ولما كان كأنه قيل : هل كان{[9371]} هذا الكفر والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث {[9372]}فيكون حدوثه أعجب ؟ فقيل : لا فرق عند الحكيم بين{[9373]} هذا وذاك{[9374]} ، فإن قدرته {[9375]}على الكبير والصغير{[9376]} والجاهل والعليم والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان الواضح{[9377]} { كان الناس } أي كلهم { أمة } {[9378]}أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم بعضاً ويقتدي بعضهم بعضاً{[9379]} ثم أكد اجتماعهم فقال : { واحدة } أي{[9380]} على الصراط المستقيم فزل{[9381]} بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس
{ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا{[9382]} }[ يونس : 19 ] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله{[9383]} الأصفهاني{[9384]} وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : على الإسلام كلهم{[9385]} { فبعث الله } {[9386]}أي الذي لا حكم لغيره{[9387]} { النبيين } الذين رفعهم {[9388]}الله تعالى{[9389]} على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه { مبشرين{[9390]} } {[9391]}لمن أطاع ، وهو جار مجرى حفظ الصحة ، ولأنه مقصود بالذات قدم{[9392]} {[9393]}{ ومنذرين } لمن عصى{[9394]} ، وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء{[9395]} . قال الحرالي : فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات الخلق وفطرهم{[9396]} فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر ، لا يستأنفون أمراً لم يكن بل يظهرون أمراً كان مغيباً ، وكذلك حال كل إمام وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب{[9397]} - انتهى . { وأنزل معهم الكتاب } أي كلامه الجامع للهداية .
قال الحرالي : إبراماً لثني الأمر المضاعف ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد{[9398]} كان في الرسول كفاية وفي الكتاب وحده كفاية لكن الله{[9399]} تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون{[9400]} له الحجة البالغة - انتهى . { بالحق } أي الثابت كل ثبات { ليحكم } {[9401]}أي الله بواسطة الكتاب{[9402]} { بين الناس فيما اختلفوا فيه } {[9403]}من الدين الحق الذي كانوا عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد{[9404]} السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب { وما اختلف فيه } أي الكتاب {[9405]}الهادي للحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف{[9406]} { إلا الذين } ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقاً لا بقيد كونه من معلم مخصوص بني للمفعول { أوتوه } أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل لرفع الخلاف ، ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ذلك .
ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك فقال {[9407]}مشيراً بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان{[9408]} { من بعد ما جاءتهم البينات }{[9409]} أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي{[9410]} ثبت بها الكتاب . قال الحرالي : الجامعة لآيات ما في المحسوس وآيات ما في المسموع ، فلذلك كانت البينات{[9411]} مكملة لاجتماع شاهديها{[9412]} - انتهى .
ولما كان هذا محل السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولاً عن الحق {[9413]}محبة لما زين من الدنيا وتنافساً فيها{[9414]} فقال : { بغياً } قال الحرالي{[9415]} : والبغي أعمال الحسد بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام : " ثلاث لا يسلم منهن أحد " ومنهن متحلي الحسد والطيرة والظن ، فإذا حسدت فلا تبغ{[9416]} لأن الحسد{[9417]} واقع في النفس{[9418]} كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه ؛ فإذا استعملت بحسبه{[9419]} مقالها وفعالها كانت باغية - انتهى . و{[9420]}زاده عجباً{[9421]} بقوله { بينهم } أي لا بغياً على غيرهم فبدلوا من كل جهة .
ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال {[9422]}عاطفاً على ما تقديره : فعموا عن البينات{[9423]} : { فهدى الله } في إسناده إلى الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق{[9424]} الخلق إلا{[9425]} بعون وتوفيق من الحق - انتهى . { الذين آمنوا } أي بالنبيين{[9426]} ببركة إيمانهم { لما اختلفوا } {[9427]}أي أهل الضلالة{[9428]} { فيه } ثم بينه بقوله : { من الحق{[9429]} } ويجوز أن تكون تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون{[9430]} { بإذنه } أي بما ارتضاه لهم من علمه {[9431]} وإرادته وتمكينه{[9432]} . قال الحرالي : فيه إشعار بما فطرهم{[9433]} عليه من التمكين لقبوله لأن{[9434]} الإذن أدناه التمكين وإزالة المنع - انتهى . { والله } {[9435]} أي المحيط علماً وقدرة{[9436]} { يهدي من يشاء } أي بما له من أوصاف الكمال { إلى صراط مستقيم * } قال الحرالي{[9437]} : هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى إليه ، وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم المحمدي
" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله " انتهى . ولما {[9438]} أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف{[9439]} وقوع العداوات وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة قاضية بأن المدعوين{[9440]} إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا{[9441]} بين مستثقلين{[9442]} لأمر{[9443]} الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به الناس لأنفسهم ويشتتون أمرهم مستثقلين{[9444]} لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب الراحات{[9445]} في {[9446]} ذرى الجنات{[9447]} بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال ، {[9448]} فإن الثبات على الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف{[9449]}
قوله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .
كان الناس في السابق على دين واحد وعلى ملة واحدة هي ملة التوحيد الخالص . وقد ظلوا على هذه الحال من وحدة العقيدة وسلامة التوجه الخالص إلى الله فترة من الزمن مبدوءة بأبي البشر آدم عليه السلام حتى مجيء نوح عليه السلام . وبعد بعث هذا النبي الصابر العظيم اختلف الناس في دينهم وتفرقوا مللا شتى . وهي ملل قائمة على الإشراك والضلالة . وإذ ذاك أخذ كثير من الناس في الزيغ عن صراط الله والتنكب عن منهجه الكريم الذي بني على عقيدة التوحيد وتمام التوجه إلى الله من أول يوم . وما يختلف الناس في حقيقة الدين ويتعثروا في الاهتداء إلى الصواب ، أو يضلوا السبيل ويتفرقوا طرائق قددا ، حتى يبعث الله فيهم هداة مصطفين أخيارا ليكشفوا لهم عن سبيل الحق والنجاة وليحذروهم من وخامة التعثر خلف الشيطان . وذلك هو قوله في الآية : ( فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين ) فهم يبشرون المهتدين من الناس بأن لهم حسن مآب ، أو ينذرون الفاسقين الناكبين بالويل وسوء العاقبة في دنياهم وأخراهم .
وقوله : ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ) ( الكتاب ) اسم جنس بمعنى الكتب . فقد بعث الله النبيين لهداية العباد وأنزل معهم كتبه متضمنة كل معاني الخير والهداية والترشيد وفيها من المناهج والتعاليم الربانية ما يحقق الإنسانية أكمل سعادة في هذه الدنيا وخير مفازة لهم يوم المعاد .
وتقدير الفاعل في قوله : ( ليحكم ) ضمير عائد على الكتاب فهو الذي أنزله الله ( ليحكم بين الناس فيما اختلفوا ) وقيل إنه عائد على الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي بعث النبيين وأنزل معهم الكتاب ، وهو الذي يحكم ( بين الناس فيما اختلفوا فيه ) فقد اختلفوا فيما بينهم وضلوا السبيل حتى تفرقوا إلى ديانات وملل شتى .
وقوله : ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ) أي لم يختلف في الكتاب المنزل من السماء- بما ترتب على الاختلاف من تكذيب وتعدد في الديانات والملل والمذاهب التي ليست على منهج الله- إلا الذين أعطوا الكتاب ، مع أن جاءهم بالبينات وهي الحجج والبراهين والأدلة التي تكشف عن وجه الحق والصواب في كل القضايا . لقد جاءهم الكتاب المنزل من السماء يحمل إليهم كل معاني الحق والهداية من أجل أن يهتدوا ويستعصموا بخير منهج وأكمل عقيدة ، لكنهم مع كل ذلك قد اختلفوا ، وركنوا إلى الشيطان فضلوا ضلالا بعيدا ، وانحدروا بأنفسهم ومآلاتهم إلى الهاوية وسوء المصير . وما كان ذلك كله إلا ( بغيا بينهم ) ( بغيا ) مفعول لأجله منصوب . والبغي هو الظلم والاعتداء . والمعنى أنهم اختلفوا في الكتاب لسعيهم في الأرض مفسدين ولبغي بعضهم على بعض وعدم امتثالهم لنداء الحق إذ جاءهم .
وقوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) أي أن الله جل وعلا قد أرشد الذين آمنوا وهم أمة محمد ( ص ) إلى الصواب ومعرفة الحق الذي اختلفت فيه الأمم السابقة من أهل الكتاب فقد هداهم الله لذلك بأن بين لهم ما اختلف فيه أهل الكتاب من قبلهم .
وقوله : ( بإذنه ) أي بعلمه ، وقيل : بأمره ، والراجح عندي أن المعنى يشمل العلم والأمر معا ، فالله سبحانه قد هدى هذه الأمة لما اختلف فيه أهل الكتاب وذلك بعلمه وأمره .
قوله : ( بإذنه ) أي بعلمه ، وقيل : بأمره ، والراجح عندي أن المعنى يشمل العلم والأمر معا ، فالله سبحانه قد هدى هذه الأمة لما اختلف فيه أهل الكتاب وذلك بعلمه وأمره .
قوله : ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع ( يهدي ) جملة فعلية في محل رفع خبر ( من ) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل يهدي . وهذه الآية تدل على نحو واضح وظاهر لا يقبل التمحل المصطنع ، على أن الله جل جلاله بيده الهداية وترشيد الناس إلى الحق ، وأنه سبحانه قادر على هداية الخلق جميعا أو إضلالهم جميعا وما من مهتد ولا ضال إلا والله عليهم بهدايته أو ضلالة في الأزل البعيد .
ومن جهة أخرى فإن الله قد بسط لعباده أسباب الهداية والرشاد كيلا يظلمهم أو يذرهم تائهين حيارى . ومما هو معلوم أن الله جلت قدرته زود الإنسان بقدر هائل من زخم العقل والإرادة والفطرة والدينونة . فما تركه ليمضي في الحياة عبثا وما جعله خاويا متعريا من ظواهر القدرة على الاهتداء إلى الله . ومن كان شأنه غير ذلك فهو كائن معطل مشلول قد غاضت فيه كل ظواهر الهداية والاستبصار{[289]} .