ولما تقدم من الأمر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتماً{[9328]} كان كأنه قيل : ما فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع{[9329]} بتلك الزواجر ؟ فقيل : أبى أكثرهم ، فقيل : إن هذا لعجب ! ما الذي صدهم ؟ فقيل{[9330]} : تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده الحكيم الذي يدق{[9331]} عن الأفكار استدراجه ، فقيل : كيف يتصور من العاقل كفر النعمة ؟ فبين أن سبب ذلك غالباً الترفع والتعظم{[9332]} والكبر والبطر فرحاً بما في اليد وركوناً إليه وإعراضاً عما خبىء{[9333]} في خزائن الله في حجب القدرة{[9334]} فقال مستأنفاً{[9335]} بانياً{[9336]} للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون{[9337]} بكل مزين { زين }{[9338]} قال الحرالي : من التزيين بما{[9339]} منه الزينة . وهي بهجة العين التي لا تخلص إلى باطن المزين - انتهى . { للذين كفروا } حتى بدلوا النعمة { الحياة الدنيا } لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة . قال الحرالي{[9340]} : ففي{[9341]} ضمنه إشعار بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق ، وأبهم تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى :{ كذلك زينا لكل أمة عملهم{[9342]} }[ الأنعام : 108 ] .
ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال : { ويسخرون } أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية ، وهي استزراء العقل هزؤاً . وقال الحرالي : هي استزراء العقل معنى{[9343]} بمنزلة الاستسخار في الفعل حساً { من الذين آمنوا } لما هم{[9344]} فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا رغبة فيما عند الله لما وهبهم {[9345]}الله سبحانه وتعالى{[9346]} من العلم الخارق لتلك الحجب الكاشف لأستار المغيب{[9347]} ولأن الله يزوي{[9348]} عنهم الدنيا ويحميهم{[9349]} منها رغبة بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن{[9350]} كان مريضاً لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما بوأناهم من الهوان بأنواع التهديد التي لا مرية {[9351]}في قدرتنا{[9352]} عليها مشغولين بلعاعة من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد تاركين الاستبصار{[9353]} بأحوال بني إسرائيل .
ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار مراً وللنفوس مضراً قال تعالى مبشراً بانقلاب الأمر في دار{[9354]} الخلد مرغباً في التقوى بعد الإيمان : { والذين اتقوا } أي آمنوا خوفاً من الله تعالى ، فأخرج المنافقين{[9355]} و{[9356]}الذين يمكن دخولهم في{[9357]} الجملة الماضية { فوقهم } في الرزق والرتبة{[9358]} والمكان بدليل{ أفيضوا{[9359]} }[ الأعراف : 50 ] و{[9360]}آية{ إني كان لي قرين{[9361]} }[ الصافات : 51 ] وكل أمر سار { يوم القيامة } فهم يضحكون منهم جزاء بما كانوا يفعلون .
ولما كان تبدل الأحوال قريباً عندهم من المحال كان{[9362]} كأنه قيل في تقريب ذلك : برزق من عند الله يرزقهموه{[9363]} { والله } بعز سلطانه وجلال عظمته وباهر كرمه { يرزق من يشاء } أي في الدنيا وفي{[9364]} الآخرة ولو كان أفقر الناس وأعجزهم . ولما كان الإعطاء جزافاً لا يكون إلا عن كثرة و{[9365]}بكثرة قال{[9366]} : { بغير حساب {[9367]}* } أي رزقاً لا يحد ولا يعد{[9368]} ، لأن كل ما دخله الحد{[9369]} فهو محصور متناه يعد ، وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله{[9370]} على ما آتاه فهي في حقه على حقيقتها من هذه الحيثية .
قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب ) الحياة بما فيها من متاع وزخرف ولذة مقدور لها أن تكون محببة للإنسان ، وأن تكون له باعثا للافتتان والاستحسان . والإنسان من جهته مفطور على حب الخير بكل ما في الخير من معنى أو صورة ، وهو ذو طبيعة غلابة جُبلت على الافتتان بزينة الحياة الدنيا ، سواء في ذلك المال أو النسل أو الشهر أو غير ذلك من ألوان الشهوات ، وهذه حقيقة التركيب المفطور لدى الإنسان ، وما من أحد إلا وقد حُببت إليه الزينة بكل صورها ومظاهرها : وفي ذلك يقول الله في آية أخرى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) .
أما ذكره الذين كفروا في الآية هنا ؛ فذلك لشدة إقبالهم على الحياة الدنيا وزخرفها وزيتها من غير أن يرعوا في ذلك حلال أو حراما ومن غير أن يعبأوا بشرع أو دين ، فهم يتهافتون على الشهوات بكل أسلوب أو وسيلة ، لا يودعهم عن ذلك تورع أو تقوى حتى ولا حساب من ضمير أو وجدان .
أما المؤمنون فهم يأخذون بحظهم من زينة الحياة الدنيا على نحو ما بينه الله لهم من شرائع وحدود دون مجاوزة أو اعتداء . ومثل هذا الأخذ مباح ومشروع مادام غير متجانف لإثم ولا مقارف لعدوان على حقوق الله أو الناس .
والكافرون وهم يقبلون على الشهوات في تهافت جامح ، فإنهم يسخرون من المؤمنين الفقراء الذين لا يملكون غير القليل من الزاد والمؤونة أو دون ذلك ، إنهم يسخرون منهم لإقلالهم وقلة ما لديهم من متاع .
ثم يبين الله في إخبار صارم أن هؤلاء الكفرة الذين ملكوا الزينة والثراء في هذه الدنيا ، سيأتون يوم القيامة أذلة خزايا وقد غشيتهم كل غواشي العار والمهانة والإحساس بالندم . ولسوف يكون المؤمنون فوقهم سواء في المكان إذ يرتقون إلى أعلى عليين في الجنة ، والكافرون دونهم في النار في أسفل سافلين ، أو في المرتبة العالية حيث الاحتفاء والتكريم للمؤمنين ، والزراية والحقار للكافرين .
قوله : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) أي أن الله سبحانه وتعالى يفيض بالرزق على من يشاء من عباده من غير عد أو حصر . ويؤيد هذا المعنى ما قاله النبي ( ص ) : " أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرض إقلالا " .
وقيل : إن الله يرزق عباده وليس له في الخلق محاسب يحاسبه على فعله وعلى تصرفه في تقسيم الرزق وإعطائه للناس . والأول أظهر .