أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (117)

شرح الكلمات :

{ المهاجرين } : الذين هجروا ديارهم من مكة وغيرها ولحقوا برسول الله بالمدينة .

{ الأنصار } : هم سكان المدينة من الأوس والخزرج آمنوا ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ ساعة العسرة } : هي أيام الخروج إلى تبوك لشدة الحر والجوع والعطش .

{ يزيغ قلوب } : أي تميل عن الحق لشدة الحال وصعوبة الموقف .

المعنى :

/د117

{ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } أي أدامها ( التوبة ) وقبلها وقوله { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } أي عند خروجه إلى تبوك في الحر الشديد والفاقة الشديدة وقوله { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } وذلك لصعوبة الحال وشدة الموقف لقد عطشوا يوماً كما قال عمر رضي الله عنه كان أحدنا يذبح بعيره ويعصر فرثه فيشرب ماءه ويضع بعضه على كبده فخطر ببعض القوم خواطر كادت القلوب تزيغ أي تميل عن الحق ولكن الله تعالى ثبتهم فلم يقولوا سوءاً ولم يعملوه لأجل هذا أعلن الله تعالى في هذه الآيات عن كرامتهم وعلو مقامهم ثم تاب عليهم إنَّهُ هو التواب الرحيم .

الهداية

من الهداية :

- بيان فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- بيان فضل غزوة العسرة على غيرها من الغزوات " وهي غزوة تبوك " .

- بيان فضل الله على المؤمنين بعصمة قلوبهم من الزيغ في حال الشدة .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} (117)

ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي {[37305]}لهم غيره{[37306]} ، أقام الدليل على ذلك بقوله : { لقد تاب الله } أي الذي له الجلال والإكرام { على النبي } أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته ، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد {[37307]}علوه وتقربه{[37308]} للمقام الذي كان دونه ، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له .

ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي صلى الله عليه وسلم {[37309]}بترقيته في{[37310]} رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل مؤمن على المبادرة إلى التوبة ، أكد ذلك بقوله : { والمهاجرين والأنصار } بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم { الذين اتبعوه } أي النبي صلى الله عليه وسلم { في ساعة العسرة } أي أزمنة غزوة تبوك ، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد ، وعسرة من الظهر " {[37311]}يعتقب العشرة " {[37312]} على بعير واحد . وعسرة من الزاد " تزودوا التمر المدوّد{[37313]} والشعير المسوّس{[37314]} والإهالة الزنخة " وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمرة اثنان ، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ، وفي{[37315]} عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها ؛ وسماها ساعة تهويناً{[37316]} لأوقات{[37317]} الكروب وتشجيعاً على مواقعة المكاره فإن أمدها{[37318]} يسير وأجرها عظيم خطير ، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها ، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية ، ترقوا بالتوبة{[37319]} إلى أعلى منها ، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله : { من بعد ما كاد } أي قرب قرباً عظيماً { تزيغ }{[37320]} أي تزول عن أماكنها الموجبة لصلاحها ، وأشار ب " من " إلى تقارب{[37321]} ما بين كيدودة{[37322]} الزيغ والتدارك بالتوبة . ولما كان المقام للزلازل{[37323]} ، ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال : { قلوب فريق } أي هم بحيث تحصل{[37324]} منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة{[37325]} { منهم } أي من{[37326]} عظيم ما نالهم من الشدائد فتميل{[37327]} لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ذلك الحر الشديد إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد ، وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة ، ثم عزم الله له فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل{[37328]} مقاربة الزيغ من مباعدته ، ولما صاروا كمن لم{[37329]} يقارب الزيغ .

أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال : { ثم تاب عليهم } أي كلهم تكريراً للرفعة ، أو على من كاد يزيغ{[37330]} بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات ؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما لقيت من المشقة ، قال وقيل : ساء ظنها بما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر{[37331]} وبعد الشقة وقوة العدو المقصود -انتهى . ويجوز أن يكون عبر ب { ثم } لوصولهم إلى حالة يبعد{[37332]} معها الثبات فضلاً عن مباعدة مواقع الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من {[37333]} " جيش أو غيره " {[37334]} فثبت بذلك أنه{[37335]} مالك الملك متمكن من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه : ثم علل لطفه بهم بقوله : { إنه بهم رؤوف رحيم* } والرأفة : شدة الرحمة ، فقدم الأبلغ فيقال فيه ما قيل في { الرحمن الرحيم }{[37336]} فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم ، ويرحمهم{[37337]} أيضاً بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم ، وقيل : الرأفة : إزالة الضر ، والرحمة : إيصال النفع ، ومادة رأف تدور مع السعة{[37338]} على ما أُشير إليه في سورة سبحان على شدة الوصلة . فالرأفة{[37339]} - كما قال الحرالي في البقرة - عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة ، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم ، والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم - انتهى . فتكون الرأفة حينئذ للثابتين{[37340]} والرحمة لمن قارب الزيغ . فيصير الثابت مرحوماً مرتين لأنه منظور إليه بالصفتين ، وتقدم عند الحزبين من البقرة ما ينفع هنا .


[37305]:في ظ: له غيرهم.
[37306]:في ظ: له غيرهم.
[37307]:في ظ: علو رتبة.
[37308]:في ظ: علو رتبة.
[37309]:في ظ: بترقيه إلى.
[37310]:في ظ: بترقيه إلى.
[37311]:من ظ وروح المعاني 3/384، وفي الأصل: يعتقب العسرة ـ كذا.
[37312]:من ظ وروح المعاني 3/384، وفي الأصل: يعتقب العسرة ـ كذا.
[37313]:زيد من الروح.
[37314]:زيد من ظ والروح.
[37315]:سقط من ظ.
[37316]:في ظ: تهويلا.
[37317]:من ظ، وفي الأصل: لأهل.
[37318]:في ظ: أمرها.
[37319]:من ظ، وفي الأصل: بالسوية.
[37320]:والقراءة الثابتة في مصاحفنا: يزيغ.
[37321]:في ظ: تفاوت.
[37322]:من ظ، وفي الأصل: كيدورة.
[37323]:من ظ، وفي الأصل: للزلزال.
[37324]:في ظ: تصل.
[37325]:في ظ: المهيلة.
[37326]:سقط من ظ.
[37327]:من ظ، وفي الأصل: فيميل.
[37328]:في ظ: قبل.
[37329]:من ظ، وفي الأصل: لا.
[37330]:زيد من ظ.
[37331]:من ظ والبحر المحيط 5/109، وفي الأصل: الوفد.
[37332]:من ظ، وفي الأصل: تبعد.
[37333]:من ظ، وفي الأصل: عيش أو عبرة.
[37334]:من ظ، وفي الأصل: عيش أو عبرة.
[37335]:في ظ: أن.
[37336]:في ظ: الرحيم الرحمن.
[37337]:في ظ: يرحم.
[37338]:من ظ، وفي الأصل: السبعة.
[37339]:من ظ، وفي الأصل: فالراء.
[37340]:من ظ، وفي الأصل: لليايس.