{ أعثرنا عليهم } : أطلعنا عليهم أهل بلدهم .
{ ليعلموا } : أي قومهم أن البعث حق للأجساد والأرواح معاً .
{ إذ يتنازعون } : أي الكفار قالوا ابنوا عليهم أي حولهم بناء يسترهم .
{ فقالوا } : أي المؤمنون والكافرون في شأن البناء عليهم .
{ وقال الذين غلبوا على أمرهم } : وهو المؤمنون لنتخذن حولهم مسجداً يصلى فيه .
وقوله تعالى : { وكذلك أعثرنا عليهم } أي وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة وبعثناهم ليتساءلوا بينهم فيزدادوا أيماناً ومعرفة بولاية الله تعالى وحمايته لأوليائه { أعثرنا عليهم } أهل مدينتهم الذين انقسموا إلى فريقين فريق يعتمد أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح ، وفريق يقول البعث الآخر للأرواح دون الأجسام كما هي عقيدة النصارى إلى اليوم ، فأنام الله الفتية وبعثهم وأعثر عليهم هؤلاء القوم المختلفين فاتضح لهم أن الله قادر على بعث الناس أحياء أجساماً وأرواحاً كما بعث أصحاب الكهف وهو معنى قوله تعالى : { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا } أي أولئك المختلفون في شأن البعث أن وعد الله حق وهو ما وعد به الناس من أنه سيبعثهم بعد موتهم يوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم .
{ وأن الساعة لا ريب فيها } وقوله تعالى : { إذ يتنازعون بينهم أمرهم } أي أعثرناهم عليهم في وقت كان أهل البلد يتنازعون في شأن البعث والحياة الآخرة هل هي بالأجسام والأرواح أو بالأرواح دون الأجسام . فتبين لهم بهذه الحادثة أن البعث حق وأنه بالأجسام والأرواح معاً . وقوله تعالى : { فقالوا ابنوا عليهم بنياناً } واتركوهم في الكهف أي سدوا عليهم باب الكهف واتركوهم فيه لأنهم بعد أن عثروا عليهم ماتوا { ربهم أعلم بهم } وبحالهم .
وقوله تعالى : { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } أي قال الذين غلبوا على أمر الفتية لكون الملك كان مسلماً معهم { لنتخذن عليهم مسجداً } أي للصلاة فيه وفعلاً بنوه على مقربة من فم الغار بالكهف .
- مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وقوله " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصورواً فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة " " في الصحيحين " .
- مصداق قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لتتبعن سنن من قبلكم شبراً وذراعاً بذراع " . إذ قد بنى المسلمون على قبور الأولياء والصالحين المساجد . بعد القرون المفضلة حتى أصبح يندر وجود مسجد عتيق خال من قبر أو قبور .
{ وكذلك } أي فعلنا{[45930]} بهم ذلك{[45931]} الأمر العظيم{[45932]} من الربط على قلوبهم ، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم {[45933]}على مر الزمان ، وتعاقب الحدثان ، ومثل ما فعلنا بهم ذلك { أعثرنا } أي أظهرنا {[45934]}إظهار أضطرارياً{[45935]} ، أهل البلد {[45936]}وأطلعناهم ، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه{[45937]} ، فكان العثار سبباً لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب { عليهم ليعلموا } أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد{[45938]} {[45939]}لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط{[45940]} { أن وعد الله }{[45941]} الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معاً{[45942]} { حق } لأن قيامهم بعد نومهم نيفاً وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين " علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت ، والبرزخ واحد غير أن للروح{[45943]} بالجسم في النوم تعلقاً لا يكون بالموت ، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه " .
ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى : { وأن } أي وليعلموا أن { الساعة لا ريب فيها } مبيناً أنها ليست موضع شك{[45944]} أصلاً لما قام عليها من أدلة العقل ، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل ، {[45945]}ومن طالع تفسير ( الزيتون ) من كتابي هذا حصل له هذا ذوقاً{[45946]} ؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال : { إذ } أي ليعلموا ذلك ، {[45947]}وأعثرنا حين{[45948]} { يتنازعون } أي أهل المدينة .
ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون ما بين الأجانب ، وكان تنازع هؤلاء مقصوراً عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى : { بينهم أمرهم } أي أمر أنفسهم في الحشر فقائل يقول : تحشر الأرواح مجردة : وقائل يقول{[45949]} : بأجسادها ، أو أمر الفتية فقائل يقول : ناس{[45950]} صالحون ، و{[45951]}ناس يقولون{[45952]} : لا ندري من أمرهم غير أن الله تعالى أراد هدايتنا{[45953]} بهم { فقالوا } أي فتسبب عن هذا الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم : { ابنوا عليهم } على كل حال { بنياناً } يحفظهم ، واتركوا التنازع فيهم ، ثم عللوا ذلك بقولهم : { ربهم } {[45954]}أي المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم{[45955]} { أعلم بهم } أن كانوا صالحين أو لا ، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك ؛ ثم استأنف على طريق الجواب لمن كأنه قال : ماذا فعلوا ؟ فقال : { قال الذين غلبوا على } {[45956]}أي وقع أن كانوا غالبين على{[45957]} { أمرهم } أي ظهروا عليه{[45958]} وعلموا أنهم ناس صالحون{[45959]} فروا بدينهم من الكفار {[45960]}وضعف من ينازعهم{[45961]} ؛ ويجوز - وهو أحسن - أن يكون الضمير لأهل البلد أو للغالبين أنفسهم ، إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم إيماء{[45962]} إلى أن الله تعالى أصلح بهم أهل{[45963]} ذلك{[45964]} الزمان { لنتخذن عليهم } ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه { مسجداً * } وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان ، وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم ، وفي قصتهم ترغيب في الهجرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.