و{[12389]}لما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد {[12390]}لا يحتاج فيه منصف{[12391]} لنفسه إلى إكراه فيه فقال : { لا إكراه في الدين } وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر{[12392]} لأهل{[12393]} الملكوت والملك فيما{[12394]} هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس{[12395]} فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له ، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما{[12396]} هو علم عقابها وآية عذابها ، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها . فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات{[12397]} بما استشعرته{[12398]} قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد {[12399]}حلوه ومره{[12400]} بذلك التوحيد حلواً ، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى{[12401]} .
ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله : { قد تبين الرشد } قال الحرالي : وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم { من الغي } وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته{[12402]} - انتهى . أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله ، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه{[12403]} لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره{[12404]} ، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية { فمن } أي فكان ذلك سبباً لأنه من { يكفر بالطاغوت{[12405]} } وهو نفسه وما دعت إليه ومالت{[12406]} بطبعها الرديء إليه . وقال الحرالي : وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف{[12407]} عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء{[12408]} مما منه الطغيان - انتهى . { ويؤمن بالله } {[12409]}أي الملك الأعلى{[12410]} ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن { فقد استمسك } على بصيرة منه { بالعروة الوثقى } أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه
( ومن يسلم وجهه إلى الله }[ الحج : 31 ] الآية{[12411]} ، والعروة ما تشد{[12412]} به العياب ونحوها بتداخلها{[12413]} بعضِها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضُه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه ، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة{[12414]} ما شأنه أن يخاف وهنه ، ثم بين وثاقتها بقوله : { لا انفصام{[12415]} لها } أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب . قال ابن القطاع : فصمت الشيء صدعته ، والعقدة حللتها ، والشيء عنه ذهب . وقال الحرالي : من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض ، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً ، وهو تمثيل للمعلوم{[12416]} بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه{[12417]} فيحكم اعتقاده فيه ويجل{[12418]} اغتباطه به ، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر ، فمن سبقت له السعادة قيض{[12419]} الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات{[12420]} الكفر والحيرة{[12421]} .
ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما : { والله }{[12422]} الذي له صفات الكمال { سميع } أي لما يقال مما يدل على الإيمان { عليم * } أي{[12423]} بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه ، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة {[12424]}في الكفار{[12425]} من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين ،
قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغنى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .
هذه الآية تتضمن قاعدة كبيرة من قواعد هذا الدين . وهي قاعدة مبعثها التقدير والإجلال للكتب والأديان السماوية التي جيء بها عند الله . ومبعثها كذلك رفض القسر والإكراه أن يكونا سبيلا لحمل الناس على الإيمان أو الالتزام بعقيدة الإسلام .
وعلى ذلك فغنه لا ينبغي للمسلمين أن يستكرهوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى على الدخول في الإسلام قهرا ، فقد استبان الرشد وهو الهداية وطريق الله المستقيم ومنهجه الحق ، واستبان كذلك الغيّ وهو الضلال وما يندرج فيه من مبادئ الكفر ومذاهب الباطل وفلسفات الفساد والعمَهْ .
بعدما تميز الحق من الباطل ، وحصحص الهدي ساطعا بلجا فإنه لا مساغ حينئذ للمسلمين أن يكرهوا الكافرين على الإيمان إكراها ، فإن الإكراه في مثل هذا الأمر لا يجدي ولا يأتي بخير ولا يفضي بالإيمان إلى القلوب عن طواعية واستسلام ، ولا بالقناعة والفكر إلى الأذهان والتصوّر عن تصديق وتثبّت ويقين .
إن الإسلام دين واضح متميز قائم على قواعد متينة من العقيدة الثابتة الصلبة ، وعلى قواعد من القناعات والأفكار والتصورات التي تتحقق عن طريق الحجة الدامغة المكشوفة والمنطق القوي المستبين . فلا داعي بعد ذلك أن يُحمل الناس على الإيمان قسرا وقهرا ؛ لأن ذلك سبيل الفارغين القساة الذين يقيمون حياتهم في الفكر أو الرأي أو المبدأ على أساس من التعصب الضيّق والأنانية المقيتة المنكمشة والتسلط الظالم الغاشم .
وثمة رأي ضعيف مرجوح حول هذه الآية بأنها منسوخة نسختها آية التكليف بمجاهدة الكفار والمنافقين ، فضلا عن إكراه النبي ( ص ) العرب المشركين على الإسلام وقتالهم دون أن يرضي منهم غير الدخول في الإسلام . والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة ، بل إنها نزلت في أهل الكتاب خاصة . وهم لا ينبغي إكراههم على الإسلام إذا أدوا ما عليهم من جزية . والذين يُكرهون على الإسلام أو القتال دون قبول الجزية منهم هم عبدة الأوثان أو من كان على شاكلتهم من ملحدين وإباحيين . وأولئك لا يستوجبون التكريم والاعتبار ؛ لأنهم باتوا بوثنيتهم وإلحادهم أولي عقول معطلة ، وطبائع شاذة لا يروق لها غير الحماقة والضلالة والسفه .
وقوله : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) من اسم شرط مبني على السكون . ( يكفر ) فعل الشرط . ( فقد استمسك ) جواب الشرط ، والفاء مقترنة به . والطاغوت من الفعل طغى يطغى ، وهو مأخوذ من الطغيان ، والطاغوت الكاهن والشيطان . وكل رأس في الضلال . وجمعه طواغيت وينسحب الطاغوت من حيث المراد به ليشمل كل سبب جرّ طغيانا . أو ما كان فيه إطغار للآخرين وإبعادهم عن صراط الله المستقيم . وذلك كشياطين الجن والإنس ، ثم الأوثان التي يتصور المخدوعون جدارتها أو قدسيّتها سوء كانت الأوثان من الأحجار أو الأموال أو الحكام والساسة أو غير ذلك مما خلا الله سبحانه .
والآية تقرر في وضوح قاطع أن من ندّد بتلك الطواغيت ثم حاربها وأعرض عنها مع الإيمان بالله إلها خالقا قادرا منفردا بكل خصائص الإلهية والربوبية فقد اعتصم ( بالعروة الوثقى ) وهي الإسلام . ذلك الدين القويم المتين الكامل الذي جعله الله شريعة للناس يهتدون بهديه في هذه الدنيا . والتعبير بالعروة يشي بقوة هذا الدين وصلابته وكماله . يعزز ذلك قوله تعالى : ( لا انفصام لها ) أي أن هذا الدين في قوته ومتانته وصلابته وتماسكه وكماله أشبه بالعروة القوية من الحديث الصلب الذي لا يقبل الانكسار أو التهشيم .
قوله : ( والله سميع عليم ) الله جل جلاله يسمع ما تنطق به الشفاه والألسن ، ويعلم ما تكنّه القلوب والنوايا من معتقدات ومكنونات وأسرار .