نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (235)

ولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن الرجال بين أن التعريض بالخطبة ليس داخلاً في المنع فقال : { ولا جناح عليكم } أي إثم بميل{[10977]} { فيما عرضتم به } أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه كأنه في جانب وهو في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة{[10978]} كأنت جميلة أو نافعة ، وأنا عازم على أن أتزوج ، وعسى أن ييسر الله لي قرينة{[10979]} صالحة{[10980]} وقال الحرالي : من التعريض وهو تفعيل من العرض{[10981]} والعرض{[10982]} وهو إلقاء القول عرضاً أي ناحية على غير قصد إليه وصمد نحوه - {[10983]}انتهى . والفرق بينه وبين الكناية أنه كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد إلا بالقرائن ، كقول المحتاج : جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم ، ويسمى التلويح أيضاً ، والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم ، وقد أفهم نوط الحل بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية{[10984]} ، والصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد{[10985]} ولا يسبق غيره عند الإطلاق { من خطبة } وهي الخطاب في قصد{[10986]} التزوج . {[10987]}وقال الحرالي{[10988]} : هي هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم { النساء } المتوفى عنهن أزواجهن ومن أشبههن في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها .

ولما أحل{[10989]} له التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك{[10990]} نفى عنه الحرج فيه بقوله { أو أكننتم } أي{[10991]} أضمرتم { في أنفسكم } من تصريح وغيره {[10992]}سواء كان من شهوات النفس أو لا{[10993]} . قال الحرالي : من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن - بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء .

ولما كان لله سبحانه وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل التعليل : { علم الله } أي بما له من صفات الكمال { أنكم ستذكرونهن } أي في العدة فأذن لكم{[10994]} في ذلك على ما حد لكم{[10995]} .

قال الحرالي : ففيه إجراء الشرعة على الحيلة{[10996]} الخاص بهذه الأمة انتهى{[10997]} .

ولما كان التقدير : فاذكروهن ، استثنى منه قوله : { ولكن لا تواعدوهن } أي في ذكركم إياهن{[10998]} { سراً } ولما كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به{[10999]} وإن جهر بين أن المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال : { إلا أن تقولوا } أي في الذكر لهن { قولاً معروفاً } لا يستحيي منه عند أحد من الناس ، فآل{[11000]} الأمر إلى أن المعنى لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر{[11001]} وهو التعريض ؛ {[11002]}فنصت {[11003]}هذه الآية على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماماً به لما{[11004]} للنفس من الداعية إليه .

ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن النكاح شديداً وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى{[11005]} وكان من يرتع حول الحمى{[11006]} يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملاً على التحري ومنعاً من التجري{[11007]} فقال : { ولا تعزموا } أي تبتّوا أي تفعلوا فعلاً بتاً مقطوعاً به غير متردد فيه{[11008]} { عقدة النكاح } {[11009]}أي النكاح الذي يصير معقوداً{[11010]} للمعتدة عدة هي فيها بائن {[11011]}فضمن العزم البتة{[11012]} ولذلك أسقط " على " وأوقعه على العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق{[11013]} بدونه فكأنه قال : ولا تعزموا على النكاح باقين عقدته ، وهو أبلغ مما لو قيل : ولا تعقدوا{[11014]} النكاح ، فإن النهي عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق{[11015]} الأولى{[11016]} . قال الحرالي{[11017]} : والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز{[11018]} { حتى يبلغ الكتاب } أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاة {[11019]}أو طلاق ، أو ما كتب وفرض من العدة{[11020]} { أجله } أي أخر مدته التي ضربها للعدة .

ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة{[11021]} وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب و{[11022]}بقي بين{[11023]} الطرفين أمور{[11024]} كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلاً غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم{[11025]} تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى : { واعلموا } أي أيها الراغبون في شيء من{[11026]} ذلك { أن الله } وله جميع الكمال { يعلم ما في أنفسكم } كله { فاحذروه } و{[11027]} {[11028]}لا تعزموا على شر{[11029]} فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة .

ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في{[11030]} النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثاً على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال{[11031]} : { واعلموا أن الله } أي كما اقتضى جلاله العقوبة اقتضى جماله العفو فهو لذلك { غفور } أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا { حليم * } لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله{[11032]}فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة لا يطاق ، ويجوز أن يكون التقدير : {[11033]}ولا{[11034]} تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة{[11035]} النكاح في عدة{[11036]} من العدد ؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى {[11037]}دال على{[11038]} براءة الرحم ، لأن الماء يكون فيه أربعين يوماً نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم{[11039]} ينفخ فيه الروح فتلك أربعة أشهر ، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها ؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى " باثنين وأربعين يوماً{[11040]} " وفي رواية : " خمس وأربعين " وفي رواية : " بضع وأربعين " فإذا حمل البضع على ست وزيد ما قد تنقصه الأشهر صارت أربعة أشهر وعشراً{[11041]} ؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل : إنه يقل صبر النساء بعد ذلك ، واقتصر في الاستبراء على قرء{[11042]} وهو أقل دال على براءة الرحم لأن السيد يكون مخالطاً للأمة غالباً فيشق الصبر ، وثلثت عدة الحرة جرياً على سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة{[11043]} الإسراع من المخالطة ، ولأن أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى ، وكانت عدة الأمة من الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي{[11044]} للقصر وحق الزوج المقتضي{[11045]} للطول مع عدم إمكان التنصيف{[11046]} - والله سبحانه وتعالى أعلم .


[10977]:من م ومد، وفي الأصل: يميل وليس في ظ.
[10978]:في ظ: بدوة.
[10979]:في م: قريبة – كذا.
[10980]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد.
[10981]:في مد: الغرض.
[10982]:في مد: الغرض
[10983]:العبارة من هنا إلى "عند الإطلاق" ليست في ظ.
[10984]:في مد: والكناية.
[10985]:.ليس في م.
[10986]:في الأصل: قصة، وفي ظ: عرض، والتصحيح من م ومد.
[10987]:العبارة من هنا إلى "بالضم" ليست في م.
[10988]:وقال الأندلسي: الخطبة بكسر الخاء التماس النكاح، يقال: خطب فلان فلانة، أي سألها خطبه أي حاجته، فهو من قولهم: ما خطبك أي ما حاجتك وأمرك، قال الفراء: الخطبة مصدر بمعنى الخطب وهو من قولك: إنه يحسن القعدة والجلسة، يريد القعود والجلوس، والخطبة بضم الخاء الكلام المشتمل على الزجر والوعظ والأذكار، وكلاهما راجع للخطاب الذي هو الكلام وكانت سجاح يقول لها الرجل: خطب، فتقول: نكح – البحر المحيط 2 / 221.
[10989]:من مد، وفي الأصل وم وظ: أجل.
[10990]:زيد بعده "و" في الأصل ولم تكن الزيادة في م وظ فحذفناها.
[10991]:وفي البحر المحيط 2 / 225: أي أخفيتم في أنفسكم من أمر النكاح فلم تعرضوا به ولم تصرحوا بذكر وكان المعنى رفع الجناح عمن أظهر بالتعريض أو ستر ذلك في نفسه، وإذا ارتفع الحرج عمن تعرض باللفظ فأحرى أن يرتفع عمن كتم ولكنهما حالة ظهور وغخفاء عفى عنهما، وقيل المعنى أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل بعد انقضاء العدة فأباح الله التعريض وحرم التصريح في الحال وأباح عقد القلب على التصريح في المستقبل ولا يجوز أن يكون الإكنان في النفس هو الميل إلى المرأة لأنه كان يكون من قبيل إيضاح الواضحات لأنه التعريض بالخطبة أعظم حالا من ميل القلب...أكن الشيء أخفاه في نفسه وكنه ستره شيء، والهمزة في أكن للتفرقة بين المعنيين كأشرقت.
[10992]:ليست في ظ.
[10993]:ليست في ظ.
[10994]:في م: على ما حد لكم في ذلك.
[10995]:في م: على ما حد لكم في ذلك.
[10996]:في م ومد: الجبلة.
[10997]:زيد من م وظ ومد.
[10998]:في مد: إياهم.
[10999]:أخره في م ومد وظ عن "جهر".
[11000]:من م ومد وظ وفي الأصل: قال.
[11001]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فليس.
[11002]:العبارة من هنا إلى "الداعية إليه" سقطت من ظ.
[11003]:من م ومد، وفي الأصل: فنصب.
[11004]:من م ومد، وفي الأصل: لا.
[11005]:سقطت من م، وفي ظ: المحمى – مكان: الحمى.
[11006]:سقطت من م، وفي ظ: المحمى – مكان: الحمى.
[11007]:في ظ: التحري. وزيد بعده في الأصل: فقط سي – كذا.
[11008]:زيدت في ظ: فالنهي عن العقد بطريق الأولى وفي البحر المحيط 2 / 229: "ولا تعزموا" نهوا عن العزم على عقدة النكاح وإذا كان العزم منهيا عنه فأحرى أن ينهي عن العقدة، وانتصاب عقدة على المفعول به لتضمين "تعزموا" معنى ما يتعدى بنفسه فضمن معنى تنورا...وعقدة النكاح ما تتوقف عليه صحة النكاح.
[11009]:سقطت من ظ.
[11010]:سقطت من ظ.
[11011]:العبارة من هنا إلى "بطريق الأولى" لايست في ظ.
[11012]:في م: البت وقال أبو حيان الأندلسي: وقيل انتصب على إسقاط حرف الجر وهو على التقدير: ولا تعزموا على عقدة النكاح، حكى سيبويه أن العرب تقول: ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر والبطن، وقال الشاعر: ولقد أبيت على الطوى وأطله حتى أنال به كريم المأكل أي وأطل عليه فحذف على ووصل على الفعل إلى الضمير فنصبه.
[11013]:من م، وفي الأصل ومد: لا يتحقق.
[11014]:من م ومد، وفي الأصل: ولا تعتدوا.
[11015]:كذا في الأصول: والظاهر: بالطريق.
[11016]:زيد في الأصل "باين" ولم تكن الزيادة في م ومد فحذفناها.
[11017]:وفي البحر المحيط 2 / 221: العقدة في الحبل وفي الغصن معروفة يقال: عقدت الحبل والعهد ويقال: أعقدت العسل، وهو راجع لمعنى الاشتداد وتعقد الأمر على: اشتد ومنه العقود.
[11018]:من مد وظ، وفي الأصل: حرز، وفي م: حزر.
[11019]:سقطت من ظ.
[11020]:سقطت من ظ.
[11021]:في ظ: العقد.
[11022]:في الأصل: نفى من والتصحيح من م ومد وظ.
[11023]:في الأصل: نفى من والتصحيح من م ومد وظ.
[11024]:من مد، وفي م: أمرو وفي ظ: أمورا.
[11025]:من م ومد وظ، وفي الأصل: التقادم.
[11026]:سقط من ظ.
[11027]:زيد من م ومد.
[11028]:سقطت من ظ.
[11029]:سقطت من ظ.
[11030]:في ظ ومد: من.
[11031]:وفي البحر المحيط 2 / 230: ولما هددهم بأنه مطلع على ما في أنفسهم وحذرهم منه أردف ذلك بالصفتين الجليلتين ليزيل عنهم بعض روع التهديد والوعيد والتحذير من عقابه ليعتدل قلب المؤمن في الرجاء والخوف، وختم بهاتين الصفتين المقتضيتين المبالغة في الغفران والحلم ليقوى رجاء المؤمن في إحسان الله تعالى وطمعه في غفرانه وحلمه إن زل وهفا، وأبرز كل معنى من التحذير والإطماع في جملة مستقلة وكرر اسم الله تعالى للتفخيم والتعظيم بمن يسند إليه الحكم.
[11032]:العبارة من هنا إلى "لا يطاق" ليست في ظ.
[11033]:في ظ: فلا.
[11034]:في ظ: فلا.
[11035]:من ظ ومد وفي الأصل: بعدة.
[11036]:من م وظ ومد، وفي الأصل: عدد.
[11037]:في ظ: دالة.
[11038]:في ظ: دالة.
[11039]:في مد: لم.
[11040]:ليس في ظ وم، ولا يتضح في مد.
[11041]:واختص هذا العدد في عدة المتوفى عنها زوجها استبراء للحمل فقد روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يكون خلق أحدكم نطفة أربعين يوما ثم علقة أربعين يوما ثم مضغة أربعين يوما ثم ينفخ فيه الروح أربعة أشهر، وزاد الله العشر لأنها مظنة لظهور حركة الجنين أو مراعاة لنقص الشهور وكمالها أو استظهارا لسرعة ظهور الحركة أو إبطائها في الجنين. قال أبو العالية وغيره: إنما زيدت العشر لأن نفخ الروح يكون فيها وظهور الحمل في الغالب. وقال الأصمعي: ولد كل حامل يركض في نصف حمله – البحر المحيط 2 / 224.
[11042]:في ظ: قراء، وفي مد: قرأ.
[11043]:في الأصل: علمه، والتصحيح من م ومد وظ.
[11044]:في ظ: للمقتضى.
[11045]:زيد في م: للزوج.
[11046]:في ظ: التضيف.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (235)

قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلوا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم )

يخاطب الله في هذه الآية الرجال الذين يبتغون الزواج من النساء في حال عدّتهن من وفاة أزواجهن ، فإذا رغب الرجل في نكاح المتوفى عنها زوجها أثناء عدّتها فإنه لا إثم عليه في ذلك إذا ما كان خطابه لها تعريضا لا تصريحا ، والتعريض ضد التصريح ، وهو أن يحتمل الخطاب أكثر من معنى ، وذلك كالنكاح وغيره . وهو من العرض ، وعرض الشيء جانبه لا وسطه ، والمعرّض حين الخطاب إنما يحوم حول المقصود حوما من غير أن يخوض في صميمه . وبعبارة أخرى فإن التعريض يراد به التلميح لا التصريح{[322]} ذلك إذا ما أراد الرجل أن يخطب المتوفى عنها زوجها أو المطلقة المبتوتة أثناء العدة لكل منهما . والتعريض بخطبة النساء أن يقول الرجل للمرأة على سبيل المثال : إني أبتغي الزواج من امرأة صالحة ، أو : إنك امرأة صالحة ، وددت أن يكتب الله لي واحدة مثلك ، أو : إن لي حاجة في الزواج من الصالحات ، أو : لا تسبقيني بنفسك ، وغير ذلك من عبارات تحتمل أكثر من معنى ، لكنها جميعا تأتي على سبيل التلميح بخطبة المرأة المتوفى عنها زوجها أو المبتوتة حال عدّتها ، أما المطلقة طلاقا رجعيا فلا يجوز بحال أن يعرّض لها بخطبة ؛ لأنها لم تبرح كنف الزوجية مادامت في عدّتها ، وليس لأحد من الرجال أصلا أن يخاطبها بتلك العبارات باستثناء زوجها الذي يستطيع مراجعتها في كل آن .

قوله : ( أو أكننتم في أنفسكم ) ( أكننتم ) بمعنى أخفيتم ، من الإكنان وهو الستر والإخفاء ، والجملة معطوفة على نفي الحرج في التعريض بخطبة النساء . والمعنى أنه لا إثم عليكم ولا حرج فيما تخفونه في أنفسكم من الرغبة في خطبة المتوفى عنهن أزواجهن أو نكاحهن بعد انقضاء عدتهن .

وقوله : ( علم الله أنكم ستذكرونهن ) الله يعلم أنكم ستذكرون أولئك النساء وذلك بألسنتكم أو في نفوسكم ، سواء كان الذكر لهن في السر أو العلن . ومن أجل ذلك قد أباح الله لكم مراودتهن في الخطبة تعريضا لا تصريحا .

ثم حذر الله من مواعدة النساء المعتدّات من وفاة أزواجهن سرا . ومواعدتهن بالسر تشمل كل كلام محرّم أثناء الاعتداد ، وذلك كالمواعدة على الزنا ، أو إلزامها بميثاق على ألا تتزوج غيره ، أو أن يقول لها : لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك .

ومثل هذه المواعدات حرام ، إلا أن يكون القول معروفا وهو ما أبيح من التعريض وفي ذلك كله يقول سبحانه : ( ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ) والاستثناء هنا منقطع . أي ليس لكم أن تخاطبوهن سرا لتنتزعوا منهن مواعدات محرّمة إلا أن تكون المخاطبة مباحة وهي الحديث إليهن تعريضا كما بينا .

قوله : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ) عقدة النكاح هي العقد بين الراغبين في التناكح والمؤلّف من ركنيه الإيجاب والقبول . ويراد بالكتاب العدّة . والمعنى أنه ليس لكم أن تعقدوا عقد النكاح على النساء المتوفى عنهن أزواجهن ولم تنقض عدّتهن بعد .

وقد وقع الإجماع على أنه لا يصح العقد على المرأة حال عدّتها ، بل إن ذلك حرام قد نهى عنه الشرع . وإذا تزوج الرجل المرأة في عدتها ولم يدخل بها وجب فسخ العقد ، ثم يكون الرجل بعد ذلك خاطبا من الخطّاب إن شاء وقيل إن التحريم يقع مؤبدا مادام العقد قد وقع أثناء العدّة وإن لم يتم الدخول ، أما إذا وقع الدخول بعد العقد وفي العدّة وجب الفسخ أولا ، ثم تحرم المرأة على التأبيد وهو ما ذهب إليه الإمام مالك مستندا في ذلك إلى ما قاله عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- : أيما امرأة نكحت في عدّتها ، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فُرّق بينهما ثم اعتدت بقية عدّتها من زوجها الأول وكان خاطبا من الخطّاب ، وإن كان دخل بها فُرّق بينهما ثم اعتدّت بقية عدّتها من زوجها الأول ، ثم اعتدّت من الآخر ، ثم لم ينكحها أبدا .

لكن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنها لا تحرم على التأبيد ، بل لمن دخل بها في عدّتها أن يخطبها بعد انقضاء عدّتها{[323]} .

قوله : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) يحذّر الله عباده مما يكنونه في ضمائرهم من نوايا ، فإن عليهم أن يخافوه ، ويحذروا عذابه وبطشه ، وأن يتجنبوا ما نهاهم عنه ، وأن يمتثلوا لما بيّن للناس من حدود .

ثم إن الله لا يريد للعباد أن يعيشوا مع اليأس أو يقطعوا مع الله حبل الرجاء ، بل عليهم أن يعلموا أن الله جلت قدرته ( غفور حليم ) فهو غفّار للذنوب يتجاوز عن المعاصي والخطايا ، وهو كذلك حليم ، يتجاوز عن السيّئات ، ويشمل العباد بأفياء رحمته التي وسعت كل شيء{[324]} .


[322]:- المصباح المنير ص 425.
[323]:- بداية المجتهد جـ 2 ص 40.
[324]:- تفسير القرطبي جـ 3 ص 192 -194.