البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ} (154)

{ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } ، قيل : سبب نزول هذه الآية أنه قيل لمن قتل في سبيل الله : مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها ، فأنزلت .

نهوا عن قولهم عن الشهداء أموات ، وأخبر تعالى أنهم أحياء ، وارتفاع أموات وأحياء على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هم أموات ، بل هم أحياء .

ويحتمل أن يكون بل أحياء ، مندرجاً تحت قول مضمر ، أي بل قولوا هم أحياء .

لكن يرجح الوجه الأول ، وهو أنه إخبار من الله تعالى قوله : { ولكن لا تشعرون } ، لأن معناه : أن حياتهم لا شعور لكم بها ، والظاهر أن المراد حقيقة الموت والحياة .

وقيل : ذلك مجاز .

واختلفوا فقيل : أموات بانقطاع الذكر ، بل أحياء ببقائه وثبوت الأجر .

وكانت العرب تسمي من لا يبقى له ذكر بعد موته كالولد ، وغيره ميتاً .

وقيل : أموات بالضلال ، بل أحياء بالطاعة والهدى ، كما قال : { أو من كان ميتاً فأحييناه } وإذا حمل الموت والحياة على الحقيقة فاختلفوا ، فقال قوم : معناه النهي عن قول الجاهلية أنهم لا يبعثون ، فالمعنى : أنهم سيحيون بالبعث ، فيثابون ثواب الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله .

وأكثر أهل العلم على أنهم أحياء في الوقت .

ومعنى هذه الحياة : بقاء أرواحهم دون أجسادهم ، إذ أجسادهم نشاهد فسادها وفناءها .

واستدلوا على بقاء الأرواح بعذاب القبر ، وبقوله : { ولكن لا تشعرون } معناه : لا تشعرون بكيفية حياتهم .

ولو كان المعنى بإحياء أنهم سيحيون يوم القيامة ، أو أنهم على هدى ونور ، لم يظهر لنفي الشعور معنى ، إذ هو خطاب للمؤمنين ، وهم قد علموا بالبعث ، وبأنهم كانوا على هدى .

فلا يقال فيه : ولكن لا تشعرون ، لأنهم قد شعروا به وبقوله : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } وقد ذهب بعض الناس إلى أن الشهيد حي الجسد والروح ، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور به من الحي غيره .

فنحن نراهم على صفة الأموات وهم أحياء ، كما قال تعالى : { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب } وكما ترى النائم على هيئته ، وهو يرى في منامه ما ينعم به أو يتألم به .

ونقل السهيلي في كتاب ( دلائل النبوّة ) من تأليفه ، حكاية عن بعض الصحابة ، أنه حفر في مكان ، فانفتحت طاقة ، فإذا شخص جالس على سرير وبين يديه مصحف يقرأ فيه وأمامه روضة خضراء ، وذلك بأحد ، وعلم أنه من الشهداء ، لأنه رأى في صفحة وجهه جرحاً .

وإذا ثبت أن الشهداء أحياء ، إما أرواحهم ، وإما أجسادهم وأرواحهم ، فاختلف في مستقرها .

فقيل : قبورهم يرزقون فيها .

وقيل : في قباب بيض في الجنة يرزقون فيها ، قاله أبو بشار السلمي .

وقيل : في طير بيض تأكل من ثمار الجنة ومساكنهم سدرة المنتهى ، قاله قتادة .

وقيل : يأكلون من ثمر الجنة ويجدون ريحها ، وليسوا فيها ، قاله مجاهد .

وروي عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء » .

وروي : في روضة خضراء يجري عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم : « أن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة ، وأنهم في قناديل من ذهب ، وأنهم في قبة خضراء » .

وإذا صح ذلك ، فهي أحوال لطوائف من الشهداء ، أو في أوقات مختلفة .

والجمهور : على أنهم في الجنة ، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم لأم حارثة : « إنهم في الفردوس » .

ومذهب أهل السنة : أن الأرواح لا تفنى ، وأنها باقية بعد خروجها من البدن .

فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين ، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدّين .

والفرق بين الشهيد وغيره من المؤمنين إنما هو الرّزق ، فضلهم الله بذلك ، وقال تعالى في حق الكفار : { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً } وقال الحسن : الشهداء أحياء عند الله ، تعرض أرزاقهم على أرواحهم ، فيصل إليهم الروح والفرح ، كما تعرض النار على آل فرعون غدوة وعشياً ، فيصل إليهم الوجع .

وقالوا : يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم ، وإن كانت في حجم الذرة .

ولم تتعرض الآية الكريمة لرزق أرواح الشهداء ولا لمستقرّها ، وإنما جرى ذكر ذلك على سبيل الاستطراد ، اتباعاً للمفسرين ، حيث تكلموا في ذلك في هذه الآية ، وإلا فمظنة الكلام على ذلك في قوله : { بل أحياء عند ربهم يرزقون } حيث ذكر العندية والرزق ، وظاهر قوله : { لمن يقتل في سبيل الله } ، العموم .

وقيل : نزلت في شهداء بدر ، كانوا أربعة عشر ، ولا يخصص هذا العموم بهذا السبب ، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

وفي هذه الآية تسلية لأقرباء الشهداء وإخوانهم من المؤمنين بذكر أنهم أحياء ، فهم مغبوطون لا محزونون عليهم .

/خ157