{ التائبون } : أي من الشرك والنفاق والمعاصي .
{ العابدون } : أي المطيعون لله في تذلل وخشوع مع حبهم لله وتعظيمهم له .
{ السائحون } : أي الصائمون والخارجون في سبيل الله لطلب علم أو تعليمه أو جهاد لأعدائه .
{ الآمرون بالمعروف } : أي بعبادة لله الله تعالى وتوحيده فيها .
{ الناهون عن المنكر } : أي عن الشرك والمعاصي .
{ والحافظون لحدود الله } : أي القائمون عليها العاملون بها .
{ وبشر المؤمنين } : أي بالجنة دار السلام .
وقوله { التائبون } إلى قوله : { والحافظون لحدود الله } هو ذكر لأوصاف أهل البيع وتحديد لهم فهم الموصوفون بتسع صفات الأولى التائبون أي من الشرك والمعاصي والثانية العابدون وهم المطيعون لله طاعة ملؤها المحبة لله تعالى والتعظيم له والرهبة منه والثالثة الحامدون لله تعالى في السراء والضراء وعلى كل حال والربعة السائحون وهم الصائمون كما في الحديث والذين يخرجون في سبيل الله لطلب علم أو غزو أو تعليم أو دعوة إلى الله تعالى ليُعْبد ويوحَّد ويُطاع في أمره ونهيه والخامسة السادسة الراكعون الساجدون أي المقيمون الصلاة المكثرون من نوافلها كأنهم دائماً في ركوع وسجود والسابعة والثامنة الآمرون بالمعروف وهو الإِيمان بالله وتوحيده وطأته وطاعة رسوله والناهون عن المنكر وهو الكفر به تعالى والشرك في عبادته ومعصية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والتاسعة الحافظون لحدود الله بالقيام عليها وعملها بعد العلم بها وقوله تعالى : { وبشر المؤمنين } وهم أهل الإِيمان الصادق الكامل المستحقون لبشرى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر والتأييد في الدنيا والنجاة من النار ودخول الجنة يوم القيامة اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين .
- على المؤمن أن يتعاهد نفسه ليرى هل هو متصف بهذه الصفات التسع أولاً فإن رأى نقصاً كمله وإن رأى كمالاً حمد الله تعالى عليه وحفظه وحافظ عليه .
ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها ، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على أوصافهم فقال : { التآئبون } مبتدئاً أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل الصالح ، ثم ابتدأ المؤسس{[37250]} بمطلق العبادة الشاملة لجميع أنواع الدين من العلم وغيره فقال : { العابدون } أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله ؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان ، أتبع ذلك الحمد الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل الشامل للتوحيد وغيره فقال : { الحامدون } أي المثنون عليه سبحانه ثناء عظيماً ، تطابقت عليه ألسنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره ؛ ولما كان الإقرار باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب ، تلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب على الاتساع الذي{[37251]} منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء الحضرات الإلهيات فقال : { السائحون } ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان ، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف . وكان{[37252]} أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود ، وكان جميع أشكال الصلاة موافقاً للعادة{[37253]} إلا الركوع والسجود ، أشار إليها بقوله مخصصاً لها بالذكر تنبيهاً على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع : { الراكعون } فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن{[37254]} صلاة غيرهم لا ركوع فيها ، وأتمها بقوله : { الساجدون } ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس ، أتبع ذلك قوله : { الآمرون بالمعروف } أي السنة .
ولما كان الدين متيناً فلن يشاده أحد إلا غلبه ، كان المراد من المأمورات مسماها دون تمامها ومنتهاها " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " والمراد من المنهيات تركها كلها ، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة " وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند قوله تعالى{ والصلاة الوسطى }{[37255]}[ البقرة : 238 ] وفي آل عمران عند قوله{ الصابرين والصادقين }{[37256]}[ آل عمران : 17 ] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا{[37257]} أتبعت بعض الصفات بعضاً من غير عطف علم أنها غير تامة ، فإذا عطفتها أردت التمكن{[37258]} فيها والعراقة والتمام ، فأعلم سبحانه أن المراد فيما تقدم من الأوصاف الإتيان بما أمكن منها ، فأتى بها اتباعاً دون عطف لذلك ، وأشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع{[37259]} منه إلا بالتمام لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما هادم بنفسه ، فيجب التجرد التام فيه{[37260]} لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو مثير{[37261]} للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة ، فربما كان عنه ضرب وقتل ، فلذلك عطفها ولم يتبعها فقال : { والناهون } أي بغاية الجد { عن المنكر } أي البدعة .
ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى الموت أتبعه قوله : { والحافظون } أي بغاية العزم{[37262]} والقوة { لحدود الله } أي الملك الأعظم التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئاً منها ، فختم بما به بدأ مع قيد الدوام بالرعي والقوة ، والحاصل أن الوصف الأول للتجرد عن ربقة مألوف خاص وهو شرك المعصية بشركه أو غيره ، والثاني للتجرد عن قيود{[37263]} العادات إلى قضاء العبادات ، والثالث لبلوغ الغاية في تهذيب الظاهر . والرابع للتوسع إلى التجرد عن قيود الباطن ، والخامس والسادس للجمع بين كمال الباطن والظاهر ، والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير ، والثامن للدوام على تلك الحدود بترك جميع القيود . فمقصود الآية العروج من الحضيض الجسماني إلى الشرف الروحاني ؛ ثم أمره صلى الله عليه وسلم بتبشير المتخلق بهذه الأوصاف عاطفاً لأمره به على محذوف تقديره - والله أعلم : فأنذر من تخلى منها بكل ما يسوءه بعد سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم ، أي هؤلاء الموصوفين ، هكذا كان الأصل الإضمار ، ولكنه أظهر ختاماً بما به{[37264]} بدأ وتعليقاً بالوصف وتعميماً فقال : { وبشر المؤمنين* } أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة ، وفي{[37265]} ختم الآيتين بالبشارة تارة من الخالق وتارة من أكمل الخلائق أعظم مزية للمؤمنين ، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد ، وفي ابتداء الآيتين بالوصف المشعر بالرسوخ في الإيمان الذي هو الوصف المتمم للعشر وختمهما بمثله إشارة إلى أن هذه مائدة لا يجلس{[37266]} عليها طفيلي ، وأن من عدا الراسخين في درجة الإهمال لا كلام معهم ولا التفات بوجه إليهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.