ولما نفي الجناح بانتفاء{[11078]} المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح بوجوب المفروض كله أتبعه ما إذا انتفى أحدهما{[11079]} فقط {[11080]}فذكر الحكم عند انتفاء المسيس وحده صريحاً في ضد المفوضة{[11081]} السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض وحده تلويحاً فقال : { وإن طلقتموهن } أي الزوجات { من قبل أن تمسوهن } أي تجامعوهن سواء كانت هناك خلوة أو لا { وقد } أي والحال أنكم{[11082]} { فرضتم } {[11083]}أي سميتم{[11084]} { لهن فريضة } أي{[11085]} مهراً مقدراً{[11086]} { فنصف } أي فالمأخوذ نصف { ما فرضتم } أي سميتم لهن من الصداق{[11087]} لا غير{[11088]} .
ولما أوجب لها ذلك بعثها{[11089]} على تركه لأن الزوج لم ينتفع منها بشيء بالتعبير بالعفو فقال : { إلا أن يعفون } أي النساء{[11090]} فإن النون ضميرهن والواو لام الفعل{[11091]} فلا يؤخذ منكم شيء { أو يعفوا الذي بيده } أي إليه ولكن لما كان أغلب{[11092]} الأعمال باليد أسندت كلها{[11093]} إليها فصارت كناية عن القدرة { عقدة النكاح } وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها فيسمح{[11094]} لها بالجميع كان{[11095]} التعبير بهذا هزاً للزوج إلى العفو في نظير ما جعل إليه من هذا دونها .
قال الحرالي : إذا قرن هذا الإيراد{[11096]} بقوله : { ولا تعزموا عقدة النكاح } خطاباً للأزواج قوي{[11097]} فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج معادلة للزوجات ، ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات{[11098]} خص هذا بالأولياء{[11099]} فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن تبقية{[11100]} بوجه ما من نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون{[11101]} منشأ الخلاف من{[11102]} خطابات السعة بالإيهام - انتهى . وجعل الإمام هذا مفهوماً من التعبير بالعقدة{[11103]} لأنها تدل على المفعول{[11104]} كالأكلة واللقمة{[11105]} والذي بيده ذلك الزوج والذي بيد الولي العقد و{[11106]} {[11107]}هو المصدر كالأكل واللقم{[11108]} لا العقدة{[11109]} {[11110]}الحاصلة بعد العقد{[11111]} { وأن تعفوا } أيها الرجال والنساء { أقرب } أي من الحكم بالعدل الذي هو السواء{[11112]} .
ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون إلى فقال : { للتقوى } أما من المرأة فلأجل أن{[11113]} الزوج لم ينل منها شيئاً ولا حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه ، وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة بيده{[11114]} فإنه{[11115]} كما ربطها باختياره حلها باختياره{[11116]} فدفعه{[11117]} الكل أقرب إلى جبر المرأة ورضاها ، {[11118]}ومن فعل الفضل كان بفعله{[11119]} ذلك أقرب إلى أن يفعل الواجب بمن{[11120]} لم يفضل .
ولما كان العفو فضلاً من العافي وإحساناً لها{[11121]} منه وكانوا إنما يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله : { ولا تنسوا } أي تتركوا ترك{[11122]} المنسي ، والتعبير بالنسيان{[11123]} آكد في النهي { الفضل } أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما مضى لا مفضلاً عليكم ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وزاده{[11124]} تأكيداً بقوله : { بينكم } أي حال كونه واقعاً فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجاً عنكم ، ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء ، فما{[11125]} أمركم به إلا لنفعكم خاصة ، {[11126]}لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع{[11127]} في مقابله{[11128]} من المرأة بشيء ، ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء ، وهو يصح أن يكون بالتغليب خطاباً للقبيلين . وخصه الحرالي{[11129]} بالرجال فقال : فمن حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ{[11130]} النساء بالعفو ، ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض ، فمن أقبح ما يكون حمل الرجل{[11131]} على المرأة في استرجاع ما آتاها بما{[11132]} يصرح به قوله :
{ أو آتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه{[11133]} شيئاً }[ آل عمران : 20 ] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم تلزموا به - انتهى .
ثم علل ذلك مرغباً مرهباً{[11134]} بقوله : { إن الله }{[11135]} أي {[11136]}الذي له الكمال كله{[11137]} { بما تعملون } أي وإن دق { بصير * } وأفهم ذلك : وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض فجميع مهر المثل .
وقوله : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) إذا وقع الطلاق على المرأة قبل المسيس وقد فرض لها الصداق من قبل ، فإن لها نصفه . وذلك هو الحكم المأخوذ من هذه الآية وهو ما أجمع عليه العلماء . فالطلاق من قبل المسيس وبعد فرض الصداق يوجب لها النصف ، خلافا لما يكون عليه الحكم بعد المسيس والفريضة ؛ فإنها لها الصداق كله .
ويتبين من هذه الآية كذلك أن المطلقة المفروض لها الصداق لا يثبت لها شيء من متعة مادامت غير ممسوسة . وليس لها في هذه الحال غير النصف من الصداق المسمى ؛ لأن المتعة إنما يختص بها من النساء المطلّقات من قبل المسيس ولم يفرض لهن فريضة كما بينّا في الآية السابقة .
ولكن فريقا آخر من العلماء قالوا : إن المتعة تجب لكل مطلّقة عموما استنادا لما سبق من آيات واردة في الأمر بالإمتاع على سبيل الوجوب .
وقوله : ( إلا أن يعفون ) وذلك استثناء منقطع ؛ لأنه لا علاقة للعفو من الصداق بأخذه وليس أحدهما من جنس الآخر . و ( يعفون ) على وزن يَفْعُلْن أي يتركن والنون نون النسوة . والمعنى للآية أن المطلقة قبل المسيس والتي فرض لها الصداق تستحق من هذا الصداق نصفه على سبيل الوجوب لها إلا أن تعفو عن هذا الحق ( النصف ) أي تتركه للزوج تسامحا وكرما وعن طيب نفس .
وقوله : ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) ( يعفوا ) مضارع منصوب معطوف على يعفو الأولى . والذي بيده عقدة النكاح موضع خلاف ، لكن الراجح أنه يراد به الزوج فهو الذي يملك أن يعقد النكاح وأن يهدمه ، ويستدل على ذلك بما رواه الدارقطني مرفوعا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : قال رسول الله ( ص ) : " وليّ عقدة النكاح الزوج " وروى الدارقطني أيضا عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة بني نصر ، فطلقها قبل أن يدخل بها ، فأرسل إليها الصداق كاملا وقال : أنا أحق بالعفو منها . وتأول قوله تعالى : ( أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ) يعني نفسه . وقد سأل علي بن أبي طالب شريحا عن الذي بيده عقدة النكاح فقال : هو ولي المرأة . فقال عليّ : لا ، بل هو الزوج . وذلك الذي عليه كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب . وقيل خلافا لذلك : إن الذي بيده عقدة النكاح وليّ المرأة كأن يكون أباها أو جدها أو أخاها أو من يكون إذنه ضروريا لنكاحها . وهو ما ذهب إليه فريق من العلماء منهم مالك ، والشافعي في أحد قوليه ، وذلك قول مرجوح ، فإن الراجح أنه الزوج " لما بينّا من دليل .
وجملة المقصود في هذا الشأن أن المطلقة غير الممسوسة لها نصف الصداق إن كان مفروضا لها من قبل ؛ إلا أن تسخو فتتنازل عن حقها في هذا النصف للزوج وذلك من باب العفو والتسامح وكريم الخلق ، أو أن يسخو الزوج فيتنازل عن حقه في النصف فيدفع لها المهر كاملا ، وهو أمر متعلق بسمو الطبع وكريم الخلق لكل منهما ، وهو فيه الثناء على الكريم منهما ما يجعله من المتقين ، ولا جرم أن يكون في مثل هذا التنازل ما يسوق المتنازل الكريم منهما إلى التقوى ، وفي ذلك يقول سبحانه مبينا مناشدا : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) .
وقوله : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ( الفضل ) هو تواضع كل منهما وتنازله بسخاء عن شطر المهر للآخر . فقد تسخو المطلقة غير المدخول بها فتتنازل عن شطر المهر الذي تستحقه للرجل ، وذلك فضل منها . وقد يسخو الرجل ليتنازل في خلق وإحسان عن الشطر الآخر للمهر فيقدمه لها كاملا وذلك فضل منه . وبذلك يكون الاثنان قد تعاملا بخلق كريم وإحسان واضح فلا ينبغي لهما أن ينسيا هذا الفضل ، بل عليهما أن يذكراه ؛ ليظل مثل هذا التذكر سببا في استتباب الأخوة في الدين بينهما وألا يكون الفراق الذي حصل مثيرا للألم والكراهية بينهما . والله جلت قدرته مطّلع على حالهما ، وكاشف لما يبيت في نفس كل منهما ، فلا يخفى عليه شيء من ذلك ظاهرا كان أو مستورا ؛ ولذلك قال : ( إن الله بما تعملون بصير ) {[325]} .