البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (92)

ولذلك قال في جوابهم : أرهطي أعز عليكم من الله ؟ ولو قيل : وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب .

( فإن قلت ) : فالكلام واقع فيه وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه ، فكيف صح قوله : أرهطي أعز عليكم من الله ؟ ( قلت ) : تهاونهم به وهو نبي الله تهاون بالله فحين عز عليهم رهطه دونه ، كان رهطه أعز عليهم من الله .

ألا ترى إلى قوله تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } انتهى .

والظاهر في قوله : واتخذتموه ، أن الضمير عائد على الله تعالى أي : ونسيتموه وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به .

والظهري بكسر الظاء منسوب إلى الظهر من تغييرات النسب ، ونظيره قولهم في النسب إلى الأمس إمسى بكسر الهمزة ، ولما خاطبوه خطاب الإهانة والجفاء جرياً على عادة الكفار مع أنبيائهم ، خاطبهم خطاب الاستعطاف والتلطف جرياً على عادته في إلانة القول لهم ، والمعنى : أعز عليكم من الله حتى جعلتم مراعاتي من أجلهم ولم يسندوها إلى الله ، وأنا أولى وأحق أن أراعي من أجله ، فالمراعاة لأجل الخالق أعظم من المراعاة لأجل المخلوق ، والظهري المنسي المتروك الذي جعل كأنه خلف الظهر .

وقيل : الضمير في واتخذتموه به عائد على الشرع الذي جاء شعيب عليه السلام .

وقيل : الظهري العون وما يتقوى به .

قال المبرد : فالمعنى واتخذتم العصيان عنده لدفعي انتهى .

فيكون على حذف مضاف أي : واتخذتموه أي عصيانه .

قال ابن عطية : وقالت فرقة : واتخذتموه أي وأنتم متخذون الله سند ظهوركم وعماد آمالكم .

فقول الجمهور : على أن كفر قوم شعيب كان جحداً بالله وجهلاً به ، وهذا القول الثاني على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل ، ومن اللفظة الاستظهار بالبينة .

وقال ابن زيد : الظهري الفضل ، مثل الحمال يخرج معه بابل ظهارية يعدها إن احتاج إليها ، وإلا فهي فضلة .

محيط أحاط بأعمالكم فلا يخفى عليه شيء منها ، وفي ضمنه توعد وتهديد ،