نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ} (51)

ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب ، وأغلى من الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب ، لأنه سبحانه نصر الرسل على أممهم حين هموا بأخذهم ، فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم الله هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فعذبهم أشد العذاب ، وكذلك نصر موسى عليه السلام والمؤمن الذي دافع عنه ، وكان نصر اهل الله قاطبة خفياً ، لأنهم يُبتلون ثم يكون لهم العاقبة ، فكان أكثر الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصرة لهم ، قال الله تعالى لافتاً القول إلى مظهر العظمة ، لأن النصرة عنها تكون على سبيل الاستنتاج مما مضى مؤكداً تنبيهاً للأغبياء على ما يخفى عليهم : { إنا } أي بما لنا من العظمة { لننصر رسلنا } أي على من ناوأهم { والذين آمنوا } أي اتسموا بهذا الوصف وإن كانوا في أدنى رتبة .

ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة وتتكدر بضدها ، ذكرها لذلك ولئلا يتوهم لو سقطت أن نصرتهم تكون رتبتها دنية فقال : { في الحياة الدنيا } بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة ، وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون لهم ، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتص ولو بعد حين ، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يرون منهم { ويوم يقوم الأشهاد * } أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين ، جمع شهيد كشريف وأشراف ، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها ، لما لهم من الحضور التام ، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة ، ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، وإنما عبر بذلك إشارة إلى تجلي الحكم بالعدل بصفات الجبروت للقسط ، فيرفع أولياءه بكل اعتبار ، ويهين أعداءهم كل إهانة .