البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (33)

ولما تقدم قوله تعالى : { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } ، ذكر من دعا إلى ذلك فقال : { ومن أحسن قولاً } : أي لا أحد أحسن قولاً ممن يدعو إلى توحيد الله ، ويعمل العمل الصالح ، ويصرح أنه من المستسلمين لأمر الله المنقادين له ، والظاهر العموم في كل داع إلى الله ، وإلى العموم ذهب الحسن ومقاتل وجماعة .

وقيل بالخصوص ، فقال ابن عباس : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعا إلى الإسلام ، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ، وجعل الإسلام نحلة .

وعنه أيضاً : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقالت عائشة ، وقيس بن أبي حازم ، وعكرمة ، ومجاهد : نزلت في المؤذنين ، وينبغي أن يتأول قولهم على أنهم داخلون في الآية ، وإلا فالسورة بكمالها مكية بلا خلاف .

ولم يكن الأذان بمكة ، إنما شرع بالمدينة ، والدعاء إلى الله يكون بالدعاء إلى الإسلام وبجهاد الكفار وكف الظلمة .

وقال زيد بن علي : دعا إلى الله بالسيف ، وهذا ، والله أعلم ، هو الذي حمله على الخروج بالسيف على بعض الظلمة من ملوك بني أمية .

وكان زيد هذا عالماً بكتاب الله ، وقد وقفت على جملة من تفسيره كتاب الله وإلقائه على بعض النقلة عنه وهو في حبس هشام بن عبد الملك ، وفيه من العلم والاستشهاد بكلام العرب حظ وافر ، يقال : إنه كان إذا تناظر هو وأخوه محمد الباقر اجتمع الناس بالمحابر يكتبون ما يصدر عنهما من العلم ، رحمهما الله ورضي عنهما .

وقال أبو العالية : { وعمل صالحاً } : صلى بين الأذان والإقامة .

وقال عكرمة : صلى وصام .

وقال الكلبي : أدّى الفرائض .

وقال مجاهد : هي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاثة أن يكون موحداً معتقداً لدين الإسلام ، عاملاً بالخير داعياً إليه ، ومآلهم إلى طبقة العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد الدعاة إلى دين الإسلام .

انتهى ، ويعني بذلك المعتزلة ، يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد ، ويوجد ذلك في أشعارهم ، كما قال ابن أبي الحديد المعتزلي ، صاحب كتاب ( الفلك الدائر في الرد على كتاب المثل السائر ) ، قال من كلامه : أنشدنا عنه الإمام الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله تعالى :

لولا ثلاث لم أخف صرعتي *** ليست كما قال فتى العبد

أن أنصر التوحيد والعدل في *** كل مقام باذلاً جهدي

وأن أناجي الله مستمتعاً *** بخلوة أحلى من الشهد

وأن أصول الدهر كبراً على *** كل لئيم أصعر الخد

لذاك أهوى لا فتاة ولاخمر *** ولا ذي ميعة نهد

{ وقال إنني من المسلمين } : ليس المعنى أنه تكلم بهذا ، بل جعل الإسلام معتقده .

كما تقول : هذا قول الشافعي ، أي مذهبه .

وقرأ ابن أبي عبلة ، وإبراهيم بن نوح عن قتيبة الميال : وقال إني ، بنون مشددة واحدة ؛ والجمهور : إنني بها وبنون الوقاية .

وقال أبو بكر بن العربي : لم يشترط إلا إن شاء الله ، ففيه رد على من يقول : أنا مسلم إن شاء الله .

ولما ذكر تعالى أنه لا أحد أحسن ممن دعا إلى الله ، ذكر ما يترتب على ذلك من حسن الأخلاق ، وأن الداعي إلى الله قد يجافيه المدعو ، فينبغي أن يرفق به ويتلطف في إيصال الخير فيه .

قيل : ونزلت في أبي سفيان بن حرب ، وكان عدوًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصار ولياً مصافياً .