ولما كان ذلك{[33406]} كله مما يتعجب الموفق{[33407]} من ارتكابه ، أعقبه تعالى مبيناً{[33408]} ومصوراً ومحققاً لوقوعه ومقرراً قوله عطفاً على{ فأتوا على قوم يعكفون }[ الأعراف : 138 ] مبيناً{[33409]} لإسراعهم في الكفر : { واتخذ } أي بغاية الرغبة { قوم موسى } أي باتخاذ السامري ورضاهم ، ولم يعتبروا شيئاً مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم ير مثلها { من بعده } أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة{[33410]} الأيام التي أتممنا بها الأربعين { من حليهم } أي التي كانت معهم من مالهم ومما استعاروه من القبط { عجلاً } ولما كان العجل اسماً لولد البقر ، بين أنه إنما يشبه صورته فقط ، فقال مبدلاً منه : { جسداً } .
ولما كان الإخبار بأنه جسد مفهماً لأنه خال مما يشبه الناشىء{[33411]} عن الروح ، قال { له خوار } أي صوت كصوت البقر ، والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى من قوم كان معهم حلي أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر الكفرة{[33412]} فكان جديراً بالبغض{[33413]} لكونه من آثار{[33414]} الظالمين الأعداء فاعتقدوا انه بالصوغ صار إلهاً وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه ، ونبيهم الذي هداهم الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها .
ولما لم يكن في الكلام نص باتخاذه إلهاً ، دل على ذلك بالإنكار عليهم{[33415]} في قوله : { ألم يروا } أي الذين اتخذوا إلهاً { أنه لا يكلمهم } أي كما{[33416]} كلم الله موسى عليه السلام { ولا يهديهم سبيلاً } كما هداهم الله تعالى إلى سبيل النجاة ، منها سلوكهم في البحر الذي كان{[33417]} سبباً لإهلاك عدوهم كما كان سبباً لنجاتهم ؛ قال أبو حيان : سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإلهية لأن انتفاء التكليم يستلزم{[33418]} انتفاء العلم ، وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتفاء القدرة ، وانتفاء هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي الأوصاف .
ولما كان هذا أمراً عظيماً جداً مستبعد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم بينهم{[33419]} ولا سيما وقد أراهم من النعم والآيات ما ملأت أنواره الآفاق ، كان جديراً بالتأكيد فقال تعالى : { اتخذوه } أي بغاية الجد والنشاط والشهوة { وكانوا } أي جلبة و{[33420]}طبعاً مع ما أثبت لهم من الأنوار{[33421]} { ظالمين* } أي حالهم حال من يمشي في الظلام ، أو أن المقصود أن الظلم وصف لهم لازم ، فلا بدع إذا فعلوا أمثال ذلك .
قوله تعالى : { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين 148 ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ظلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين 149 ولما رجع موسى إلى قومه غضبن أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين 150 قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الرحمين } .
لقد ضل بنو إسرائيل وافتتنوا ؛ إذ أضلهم السامري باتخاذ العجل إلها بعد أن صنعه من حلي القبط . والحلي لما تزين به من الذهب والفضة ؛ فقد ذكر أن السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر ، فألقاها في الحلي المصنوع فصار عجلا له خوار . أما قصة الحلي : فهي أن السامري قال لبني إسرائيل وكان مطوعا فيهم : إن معكم حليا فاستعاروا لذلك اليوم . فلما أخرجهم الله من مصر وغرق القبط بقي ذلك الحلي في أيديهم . فقال لهم السامري : إنه حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقه . وقيل : هذا الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق ، وإن هارون قال لهم : إن الحلي غنيمة وهي لا تحل لكم فجمعها في حفرة حفرها فأخذها السامري{[1523]} . وقوله : { جسدا } بدل من { عجلا } والجسد معناه البدن ذو اللحم والدم كسائر الأجساد . والخوار ، صوت البقر . وقيل : إن العجل ظل على أصله من ذهب إلا أنه كان يدخل فيه الهواء فيصوت كخوار البقر فحسبوه عجلا ، وقيل : لما سمعوا صوت العجل رقصوا من حوله وافتتنوا به وقالوا : هذا إلهكم وإله موسى .
قوله : { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا } استفهام توبيخ لهؤلاء الذين سألوا نبيهم أن يصنع لهم عجلا ليعبدوا مع أنهم يعلمون في يقين ومعاينة لا تحتمل الشك أن هذا المعبود لا يعي ولا يفهم . وليس أدل على ذلك من أنه لا ينطق البتة ، وإن هو إلا جسد من الأجساد المركومة التي لا تفقه ولا تريم ولا تملك لهم هداية أو ترشيدا لسبيل .
قوله : { اتخذوه وكانوا ظالمين } أي فعلوا فعلتهم المنكرة من الإشراك بالله { وكانوا ظالمين } أي مشركين ، واضعين الشيء في غير موضعه . وهو وضع العجل في موضع الإله المعبود . لا جرم أن ذلك فعل شنيع وبالغ النكر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.