البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ} (73)

ويعبدون ، استفهام أخبار عن حالهم في عبادة الأصنام ، وفي ذلك تبيين لقوله : أفبالباطل يؤمنون ، نعى عليهم فساد نظرهم في عبادة ما لا يمكن أن يقع منه ما يسعى عابده في تحصيله منه وهو الرزق ، ولا هو في استطاعته .

فنفى أولاً أن يكون شيء من الرزق في ملكهم ، ونفى ثانياً قدرتها على أن تحاول ذلك ، وما لا تملك في جميع من عبد من دون الله من ملك أو آدمي أو غير ذلك .

وأجازوا في شيئاً انتصابه بقوله : رزقاً ، أجاز ذلك أبو عليّ وغيره .

ورد عليه ابن الطراوة بأنّ الرزق هو المرزوق كالرعي والطحن ، والمصدر هو الرزق بفتح الراء كالرعي والطحن .

ورد على ابن الطراوة بأنّ الرزق بالكسر يكون أيضاً مصدراً ، وسمع ذلك فيه ، فصح أنْ يعمل في المفعول به والمعنى : ما لا يملك أن يرزق من السموات والأرض شيئاً .

ومن السموات متعلق إذ ذاك بالمصدر .

قال ابن عطية بعد أن ذكر أعمال المصدر منوناً : والمصدر يعمل مضافاً باتفاق ، لأنه في تقدير الانفصال ، ولا يعمل إذا دخله الألف واللام لأنه قد توغل في حال الأسماء وبعد عن الفعلية .

وتقدير الانفصال في الإضافة حسن عمله ، وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشاعر :

ضعيف النكاية أعداءه . . .

البيت وقوله :

لحقت فلم أنكل عن الضرب مسمعا . . .

انتهى .

أما قوله : يعمل مضافاً بالاتفاق إنْ عنى من البصريين فصحيح ، وإن عنى من النحويين فغير صحيح ، لأنّ بعض النحويين ذهب إلى أنه وإن أضيف لا يعمل ، وإن نصب ما بعده أو رفعه إنما هو على إضمار الفعل المدلول عليه بالمصدر .

وأما قوله : لأنه في تقدير الانفصال ليس كذلك ، لأنه لو كان في تقدير الانفصال لكانت الإضافة غير محضة ، وقد قال بذلك أبو القاسم بن برهان ، وأبو الحسين بن الطراوة ، ومذهبهما فاسد لنعت هذا المصدر المضاف ، وتوكيده بالمعرفة .

وأما قوله : ولا يعمل إلى آخره فقد ناقض في قول أخيراً : وقد جاء عاملاً مع الألف واللام .

وأما كونه لا يعمل مع الألف واللام فهو مذهب منقول عن الكوفيين ، ومذهب سيبويه جواز إعماله .

قال سيبويه : وتقول عجبت من الضرب زيداً ، كما تقول : عجبت من الضارب زيداً ، تكون الألف واللام بمنزلة التنوين .

وإذا كان رزقاً يراد به المرزوق فقالوا : انتصب شيئاً على أنه بدل من رزقاً ، كأنه قيل : ما لا يملك لهم من السموات والأرض شيئاً ، وهو البدل جارياً على جهة البيان لأنه أعم من رزق ، ولا على جهة التوكيد لأنه لعمومه ليس مرادفاً ، فينبغي أن لا يجوز ، إذ لا يخلو البدل من أحد نوعيه هذين .

إما البيان ، وإما التوكيد .

وأجازوا أيضاً أن يكون مصدراً أي : شيئاً من الملك كقوله : ولا تضرونه شيئاً أي شيئاً من الضرر .

وعلى هذين الإعرابين تتعلق من السموات بقوله : لا يملك ، أو يكون في موضع الصفة لرزق فيتعلق بمحذوف .

ومن السموات رزقاً يعني به المطر ، وأطلق عليه رزق لأنه عنه ينشأ الرزق .

والأرض يعني : الشجر ، والثمر ، والزرع .

والظاهر عود الضمير في يستطيعون على ما على معناها ، لأنه يراد بها آلهتهم ، بعدما عاد على اللفظ في قوله : ما لا يملك ، فأفرد وجاز أن يكون داخلاً في صلة ما ، وجاز أنْ لا يكون داخلاً ، بل إخبار عنهم بانتفاء الاستطاعة أصلاً ، لأنهم أموات .

وأما قول الزمخشري : إنه يراد بالجمع بين نفي الملك والاستطاعة التوكيد فليس كما ذكر ، لأنّ نفي الملك مغاير لنفي الاستطاعة .

وقال ابن عباس : ولا يستطيعون أن يرزقوا أنفسهم .

وجوز الزمخشري وابن عطية : أن يعود الضمير على ما عاد عليه في قوله : ويعبدون ، وهم الكفار أي : ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب من ذلك شيئاً ، فكيف بالجماد الذي لا حس به ؟ قاله الزمخشري .

وقال ابن عطية : لا يستطيعون ذلك ببرهان يظهرونه وحجة يثبتونها انتهى .