البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ} (89)

ومعنى لا يجرمنكم : لا يكسبنكم شقاقي ، أي خلافي وعداوتي .

قال السدي : كأنه في شق وهم في شق .

وقال الحسن : ضراري جعله من المشقة .

وقيل : فراقي .

وقرأ ابن وثاب والأعمش : بضم الياء من أجرم ، ونسبها الزمخشري إلى ابن كثير ، وجرم في التعدية مثل كسب يتعدى إلى واحد .

جرم فلان الذنب ، وكسب زيد المال ، ويتعدى إلى اثنين جرمت زيداً الذنب ، وكسبت زيداً المال .

وبالألف يتعدى إلى اثنين أيضاً ، أجرم زيد عمراً الذنب ، وأكسبت زيداً المال ، وتقدم الكلام في جرم في العقود .

وقرأ مجاهد ، والجحدري ، وابن أبي إسحاق ، ورويت عن نافع : مثل بفتح اللام ، وخرج على وجهين : أحدهما : أن تكون الفتحة فتحة بناء ، وهو فاعل كحاله حين كان مرفوعاً ، ولما أضيف إلى غير متمكن جاز فيه البناء ، كقراءة من قرأ أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون .

والثاني : أن تكون الفتحة فتحة إعراب ، وانتصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي : إصابة مثل إصابة قوم نوح .

والفاعل مضمر يفسره سياق الكلام أي : ان يصيبكم هو أي العذاب .

وما قوم لوط منكم ببعيد ، إما في الزمان لقرب عهد هلاكهم من عهدكم ، إذ هم أقرب الهالكين ، وإما في الكفر والمعاصي وما يستحق به الهلاك .

وأجرى بعيداً على قوم إما باعتبار الزمان أو المكان ، أي : بزمان بعيد ، أو بمكان بعيد .

أو باعتبار موصوف غيرهما أي : بشيء بعيد ، أو باعتبار مضاف إلى قوم أي : وما إهلاك قوم لوط .

ويجوز أن يسوي في قريب وبعيد وكثير وقليل بين المفرد والجمع ، وبين المذكر والمؤنث ، كما قالوا : هو صديق ، وهم صديق ، وهي صديق ، وهن صديق .