ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع في إقامة الدليل عليه فقال عاطفاً على قوله : " قال " : { وعلم }{[1595]} أي لإقامة الدليل على ذلك ، والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلَّم من النسيان ، { آدم } من الأدم من الأديم وهو جلدة الأرض التي منها جسمه ، وحظ ما فيه من أديم الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم ، { الأسماء } أي التي للأشياء { كلها } وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو ؛ فهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو ، وذلك السمو هو مدلول الاسم الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية - قاله الحرالي ، وقال في كتاب له في أصول الفقه : الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ونصيب من ذوات الأشياء ، وتلك هي المعروضة على الملائكة ، واسم التسمية يحاذي به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض ، وهو عند آدم علم وعند الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ{[1596]} - انتهى .
{[1597]}ولما كان العرض على الملائكة بالغاً في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف التراخي فقال{[1598]} : ثم { عرضهم } أي الأشياء . قال الحرالي : أظهرهم عن جانب وهو العرض والناحية { على الملائكة } القائلين لذلك . وقال الحرالي : لما ذكر تعالى مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه{[1599]} لهم وجه حكمة علية بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم بملكوت الله و ملكه شهوداً فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة{[1600]} ولم يشهدوا حقيقة مدلول {[1601]}تسميتها ، وعلمه حكمة ما بين تلك الأسماء التي هي حظ من الذوات وبين تسمياتها من النطق ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة وأمره كلمة فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره ، واستخلفه في علم ما{[1602]} له من الخلق والأمر ، وذلك في بدء كونه فكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى إليه كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد صلى الله عليه وسلم مما هو مبهم في قوله تعالى :
{ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً{[1603]} }[ النساء : 113 ] فأبدى الله عز وجل لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية في التسمية إعلاء له عندهم ، وقد جعلهم الله عز وجل مذعنين مطيعين فانقادوا للوقت بفضل آدم على جميع الخلق وبدا{[1604]} لهم علم أن الله{[1605]} يعلي من يشاء بما يشاء من خلافة أمره وخلقه ، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى { ثم عرضهم } وأشار إليه " هؤلاء " عند كمال عرضهم ، وأجرى على الجميع ضمير " هم " لاشتمال تلك الكائنات على العاقلين وغيرهم ؛ وبالتحقيق فكل خلق ناطق حين يستنطقه الحق ، كما قال تعالى{[1606]}
اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم{[1607]} }[ يس : 65 ] وإنما العجمة{[1608]} والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم - انتهى .
{[1609]}وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة : ويقال إن الاسم{[1610]} مأخوذ من السمو وهو العلو والرفعة ، وإنما جعل الاسم تنويهاً بالدلالة على معنى الاسم لأن المعنى تحت الاسم - هذا قول النحويين ؛ والسمة تدل على صاحبها ، لأنهما حرفان سين وميم ، فالسين من السناء والميم من المجد وهو لب الشيء ، فكأنه سمى اسماً لأنه يضيء لك عن لب الشيء ويترجم عن مكنونه ، وليس شيء إلا وقد وسمه الله بسمة تدل على ما فيه من الجوهر ؛ فاحتوت الأسماء على جميع العلم بالأشياء ، فعلمها الله آدم وأبرز فضيلته على الملائكة عليهم السلام - انتهى .
{ فقال } {[1611]}معجزاً لهم{[1612]} { أنبئوني }{[1613]} أي أخبروني إخباراً عظيماً قاطعاً{[1614]} { بأسماء هؤلاء }{[1615]} أي الموجودات بتفرسكم فيها { إن كنتم صادقين }{[1616]} أي فيما تفرستموه في الخليفة وفي أنساله . قال الحرالي : هذه الأسماء المواطئة للتسمية من السمة والأسماء الأول هي الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو المسمى ، ومع ذلك فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم - انتهى .
قوله : ( وعلم آدم الأسماء كلها ( آدم من الأديم وهو وجه الأرض حيث التراب أو الطين الذي خلق منه أبو البشر ، وثمة أقوال أخرى للعلماء في أصل هذه الكلمة ، وذلك كقوله تعالى : ( إني خالق بشرا من طين ( وقوله : ( خلق الإنسان من صلصل كالفخار ( وقوله : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( .
أما تعليم آدم الأسماء كلها فإن ذلك موضع خلاف بين العلماء والمفسرين في ماهية هذه الأسماء وفي حقيقتها ، ولعل أصوب هذه الأقوال هو أن الله جلت قدرته قد علم آدم الأسماء التي يتعارف بها الناس مثل : إنسان وأنعام وأرض وسماء وبحر وبر وسهل وجبل وماء وتراب وطعام وهواء وزرع وثمر وذكر وأنثى وخير وشر وصدق وعدل وغير ذلك مما عرفته البشرية ، ذلك هو القول الذي يمكن الركون إليه وترجيحه وإن كان قد ورد غير ذلك في المقصود من الأسماء والله أعلم .
قوله : ( ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء ( عرض الله المسميات على الملائكة وطلب منهم أن يكشفوا عن أسماء هذه المسميات ، وذلك على سبيل الامتحان لهم ، كيما يعلموا فيما بعد أن هناك من خلائق الله من هم أعلم منهم أو من هم أعظم منهم درجة وهؤلاء هم النبيئون وذلك على القول الذي يذهب الى تفضيل النبيين على الملائكة .
وقوله : ( إن كنتم صادقين ( وذلك في زعمكم أنه لم يخلق أحد يبعد أعلم منكم ، وفي قول آخر لابن عباس : إن كنتم صادقين في قولكم إن آدم وذريته سوف يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء .