نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} (213)

ولما كان كأنه قيل : هل كان{[9371]} هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث {[9372]}فيكون حدوثه أعجب ؟ فقيل : لا فرق عند الحكيم بين{[9373]} هذا وذاك{[9374]} ، فإن قدرته {[9375]}على الكبير والصغير{[9376]} والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان الواضح{[9377]} { كان الناس } أي كلهم { أمة } {[9378]}أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً{[9379]} ثم أكد اجتماعهم فقال : { واحدة } أي{[9380]} على الصراط المستقيم فزل{[9381]} بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس

{ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا{[9382]} }[ يونس : 19 ] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله{[9383]} الأصفهاني{[9384]} وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : على الإسلام كلهم{[9385]} { فبعث الله } {[9386]}أي الذي لا حكم لغيره{[9387]} { النبيين } الذين رفعهم {[9388]}الله تعالى{[9389]} على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه { مبشرين{[9390]} } {[9391]}لمن أطاع ، وهو جار مجرى حفظ الصحة ، ولأنه مقصود بالذات قدم{[9392]} {[9393]}{ ومنذرين } لمن عصى{[9394]} ، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء{[9395]} . قال الحرالي : فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم{[9396]} فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر ، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً ، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب{[9397]} - انتهى . { وأنزل معهم الكتاب } أي كلامه الجامع للهداية .

قال الحرالي : إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد{[9398]} كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله{[9399]} تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون{[9400]} له الحجة البالغة - انتهى . { بالحق } أي الثابت كل ثبات { ليحكم } {[9401]}أي الله بواسطة الكتاب{[9402]} { بين الناس فيما اختلفوا فيه } {[9403]}من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد{[9404]} السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب { وما اختلف فيه } أي الكتاب {[9405]}الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف{[9406]} { إلا الذين } ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول { أوتوه } أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف ، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك .

ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال {[9407]}مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان{[9408]} { من بعد ما جاءتهم البينات }{[9409]} أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي{[9410]} ثبت بها الكتاب . قال الحرالي : الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع ، فلذلك كانت البينات{[9411]} مكملة لاجتماع شاهديها{[9412]} - انتهى .

ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق {[9413]}محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها{[9414]} فقال : { بغياً } قال الحرالي{[9415]} : والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاث لا يسلم منهن أحد " ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن ، فإذا حسدت فلا تبغ{[9416]} لأن الحسد{[9417]} واقع في النفس{[9418]} كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه ؛ فإذا استعملت بحسبه{[9419]} مقالها وفعالها كانت باغية - انتهى . و{[9420]}زاده عجباً{[9421]} بقوله { بينهم } أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة .

ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال {[9422]}عاطفاً على ما تقديره : فعموا عن البينات{[9423]} : { فهدى الله } في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق{[9424]} الخلق إلا{[9425]} بعون وتوفيق من الحق - انتهى . { الذين آمنوا } أي بالنبيين{[9426]} ببركة إيمانهم { لما اختلفوا } {[9427]}أي أهل الضلالة{[9428]} { فيه } ثم بينه بقوله : { من الحق{[9429]} } ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون{[9430]} { بإذنه } أي بما ارتضاه لهم من علمه {[9431]} وإرادته وتمكينه{[9432]} . قال الحرالي : فيه إشعار بما فطرهم{[9433]} عليه من التمكين لقبوله لأن{[9434]} الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى . { والله } {[9435]} أي المحيط علماً وقدرة{[9436]} { يهدي من يشاء } أي بما له من أوصاف الكمال { إلى صراط مستقيم * } قال الحرالي{[9437]} : هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه ، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي

" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " انتهى . ولما {[9438]} أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف{[9439]} وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين{[9440]} إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا{[9441]} بين مستثقلين{[9442]} لأمر{[9443]} الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين{[9444]} لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات{[9445]} في {[9446]} ذرى الجنات{[9447]} بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال ، {[9448]} فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف{[9449]}


[9371]:في ظ: كانها.
[9372]:العبارة من هنا إلى "شيء حدث" ساقطة من م.
[9373]:من م ومد وفي الأصل: بعد.
[9374]:في ظ: ذلك.
[9375]:في ظ ومد: على الصغير والكبير.
[9376]:في ظ ومد: على الصغير والكبير.
[9377]:زيد في م: قال.
[9378]:العبارة من هنا إلى "فقال" سقطت من ظ.
[9379]:في م ومد: ببعض.
[9380]:ليس في ظ.
[9381]:في الأصل: نزل والتصحيح من م وظ.
[9382]:سورة 10 آية 19.
[9383]:من مد وفي م: قال.
[9384]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد.
[9385]:في البحر المحيط 2 / 134: مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أن إصرار هؤلاء على كفرهم هو حب الدنيا وان ذلك ليس مختصا بهذا الزمان الذي بعثت فيه بل هذا امر كان في الأزمنة المتقادمة إذ كانوا على حق ثم اختلفوا بغيا وحسدا وتنازعا في طلب الدنيا و "الناس" القرون بين آدم ونوح وهي عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده – قاله ابن عباس وقتادة.
[9386]:ليست في ظ.
[9387]:ليست في ظ
[9388]:ليست في م.
[9389]:ليست في م.
[9390]:وقدم البشارة لأنها أبهج للنفس وأقبل لما يلقى النبي وفيها اطمئنان المكلف والوعد بثواب ما يفعله من الطاعة ومنه "فإنما يسرانه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" – البحر المحيط 2 / 135.
[9391]:العبارة من هنا إلى "الأصبهاني" ليست في ظ.
[9392]:من م ومد.
[9393]:زيدت في الأصل: وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصبهاني ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[9394]:ليست في ظ.
[9395]:ليست في ظ.
[9396]:في الأصل: نظرهم والتصحيح من م ومد وظ.
[9397]:راجع لمضمونها سورة 8 آية 37.
[9398]:في ظ: فقط.
[9399]:زيد في ظ: ثنى.
[9400]:في ظ: ليكون.
[9401]:سقطت من ظ.
[9402]:سقطت من ظ
[9403]:العبارة من هنا إلى "وما اختلف فيه" ليست في ظ
[9404]:في م: جهة.
[9405]:زيد بعده في مد: قوله: والعبارة من "ولما كان" إلى هنا ليست في ظ.
[9406]:ليس في ظ: وفي البحر المحيط 2 / 137: والذين أوتوه أرباب العلم به والدراسة له، وخصهم بالذكر تنبيها منه على شناعة فعلهم وقبيح ما فعلوه من الاختلاف ولن غيرهم تبع لهم في الاختلاف فهم أصل الشر، وأتى بلفظ 'من' الدالة على ابتداء الغاية منبها على أن اختلافهم متصل بأول زمان مجئ البينات لم يقع منهم اتفاق على شيء بعد المجئ بل بنفس ما جاءتهم البينات اختلفوا لم يتخلل بينهما فترة، و "البينات" التوراة والإنجيل فالذين أوتوه هم اليهود والنصارى أو جميع الكتب المنزلة فالذين أوتوه علماء كل ملة....ثم بين أن ذلك الاختلاف الذي كان لا ينبغي أن يكون ليس لموجب ولا داع إلا مجرد البغي والظلم والتعدي.
[9407]:سقطت من ظ.
[9408]:سقطت من ظ.
[9409]:العبارة من هنا إلى "ثبت بها الكتاب" ليست في ظ.
[9410]:زيد في الأصل: ثبت بها النبوة التي، ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[9411]:في م: الآيات وفي مد: المبينات.
[9412]:في م ومد: شاهدها.
[9413]:سقطت من ظ.
[9414]:سقطت من ظ.
[9415]:قال الأندلسي: وفي قوله "البينات" دلالة على ان الدلائل العقلية المركبة في الطباع السليمة والدلائل السمعية التي جاءت في الكتاب قد حصلا ولا عذر في العدول والإعراض عن الحق لكن عارض هذا الدليل القطعي ما ركب فيهم من البغي والحسد والحرص على الاستئثار بالدنيا – البحر المحيط 2 / 137.
[9416]:من م مد وظ، وفي الأصل: فلا يتبع.
[9417]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الجسد – كذا.
[9418]:في مد: النفى.
[9419]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بحسبة.
[9420]:في ظ: زاد تعجبا.
[9421]:في ظ: زاد تعجبا
[9422]:ليست في ظ.
[9423]:ليست في ظ.
[9424]:في مد: طرق.
[9425]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا.
[9426]:ليس في ظ.
[9427]:ليست في ظ.
[9428]:ليست في ظ.
[9429]:في البحر المحيط 2 / 138: "ومن الحق" تبيين المختلف فيه و "من" تتعلق بمحذوف لنها في موضع الحال من "ما" فتكون للتبعيض ويجوز أن تكون لبيان الجنس على قول من يرى ذلك التقدير: لما اختلفوا فيه الذي هو الحق، والأحسن أن يحمل المختلف فيه هنا على الدين والإسلام، ويدل عليه قراءة عبد الله: لما اختلفوا فيه من الإسلام، وقد حمل هذا المختلف فيه على غير هذا وفي تعيينه خلاف أهو الجمعة، جعلها اليهود السبت والنصارى الأحد وكانت فرضت عليهم كما فرضت علينا وفي الصحيحين: نحن الأولون والآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا واوتيناه من بعدهم؛ فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له قال: يوم الجمعة، فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى أو الصلاة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب فهدى الله تعالى المؤمنين إلى القبلة – قاله زيد بن أسلم أو إبراهيم على نبينا وعليه السلام قالت النصارى كان نصرانيا، وقالت اليهود: كان يهوديا فهدى الله المؤمنين لدينه بقوله: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا" أو عيسى على نبينا وعليه السلام جعلته اليهود لعنة وجعلته النصارى إلاها فهدانا الله تعالى لقول الحق فيه – قاله ابن زيد؛ أو الكتب التي آمنوا ببعضها وكفروا ببعضها؛ أو الصيام اختلفوا فيه فهدانا الله لشهر رمضان – فهذه ستة أقوال غير الأول – انتهى.
[9430]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد، وقد سقطت من الأصل ظ.
[9431]:هكذا ثبتت في م ومد، وليست في ظ، وقدمها في الأصل على "بإذنه" وليس فيه "و".
[9432]:هكذا ثبتت في م ومد، وليست في ظ، وقد مها في الأصل على "بإذنه" وليس فيه "و"
[9433]:من م ومد وظ، وفي الأصل: وطرهم.
[9434]:في م: الان.
[9435]:سقطت من ظ.
[9436]:سقطت من ظ.
[9437]:وقال أبو حيان الأندلسي: في هذه الجملة وما قبلها دليل على أنه يستقل بهدى نفسه، وتكرر اسم الله في قوله: "والله" جاء على الطريقة الفصحى التي هي استقلال كل جملة وذلك أولى من أن يفتقر بالغضمار إلى ما قبلها من مفسر ذلك المضمر....وفي قوله: "من يشاء" إشعار بل دلالة على أن هدايته تعالى منشأها الإرادة فقط لا وصف ذاتي في الذي يهديه يستحق به الهداية بل ذلك مفدوق بإرادته تعالى فقط "لا يسأل عما يفعل" – البحر المحيط 2 / 139.
[9438]:العبارة من هنا إلى "لم يصمموا على الآيات" ليست في ظ.
[9439]:في م: اختلاف.
[9440]:في الأصل: الموعودين، والتصحيح من م ومد.
[9441]:كتب فوقه في ظ: أي الناس.
[9442]:في الأصل: مستقلين، والتصحيح من م وظ ومد.
[9443]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا من.
[9444]:في الأصل : مستقلين والتصحيح من م وظ ومد.
[9445]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الراجات.
[9446]:من مد وظ وفي الأصل: درى الجنات، وفي م: درى الجنايات.
[9447]:من مد وظ وفي الأصل: درى الجنات، وفي م: درى الجنايات.
[9448]:سقطت من ظ.
[9449]:سقطت من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ} (213)

قوله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

كان الناس في السابق على دين واحد وعلى ملة واحدة هي ملة التوحيد الخالص . وقد ظلوا على هذه الحال من وحدة العقيدة وسلامة التوجه الخالص إلى الله فترة من الزمن مبدوءة بأبي البشر آدم عليه السلام حتى مجيء نوح عليه السلام . وبعد بعث هذا النبي الصابر العظيم اختلف الناس في دينهم وتفرقوا مللا شتى . وهي ملل قائمة على الإشراك والضلالة . وإذ ذاك أخذ كثير من الناس في الزيغ عن صراط الله والتنكب عن منهجه الكريم الذي بني على عقيدة التوحيد وتمام التوجه إلى الله من أول يوم . وما يختلف الناس في حقيقة الدين ويتعثروا في الاهتداء إلى الصواب ، أو يضلوا السبيل ويتفرقوا طرائق قددا ، حتى يبعث الله فيهم هداة مصطفين أخيارا ليكشفوا لهم عن سبيل الحق والنجاة وليحذروهم من وخامة التعثر خلف الشيطان . وذلك هو قوله في الآية : ( فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين ) فهم يبشرون المهتدين من الناس بأن لهم حسن مآب ، أو ينذرون الفاسقين الناكبين بالويل وسوء العاقبة في دنياهم وأخراهم .

وقوله : ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ( الكتاب ) اسم جنس بمعنى الكتب . فقد بعث الله النبيين لهداية العباد وأنزل معهم كتبه متضمنة كل معاني الخير والهداية والترشيد وفيها من المناهج والتعاليم الربانية ما يحقق الإنسانية أكمل سعادة في هذه الدنيا وخير مفازة لهم يوم المعاد .

وتقدير الفاعل في قوله : ( ليحكم ) ضمير عائد على الكتاب فهو الذي أنزله الله ( ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ) وقيل إنه عائد على الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي بعث النبيين وأنزل معهم الكتاب ، وهو الذي يحكم ( بين الناس فيما اختلفوا فيه ) فقد اختلفوا فيما بينهم وضلوا السبيل حتى تفرقوا إلى ديانات وملل شتى .

وقوله : ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ) أي لم يختلف في الكتاب المنزل من السماء- بما ترتب على الاختلاف من تكذيب وتعدد في الديانات والملل والمذاهب التي ليست على منهج الله- إلا الذين أعطوا الكتاب ، مع أن جاءهم بالبينات وهي الحجج والبراهين والأدلة التي تكشف عن وجه الحق والصواب في كل القضايا . لقد جاءهم الكتاب المنزل من السماء يحمل إليهم كل معاني الحق والهداية من أجل أن يهتدوا ويستعصموا بخير منهج وأكمل عقيدة ، لكنهم مع كل ذلك قد اختلفوا ، وركنوا إلى الشيطان فضلوا ضلالا بعيدا ، وانحدروا بأنفسهم ومآلاتهم إلى الهاوية وسوء المصير . وما كان ذلك كله إلا ( بغيا بينهم ) ( بغيا ) مفعول لأجله منصوب . والبغي هو الظلم والاعتداء . والمعنى أنهم اختلفوا في الكتاب لسعيهم في الأرض مفسدين ولبغي بعضهم على بعض وعدم امتثالهم لنداء الحق إذ جاءهم .

وقوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) أي أن الله جل وعلا قد أرشد الذين آمنوا وهم أمة محمد ( ص ) إلى الصواب ومعرفة الحق الذي اختلفت فيه الأمم السابقة من أهل الكتاب فقد هداهم الله لذلك بأن بين لهم ما اختلف فيه أهل الكتاب من قبلهم .

وقوله : ( بإذنه ) أي بعلمه ، وقيل : بأمره ، والراجح عندي أن المعنى يشمل العلم والأمر معا ، فالله سبحانه قد هدى هذه الأمة لما اختلف فيه أهل الكتاب وذلك بعلمه وأمره .

قوله : ( بإذنه ) أي بعلمه ، وقيل : بأمره ، والراجح عندي أن المعنى يشمل العلم والأمر معا ، فالله سبحانه قد هدى هذه الأمة لما اختلف فيه أهل الكتاب وذلك بعلمه وأمره .

قوله : ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع ( يهدي ) جملة فعلية في محل رفع خبر ( من ) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل يهدي . وهذه الآية تدل على نحو واضح وظاهر لا يقبل التمحل المصطنع ، على أن الله جل جلاله بيده الهداية وترشيد الناس إلى الحق ، وأنه سبحانه قادر على هداية الخلق جميعا أو إضلالهم جميعا وما من مهتد ولا ضال إلا والله عليهم بهدايته أو ضلالة في الأزل البعيد .

ومن جهة أخرى فإن الله قد بسط لعباده أسباب الهداية والرشاد كيلا يظلمهم أو يذرهم تائهين حيارى . ومما هو معلوم أن الله جلت قدرته زود الإنسان بقدر هائل من زخم العقل والإرادة والفطرة والدينونة . فما تركه ليمضي في الحياة عبثا وما جعله خاويا متعريا من ظواهر القدرة على الاهتداء إلى الله . ومن كان شأنه غير ذلك فهو كائن معطل مشلول قد غاضت فيه كل ظواهر الهداية والاستبصار{[289]} .


[289]:-- تفسير القرطبي جـ 3 ص 30-33 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 250.