراجح .
وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو على صفر فعدة من أيام أخر ) .
اختلفت كلمة العلماء في تحديد مستوى المرض الذي يرخص معه للمريض أن يفطر . فقد قال جمهور من أهل العلم : إذا كان المرض مؤلما ومؤذيا ويخشى تماديه وازدياده جاز للمريض أن يفطر .
وذهب الإمام مالك إلى أن المرض الذي يشق على الإنسان ويرهقه عسرا فإنه يُباح معه للمريض بموجب هذا الوصف أن يفطر .
وقال الشافعي : إنه ليس للمريض أن يفطر إلا إذا ألمت به ضرورة تضطره إلى ترك الصيام ، فإن كان كذلك أبيح للمريض أن يفطر ، لكنه إذا كان في مقدوره أن يحتمل الضرورة فليس له أن يفطر . وفي تقديري أن هذا القول لا يخلو من إعنات وتعسير ترفضهما شريعتنا السمحة .
وقال ابن سيرين : متى كان الإنسان في حال يستحق معها اسم المرض فقد جاز له أن يفطر ، وذلك قياسا على المسافر لعلة السفر .
وفي ضوء هذه الأقوال التفصيلية يمكن أن نتصور المرض بالنسبة لرخصة الإفطار أو عدمها على أربعة ضروب .
الضرب الأول : وهو المرض الشديد الذي لا يطاق والذي يؤدي فيه الصوم إلى الهلاك غالبا ، فإنه في مثل هذا الحال يصبح الإفطار بالنسبة للمريض واجبا ، وليس له إذن أن يصوم مخافة أن يهلك ؛ لقوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) .
الضرب الثاني : وهو المرض الذي لا يحتمله الصائم إلا بضرر محقق أو بمشقة عسيرة مؤذية والصوم وإن كان لا يخلو من مشقة ، لكنه ليس الأصل فيه أن يحتمل إعناتا وتعسيرا ؛ لما في ذلك من حرج . ومن أصول الشريعة أن الحرج مرفوع ؛ لقوله سبحانه : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) والمريض في مثل هذه الحال يستحب له أن يفطر . وذلك على سبيل الندب لا الإيجاب . وبذلك فإن الإفطار في حق المريض في الحال الأول واجب ، لكنه في حقه في الحال الثاني مندوب ندبا .
الضرب الثالث : مريض لا يخلو من ألم أو إيجاع ، لكنه يحتمله دون أن يلحق به ضرر أو عنت . وفي مثل هذا فإن المريض مباح له الإفطار ، فلا الإفطار واجب ولا هو مستحب استحبابا كالحكمين السابقين ، ولكنه لا يتجاوز حد الإباحة التي يستوي فيها الحكم بين الفعل وتركه .
الضرب الرابع : أن يكون المرض هينا يسيرا عابرا كنوبة من صداع بسيط أو حمى خفيفة تمر الإنسان ، فلا ترهقه عسرا ، ولا تؤثر في عافيته إذا صام أدنى تأثير ، وفي مثل هذا المرض الهين اليسير خير للمرء أن يصوم . أو أن الصوم في حقه في هذه الحال أفضل . والله تعالى أعلم{[217]} .
وقوله : ( أو على سفر ) للعلماء في مسألة السفر اختلاف وتفصيل . مع أنهم أجمعوا على رخصة الإفطار في سفر الطاعات كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب الرزق للعيش ، أما سفر المباحات كالتجارة والنكاح فهو موضع خلاف ، لكن الراجح جواز الإفطار ، وأما سفر المعصية كالسرقة وقطع الطريق والزنا فمختلف فيه كذلك مع أن الراجح عدم جواز الرخصة بالإفطار فيه .
أما مسافة السفر التي يباح فيها الإفطار فهي موضع خلاف كذلك . فقد ذكر عن الإمام مالك أنها يوم وليلة ، وهي عند الشافعي مقدرة بيومين ، وذكر عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس والثوري أنها ثلاثة أيام ، وقيل غير ذلك{[218]} .
هل يجوز للمسافر أن يبيت النية بالإفطار ؟
اتفق العلماء على أنه ليس له أن يبيت النية بالفطر . وتوجيه ذلك أن المسافر لا يكون أصلا مسافرا بالنية ، بل يكون مسافرا بالممارسة الفعلية وهي السفر نفسه ، وذلك بخلاف المقيم فإنه تتحقق إقامته بمجرد النية ولا يفتقر ذلك إلى عمل . فالمقيم إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحال .
أما الذي يأمل أن يكون مسافرا فإنه لا يجوز له أن يفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر ، لكنه إن نهض للسفر فعلا بعد الأمل جاز له الإفطار ؛ لوجود الممارسة الفعلية وهي اسلفر .
وإن أفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر ، فذلك موضع خلاف وتفصيل للفقهاء لا مجال لذكره هنا{[219]} .
وثمة خلاف آخر بين الفقهاء في أيهما أفضل في السفر الإفطار أم الصوم ؟
فقد ذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل في السفر لمن يقوى على ذلك ، ولا يشق عليه كثيرا . أما إن خشي الضرر والمشقة الكبيرة فالإفطار أفضل . وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل : إن الفطر أفضل : عملا بالرخصة المشروعة ، كما جاء في الحديث : " إن الله يحب أن تؤتى عزائمه " وبقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) . وقال آخرون إن المسافر مخير بين الصوم والإفطار ، فهما بذلك من حيث الحكم سيان في حقه ؛ وذلك لحديث أنس –رضي الله عنه- قال : سافرنا مع النبي ( ص ) في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم .
وذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوب الإفطار للمسافر في رمضان . وقد احتجوا في ذلك بقوله تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) فهم يقولون : إن ذلك يفيد الوجوب للإفطار في السفر ثم يقضي بدلا منه لعدة أيام أخر خارج رمضان . واحتجوا كذلك بالحديث : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " وكذلك بقوله ( ص ) : " ليس من البر أن تصوموا في السفر ، وعليكم برخصة الله لكم فاقبلوا " .
وفي تقديرنا أن قول الجمهور هو الراجح ؛ وذلك لما يعززه من أدلة واضحة مستفيضة . وهي أدلة بعيدة الاحتمال ، وجليّة من حيث الاستدلال ، لكن ما استدل به الآخرون من أدلة ، فهي غالبا ما ترد واقعة معينة لا تشبهها الوقائع الأخرى ، أو أن الدليل ربما جاء مطابقا لموقف دون غيره من المواقف المتعددة الناجمة أثناء السفر ، وذلك تبعا لمستوى الضيق والمشقة اللذين يكونان في السفر{[220]} .
وقوله : ( فعدة من أيام أخر ) عدة خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره الواجب أو الحكم . والعادة بمعنى المعدود . و ( أخر ) صفة الأيام . وهي معدولة عن آخر . وقيل : جمع أخرى ، كأنه أيام أخر ثم كثرت فقيل : أيام أخر . وقيل غير ذلك{[221]} . والمعنى أن من أفطر يوما أو بعض أيام أو أفطر الشهر كله لعذر من سفر أو مرض فعليه أن يقضي بدلا من ذلك في غير رمضان حتى يؤدي المعذور ما في ذمته من حق لله بما يعدل الأيام التي أفطرها في رمضان .
وإذا أفطر المرء في رمضان لعلة من مرض ثم مات في مرضه أو كان مسافرا فمات أثناء السفر ، فما من شيء عليه وتبرأ بذلك ذمته ، وذلك قول الجمهور . وذهب آخرون إلى أن المريض يموت من مرضه في رمضان ، فإنه يجب الإطعام عنه مقابل أيامه التي أفطر فيها .
وثمة خلاف في الذي يموت وعليه صوم من رمضان لم يقضه ، فهل لأحد أن يصوم أو يطعن عنه ؟ فقد ذهب مالك والشافعي والثوري إلى أنه ليس لأحد أن يصوم عن أحد . استنادا إلى قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقوله سبحانه : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وكذلك ما روي عن النبي ( ص ) : " لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدّاً من حنطة " .
وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثر والليث وأهل الظاهر إلى أنه يجوز أن يصام عنه ، لكنهم خصصوا ذلك بالنذر . فإن كان قد نذر صوما ثم مات ولم يصم جاز أن يصام عنه ، أما صوم رمضان فلا . وقد استدل هؤلاء على ذلك بما روي عن ابن عباس قال : جاءت امرأة إلى رسول الله ( ص ) فقالت : يا رسول الله ! إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر . أفأصوم عنها ؟ قال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته ، أكان يؤدي ذلك عنها " قالت : نعم . قال : " فصومي عن أمك " .
وثمة قول ثالث لآخرين أجازوا فيه أن يصام عنه بإطلاق ، سواء كان ذلك في رمضان أو في النذر ، احتجاجا بما روي عن الرسول ( ص ) : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " .
وفي تقديرينا أن هذا الاحتجاج عام في الصوم كله إلا أنه مخصص بحديث النذر الذي رواه ابن عباس في المرأة التي جاءت تسأل النبي ( ص ) عن أمها التي ماتت وعليها صوم نذر . ويمكن القول كذلك أن حديث النذر مخصص ؛ لعموم الحديث : " لا يصوم أحد عن أحد " أو أن هذا الحديث متعلق بصوم رمضان .
أما في الإطعام عن الذي مات ولم يصم فقد ذهب إلى جوازه أحمد وإسحاق استدلالا بقوله ( ص ) في الحديث السابق : " ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة " {[222]}
وقوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ( وعلى الذين ) في محل رفع خبر مقدم ( يطيقونه ) جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل ومفعول به ، وهي صلة الموصول لا محل لها من الإعراب وتعني يحتملونه أو يقدرون عليه . ( فدية ) مبتدأ مؤخر مرفوع ( طعام ) بدل من فدية ( مسكين ) مجرور على الإضافة .
وهذه الآية قد جاء في تفسيرها عدة أقوال مختلفة ، لكننا نستخلص منها ما نراه أصوب وهو قول ابن عباس : نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة وذلك إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، أي يقدرون عليه دون أذية أو ضرر يقع عليهم ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فزالت الرخصة عن هؤلاء الشيوخ والعجزة ، إلا لمن عجز منهم عن الصوم إن كان معذورا . وعلى العموم فقد جاء في تفسير هذه الآية عدة أقوال مختلفة يمكن أن نوجزها في الأقوال الثلاثة التالية :
القول الأول : لما شُرع صيام رمضان شق ذلك على الناس ، فصام فيهم من صام وأفطر من أفطر ، فكان من أفطر أطعم عن كل يوم مسكينا بدل إفطاره . وكان قد رخص لهم في ذلك حتى نسخت هذه الآية بالآية بعدها : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .
القول الثاني : وهو مروي عن ابن عباس ، وهو أن هذه الآية نزلت رخصة للشيوخ والعجزة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، ثم نسخت هذه الآية بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فزالت الرخصة بالإفطار بعد النسخ إلا لمن كان عاجزا لا يقوى على الصوم . وذلك القول المعتمد كما بينا .
القول الثالث : وهو مروي عن ابن عباس أيضا وابن مسعود وآخرين من علماء السلف ، وهو أن هذه الآية ليست منسوخة ولكنها نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة الذين لا يستطيعان الصوم فيطعمان بدلا عن كل يوم يفطران فيه مسكينا . فقد ذكر عن أنس- رضي الله عنه- أنه بعدما كبر أطعم عاما أو عامين عن كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر . وذكر عنه أيضا لما ضعف عن الصوم صنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم . وفي قول آخر وهو أن ثمة " لا نافية " مقدرة . وتقدير الكلام هكذا " وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين " وهذا القول وإن كان يعنيه القول الثالث ، إلا أنه قول بغير دليل .
ويمكن أن يلحق بالشيوخ والعجزة كل من المرأة الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما من جراء الصيام ، فلهما بذلك أن تفطرا وتطعما فدية بقدر ما أفطرتا . كذلك الذي يكون في ساحة الجهاد فإن الإفطار في حقه واجب ؛ وذلك لئلا يضعف بالصوم عن فريضة الجهاد فيميل العدو على المسلمين ميلة واحدة{[223]} .
أما غير هؤلاء المعذورين من النار فليس لهم إلا أن يصوموا .
وقوله : ( فمن تطوع خيرا فهو خير له ) نختار في تسفيرها ما قاله ابن عباس وهو أن الذي يبتغي الإفطار من الشيوخ والعجزة وقدم بدلا من ذلك فدية من طعام لمسكين ، فإنه من الخير له أن يقدم فدية أخرى لمسكين آخر . وقيل : المراد ، من تطوع خيرا فصام مع الفدية . وقيل : من تطوع خيرا فزاد المسكين على قدر طعامه{[224]} .
وقوله : ( وأن تصوموا كخير لكم إن كنتم تعلمون ) هؤلاء الذين يتجشمون الصيام وهم يقدرون عليه والذين أبيح لهم أني فطروا ويقدموا عن كل يوم فدية- إن هؤلاء خير لهم أن يصوموا بدلا من الإفطار والإطعام . كان ذلك قبل ورود النسخ بقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) والمراد على الجملة التحضيض على الصوم ، فإنه خير من الإفطار مع الفدية . والمصدر من جملة أن تصوموا في محل رفع مبتدأ . ( خير ) خبر مرفوع .