أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (275)

شرح الكلمات :

{ يأكلون الربا } : يأخذونه ويتصرفون فيه بالأكل في بطونهم ، وبغير الأكل والربا هنا ربا النسيئة وحقيقته أن يكون لك على المرء دين فإذا حل أجله ولم يقدر على تسديده تقول له : أخر وزد فتؤخره أجلا وتزيد في رأس المال قدراً معيناً ، هذا هو ربا الجاهلية والعمل به اليوم في البنوك الربوية فيسلفون المرء مبلغاً إلى أجل ويزيدون قدراً آخر نحو العشر أو أكثر أو أقل والربا حرام بالكتاب والسنة والإِجماع وسواء كان ربا فضل أو ربا نسيئة .

{ لا يقومون } : من قبورهم يوم القيامة .

{ يتخبطه الشيطان } : يضربه الشيطان ضرباً غير منتظم .

{ من المس } : المس الجنون ، يقال : بفلان مسّ من جنون .

{ موعظة } : أمر أو نهي بترك الربا .

{ فله ما سلف } : ليس عليه أن يراد الأموال التي سبقت توبته .

المعنى :

لما حث الله على الصدقات وواعد عليها بعظيم الأجر ومضاعفة الثواب ذكر المرابين الذين يضاعفون مكاسبهم المالية بالربا وهم بذلك يسدُّون طرق البر ، ويصدون عن سبيل المعروف فبدل أن ينموا أموالهم بالصدقات نموها بالربويات ، فذكر تعالى حالهم عند القيام من قبورهم وهم يقومون ، ويقعدون ، ويغفون ويُصرعون ، حالهم حال من يصرع في الدنيا بمس الجنون ، علامة يعرفون بها يوم القيامة كما يعرفون بانتفاخ بطونهم وكأنها خيمة مضروبة بين أيديهم قال تعالى : { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } ، وذكر تعالى سبب هذه النقمة عليهم فقال { ذلك } أي أصابهم ذلك الخزي والعذاب بأنهم ردّوا علينا حكمنا بتحريم الربا وقالوا إنما البيع مثل الربا ، إذ الربا الزيادة في نهاية الأجل ، والبيع في أوله ، ورد تعالى عليهم فقال : { وأحل الله البيع وحرم الربا } فما دام قد حرم الربا فلا معنى للاعتراض ، ونسوا أن الزيادة في البيع هي في قيمة سلعة تغلوا وترخص ، وهي جارية على قانون الإِذن في التجارة ، وأما الزيادة في آخر البيع فهي زيادة في الوقت فقط . ثم قال تعالى مبيّناً لعباده سبيل النجاة محذراً من طريق الهلاك : { فمن جاءه موعظة من ربّه } وهي تحريمه تعالى للربا ونهيه عنه فانتهى عنه فله ما سلف قبل معرفته للتحريم ، أو قبل توبته منه ، وأمرُه بعد ذلك إلى الله إن شاء ثبته على التوبة فنجاه ، وإن شاء خذله لسوء عمله ، وفساد نيّته فأهلكه وأرداه وهذا معنى قوله تعالى : { ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } . . . . .

كان هذا المعنى الأولى ( 275 ) .

من الهداية :

- بيان عقوبة آكل الربا يوم القيامة لاستباحتهم الربا وأكلهم له وعدم التوبة منه .

- تحريم الربا وكل مال حرام لما جاء في الآية من الوعيد الشديد .

- حلية البيع إن تم على شروطه المبيّنة في كتب الفقه .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (275)

{ الذين يأكلون الربا } أي : ينتفعون به ، وعبر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع وسواء من أعطاه أو من أخذه ، والربا في اللغة الزيادة ، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى الزيادة ، فإن غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم أتقضي أم تربي ، فكان الغريم يزيد في عدد المال ، ويصبر الطالب عليه .

ثم إن الربا على نوعين : ربا النسيئة ، وربا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة ، وفي الطعام .

فأما النسيئة فتحرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع الذهب بالفضة ، وهو الصرف ، وفي الطعام بالطعام مطلقا .

وأما التفاضل فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين ومن الطعام . ومذهب مالك : أنه يحرم التفاضل في المقتات المدخر من الطعام . ومذهب الشافعي : أنه يحرم في كل طعام ، ومذهب أبي حنيفة : أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره .

{ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون ، ويتخبطه يتفعله من قولك خبط يخبط ، والمس الجنون ، ومن تتعلق ب{ يقوم } .

{ ذلك بأنهم } تعليل للعقاب الذي يصيبهم ، وإنما هذا للكفار ، لأن قولهم إنما البيع مثل الربا : رد على الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد .

فإن قيل : هلا قيل : الربا مثل البيع ، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز ، فالجواب : أن هذا مبالغة ، فإنهم جعلوا الربا أصلا حتى شبهوا به البيع .

{ وأحل الله البيع } عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعا ، وقد عددناها في الفقه ثمانين نوعا .

{ وحرم الربا } رد على الكفار وإنكار للتسوية بين البيع والربا ، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص ، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه .

{ فله ما سلف } أي : له ما أخذ من الربا ، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول التحريم .

{ وأمره إلى الله } الضمير عائد على صاحب الربا ، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة ، فلا تؤاخذوه في الدنيا ، وقيل : الضمير عائد على الربا ، والمعنى أن أمر الربا إلى الله في تحريم أو غير ذلك .

{ ومن عاد } : يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول .

{ إنما البيع مثل الربا } ، ولذلك حكم عليه بالخلود في النار ، لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر ، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار .