البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (188)

{ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم } نزلت في المنافقين كانوا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو ، فإذا جاء استعذروا له ، فيظهر القبول ويستغفر لهم ، ففضحهم الله بهذه الآية قاله : أبو سعيد الخدري وابن زيد وجماعة .

وقال كثير من المفسرين : نزلت في أحبار اليهود .

وأتى تكون بمعنى فعل ، كقوله تعالى : { إنه كان وعده مأتياً } أي مفعولاً .

فمعنى بما أتوا بما فعلوا ، ويدل عليه قراءة أبى بما فعلوا .

وفي الذي فعلوه وفرحوا به أقوال : أحدها كتم ما سألهم عنه الرسول ، وإخبارهم بغيره ، وأروه أنهم قد أخبروه به واستحمدوا بذلك إليه قاله : ابن عباس .

الثاني ما أصابوا من الدنيا وأحبوا أن يقال : إنهم علماء قاله : ابن عباس أيضاً .

الثالث قولهم : نحن على دين ابراهيم ، وكتمهم أمر الرسول قاله : ابن جبير .

الرابع كتبهم إلى اليهود يهود الأرض كلها أن محمداً ليس بنبي ، فأثبتوا على دينكم ، فاجتمعت كلمتهم على الكفر به .

وقالوا : نحن أهل الصوم والصلاة وأولياء الله قاله : الضحاك والسدي .

الخامس قول يهود خيبر للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : نحن على دينكم ، ونحن لكم ردء ، وهم مستمسكون بضلالهم ، وأرادوا أن يحمدهم بما لم يفعلوا قاله : قتادة .

السادس تجهيز اليهود جيشاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنفاقهم على ذلك الجيش قاله : النخعي .

السابع إخبار جماعة من اليهود للمسلمين حين خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرهم بأشياء عرفوها ، فحمدهم المسلمون على ذلك ، وأبطنوا خلاف ما أظهر ، وأذكره الزجاج .

الثامن اتباع الناس لهم في تبديل تأويل التوراة ، وأحبوا حمدهم إياهم على ذلك ، ولم يفعلوا شيئاً نافعاً ولا صحيحاً قاله : مجاهد .

التاسع تخلف المنافقين عن الغزو وحلفهم للمسلمين أنهم يسرّون بنصرهم ، وكانوا يحبون أن يقال أنهم في حكم المجاهدين قاله : أبو سعيد الخدري .

والأقوال السابقة غير هذا الأخير مبنية على أن الآية نزلت في اليهود .

قيل : ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فرح بها فرح إعجاب ، ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد ، وبما ليس فيه .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : لا يحسبن ولا يحسبنهم بالياء فيهما ، ورفع باء يحسبنهم على إسناد يحسبن للذين ، وخرجت هذه القراءة على وجهين : أحدهما ما قاله أبو عليّ : وهو أن لا يحسبن لم يقع على شيء ، والذين رفع به .

وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قوله :

وما خلت أبقي بيننا من مودّة *** عراض المداكي المسنفات القلائصا

وقال الخليل : العرب تقول : ما رأيته يقول ذلك إلا زيد ، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد .

قال ابن عطية : فتتجه القراءة بكون فلا يحسبنهم بدلاً من الأول ، وقد تعدّى إلى المفعولين وهما : الضمير وبمفازة ، واستغنى بذلك عن المفعولين ، كما استغنى في قوله :

بأي كتاب أم بأية سنة *** ترى حبهم عاراً عليّ وتحسب

أي : وتحسب حبهم عاراً عليّ .

والوجه الثاني ما قاله الزمخشري : وهو أن يكون المفعول الأول محذوفاً على لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة ، بمعنى : لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين .

وفلا يحسبنهم تأكيد ، وتقدّم لنا الرد على الزمخشري في تقديره لا يحسبنهم الذين في قوله : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما } وإن هذا التقدير لا يصح فيطلع هناك .

وتعدى في هذه القراءة فعل الحسبان إلى ضميريه المتصلين : المرفوع والمنصوب ، وهو مما يختص به ظننت وأخواتها ، ومن غيرها : وجدت ، وفقدت ، وعدمت ، وذلك مقرّر في علم النحو .

وقرأ حمزة ، والكسائي ، وعاصم : لا تحسبن ، وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب ، وفتح الباء فيهما خطاباً للرسول ، وخرجت هذه القراءة على وجهين : أحدهما ذكره ابن عطية ، وهو أن المفعول الأول هو : الذين يفرحون .

والثاني محذوف لدلالة ما بعده عليه كما قيل آنفاً في المفعولين .

وحسن تكرار الفعل فلا يحسبنهم لطول الكلام ، وهي عادة العرب ، وذلك تقريب لذهن المخاطب .

والوجه الثاني ذكره الزمخشري ، قال : وأحد المفعولين الذين يفرحون ، والثاني بمفازة .

وقوله : فلا يحسبنهم توكيد تقديره لا يحسبنهم ، فلا يحسبنهم فائزين .

وقرئ لا تحسبن فلا تحسبنهم بتاء الخطاب وضم الباء فيهما خطاباً للمؤمنين .

ويجيء الخلاف في المفعول الثاني كالخلاف فيه في قراءة الكوفيين .

وقرأ نافع وابن عامر : لا يحسبن بياء الغيبة ، وفلا تحسبنهم بتاء الخطاب ، وفتح الباء فيهما ، وخرجت هذه القراءة على حذف مفعولي يحسبن لدلالة ما بعدهما عليهما .

ولا يجوز في هذه القراءة البدل الذي جوّز في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين لاختلاف الفاعل .

وإذا كان فلا يحسبنهم توكيداً أو بدلاً ، فدخول الفاء إنما يتوجه على أن تكون زائدة ، إذ لا يصح أن تكون للعطف ، ولا أن تكون فاء جواب الجزاء .

وأنشدوا على زيادة الفاء قول الشاعر :

حتى تركت العائدات يعدنه *** يقلن فلا تبعد وقلت له : ابعد

وقال آخر :

لما اتقى بيد عظيم جرمها *** فتركت ضاحي : كفه يتذبذب

أي : لا تبعد ، وأي تركت .

وقرأ النخعي ومروان بن الحكم بما آتوا بمعنى : أعطوا .

وقرأ ابن جبير والسلمي : بما أوتوا مبنياً للمفعول .

وتقدّمت الأقوال في أتوا ، وبعضها يستقيم على هاتين القراءتين .

وفي حرف عبد الله بما لم يفعلوا بمفازة ، وأسقط فلا يحسبنهم .

ومفازة مفعلة من فاز ، وهي للمكان أي : موضع فوز ، أي : نجاة .

وقال الفرّاء : أي ببعد من العذاب ، لأن الفوز معناه التباعد من المكروه .

وفي هذه الآية دلالة على أن تزين الإنسان بما ليس فيه وحبه المدح عليه منهى عنه ومذموم شرعاً .

وقال تعالى : { لم تقولون مالا تفعلون } وفي الحديث الصحيح : « المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور » وقد أخبر تعالى عنهم بالعذاب الأليم في قوله : ولهم عذاب أليم .

وناسب وصفه بأليم لأجل فرحهم ومحبتهم المحمدة على ما لم يفعلوا .

/خ200