{ تداينتم } : داين بعضكم بعضا في شراء أو بيع أو سَلّم أو قرض .
{ إلى أجل مسمى } : وقت محدد بالأيام أو الشهور أو الأعوام .
{ بالعدل } : بلا زيادة ولا نقصان ولا غش أو احتيال بل بالحق والإِنصاف .
{ ولا يأب } : لا يمتنع الذي يحسن الكتابة أن يكتب .
{ وليملل الذي عليه الحق } : لأن إملاءه اعتراف منه وإقرار بالذي عليه من الحق .
{ ولا يبخس منه شيئا } : لا ينقص من الدين الذي عليه شيء ولو قل كفلس وليذكره كله .
{ سفيهاً أو ضعيفاً } : السفيه : الذي لا يحسن التصرفات المالية ، والضعيف : العاجز عن الإِملاء كلأخرس ، أو الشيخ الهرم .
{ وليّه } : من يلي أمره ويتولى شؤونه لعجزه وقصوره .
{ من رجالكم } : أي المسلمين الأحرار دون العبيد والكفار .
{ أن تضل إحداهما } : تنسى أو تخطىء لقصر إدراكها .
{ ولا تسأموا } : لا تضجروا أو تملّوا من الكتابة ولو كان الدين صغيراً مبلغه .
{ أقسط عند الله } : أعدل في حكم الله وشرعه .
{ وأقوم للشهادة } : أثبت لها وأكثر تقريراً لأن الكتابة لا تنسى والشهادة تنسى أو يموت الشاهد أو يغيب .
{ وأدنى أن لا ترتابوا } : أقرب أن لا تشكوا بخلاف الشهادة بدون كتابة .
{ تديرونها بينكم } : أي تتعاطونها ، البائع يعطي البضاعة والمشتري يعطي النقود فلا حاجة إلى كتابتها ولا حرج أو إثم يترتب عليها .
{ وأشهدوا إذا تبايعتم } : إذا باع أحدُ داراً أو بستاناً أو حيواناً يشهد على ذلك البيع .
{ ولا يضار كاتب ولا شهيد } : بأن يكلف ما لا يقدر عليه بأن يُدْعى ليشهد في مكان بعيد يشق عليه أو يطلب إليه أن يكتب زوراً أو يشهد به .
{ فسوق بكم } : أي خروج عن طاعة ربكم لاحق بكم إثمه وعليكم تبعته يوم القيامة .
{ اتقوا الله } : في أوامره فافعلوها ، وفي نواهيه فاتركوها ، وكما علمكم هذا يعلمكم كل ما تحتاجون فاحمدوه بألسنتكم واشكروه بأعمالكم ، وسيجزيكم بها وهو بكل شيء عليم .
لما حث تعالى على الصدقات ، وحرم الربا ، ودعا إلى العفو على المعسر ، والتصدّق عليه بإسقاط الدين الأمر الذي قد يتبادر إلى الذهن أنّ المال لا شأن له ولا قيمة في الحياة فجاءت هذه الآية ، آية الدين الكريمة لتعطي للمال حقَّه ، وترفع من شأنه فإنه قوام الحياة فقررت واجب الحفاظ عليه ، وذلك بكتاب الديون ، والإِشهاد عليها بمن ترضى عدالتهم ، وكون الشهود رجلين مسلمين حرّين ، فإن انعدم رجل من الاثنين قامت امرأتان مقامه ، واستحث الله تعالى من يحسن الكتابة أن يكتب إذا كان في سعة من أمره ، وحرم على الشهود إذا ما دُعوا لأداء الشهادة أن يتخَّلْوا عنها ، وحرم على المتداينين أن لا يكتبوا ديونهم ولو كانت صغيرة قليلة فقال تعالى : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله } ورخص تعالى رحمةً منه في عدم كتابة التجارة الحاضرة التي يدفع فيها السلعة في المجلس ، ويقبض الثمن فيه فقال : { إلا أن تكون تجارةً حاضرةً تُدِيُرونها بينكم فليس عليكم جُنَاح ألاَّ تكتبوها } وأمر بالإِشهاد عل البيع فقال : { وأشهدوا إذا تبايعتم . . } ونهى عن الإِضرار بالكاتب ، أو الشهيد ، بأن يلزم الكاتب أن يكتب إذا كان في شغله ، أو الشاهد بأن يطلب منه أن يشهد وهو كذلك في شغله ، أو أن يُدْعى إلى مسافات بعيدة تشُقْ عليه إذ أمره تطوع ، وفعل خير لا غير فليطلب كاتب وشاهد غيرهما إذا تعذر ذلك منهما لانشغالهما . وحذَّره من كتمان الشهادة أو الحيف والجَوْر في الكتابة ، والإِضرار بالكاتب والشهيد فقال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم . . } وأكَّد ذلك بأمره بتقواه فقال : { واتقوا الله . . } بامتثال أمره ، ونهيه لتَكْمْلُوا وتسعدوا وكما علمكم هذا لعلم النافع ما زال يعلمكم وهو بكل شيء عليم . هذا المعنى الكريمة الكريمة : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه . . }
- وجوب كتابة الديون سواءٌ كانت بيعاً ، أو شراء ، أو سلفاً ، أو قرضاً هذا ما قرره ابن جرير ، ورد القول بالإرشاد والندب .
- رعاية النعمة بشكرها لقوله تعالى للكاتب : كما علمه الله فليكتب إذ علمه الكتاب وحرم غيره منها .
- جواز النيابة في الإِملاء لعجز عنه ، وعدم قدرته عليه .
- وجوب العدل والإِنصاف في كل شيء لا سيما في كتابة الديون المستحقة المؤجلة .
-وجوب الإِشهاد على الكتابة لتأكّدها به ، وعدم نسيان قدْر الدّين وأجله .
- شهود المال لا يَقِلُّون عن رجلين عدلين من الأحرار المسلمين لا غير ، والمرأتان المسلمتان اللتان فرض شهادتهما تقومان مقام الرجل الواحد .
- الحرص على كتابة الديون والعزم على ذلك ولو كان الدين صغيراً تافهاً .
- الرخصة في عدم كتابة التجارة الحاضرة السلعة والثمن المدارة بين البائع والمشتري .
- وجوب الإِشهاد على بيع العقارات والمزارع والمصانع مما هو ذو بال .
- حرمة الإِضرار بالكاتب والشهيد .
- تقوى الله تعالى تسبب العلم ، وتُكْسِب المعرفة بإذن الله تعالى .
{ إذا تداينتم بدين } أي : إذا عامل بعضكم بعضا بدين ، وإنما ذكر الدين وإن كان مذكورا في { تداينتم } ليعود عليه الضمير في { اكتبوه } وليزول الاشتراك الذي في تداينتم ، إذ يقال لمعنى الجزاء .
{ إلى أجل مسمى } دليل على أنه لا يجوز إلى أجل مجهول ، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصاد ، لأنه معروف عند الناس ، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة ، قال ابن عباس : نزلت الآية في السلم خاصة يعني أن سلم أهل المدينة كان سبب نزولها ، قال مالك : وهذا يجمع الدين كله يعني أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما .
{ فاكتبوه } ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية .
وقال قوم : إنها منسوخة لقوله :{ فإن أمن بعضكم بعضا }[ البقرة :283 ] .
{ وليكتب بينكم كاتب } قال قوم : يجب على الكاتب أن يكتب .
وقال قوم : نسخ ذلك بقوله :{ ولا يضار كاتب ولا شهيد } .
وقال آخرون : يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه .
وقال قوم : إن الأمر بذلك على الندب ولذلك جاز أخذ الأجرة على كتب الوثائق .
{ بالعدل } يتعلق عند ابن عطية بقوله :{ وليكتب } ، وعند الزمخشري بقوله :{ كاتب } .
فعلى الأول : تكون الكتابة بالعدل ، وإن كان الكاتب غير مرضي .
وعلى الثاني : يجب أن يكون الكاتب مرضيا في نفسه .
قال مالك : لا يكتب الوثائق إلا عارف بها ، عدل في نفسه مأمون .
{ ولا يأب كاتب أن يكتب } نهي عن الإباية ، وهو يقوي الوجوب .
{ كما علمه الله } يتعلق بقوله :{ أن يكتب } ، والكاف للتشبيه أي يكتب مثل ما علمه الله أو للتعليل أي : ينفع الناس بالكتابة كما علمه الله لقوله :{ أحسن كما أحسن الله }[ القصص :77 ] إليك وقيل : يتعلق بقوله : بعدها { فليكتب وليملل } يقال : أمللت الكتاب ، وأمليته ، فورد هنا على اللغة الواحدة ، وفي قوله : تملى عليه على الأخرى .
{ الذي عليه الحق } لأن الشهادة إنما هي باعترافه ، فإن كتب الوثيقة دون إملاله ، ثم أقر بها جاز .
{ ولا يبخس } أمر الله بالتقوى فيما يملى ، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق .
{ سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو } السفيه الذي لا يحسن النظر في ماله ، والضعيف الصغير وشبهه ، والذي لا يستطيع أن يمل الأخرس وشبهه .
{ وليه } أبوه ، أو وصيه ، والضمير عائد على الذي عليه الحق .
{ واستشهدوا شاهدين } شهادة الرجلان جائزة في كل شيء إلا في الزنا فلا بد من أربعة .
{ من رجالكم } نص في رفض شهادة الكفار والصبيان والنساء ، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم ، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم ، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرق .
{ فرجل وامرأتان } قال قوم : لا تجوز شهادة المرأتين إلا مع الرجال ، وقال معنى الآية :{ إن لم يكونا } أي : إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم يشهد رجلان ، فرجل وامرأتان ، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في الأموال لا في غيرها ، وتجوز شهادة المرأتين دون رجل ، فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال ، وعيوب النساء ، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره : فليكن رجل ، فهو فاعل ، أو تقديره : فليستشهد رجل فهو مفعول لم يسم فاعله ، أو بالابتداء تقديره : فرجل وامرأتان يشهدون .
{ ممن ترضون } صفة للرجل والمرأتين ، وهو مشترط أيضا في الرجلين الشاهدين ، لأن الرضا مشترط في الجميع وهو العدالة ، ومعناها اجتناب الذنوب الكبائر ، وتوقي الصغائر مع المحافظة على المروءة .
{ أن تضل } مفعول من أجله ، والعامل فيه هو المقدر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة وهو نسيانها أو نسيان بعضها ، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولا من أجله ، وليس هو المراد ، لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد ، فأقيم السبب مقام المسبب ، وقرئ : إن تضل بكسر الهمزة على الشرط ، وجوابه الفاء في فتذكر ، ولذلك رفعه من كسر الهمزة ، ونصبه من فتحها على العطف ، وقرئ تذكر بالتشديد والتخفيف ، والمعنى واحد .
{ ولا يأب الشهداء } أي : لا يمتنعون .
{ إذا ما دعوا } إلى أداء الشهادة ، وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعى إليها ، وقيل : إذا دعوا إلى تحصيل الشهادة وكتبها . وقيل : إلى الأمرين .
{ ولا تسأموا أن تكتبوه } أي : لا تملوا من الكتابة إذا ترددت وكثرت ، سواء كان الحق صغيرا أو كبيرا ، ونصب صغيرا على الحال .
{ وأقوم } بمعنى أشد إقامة ، وينبني أفعل فيهما من الرباعي وهو قليل .
{ وأدنى أن لا ترتابوا } أي : أقرب إلى عدم الشك في الشهادة .
{ إلا أن تكون تجارة حاضرة } أن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع ، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل ، والمعنى إباحة ترك الكتابة في التجارة الحاضرة ، وهو ما يباع بالنقد وغيره ، { تديرونها بينكم } يقتضي القبض والبينونة .
{ وأشهدوا إذا تبايعتم } ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيرا أو كبيرا ، وهم الظاهرية خلافا للجمهور وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله :{ فإن أمن بعضكم بعضا }[ البقرة :283 ] ، وذهب قوم إلى أنه على الندب .
{ ولا يضار كاتب ولا شهيد } يحتمل أن يكون كاتب فاعلا على تقدير كسر الراء المدغمة من يضار ، والمعنى على هذا نهي للكاتب والشاهد أن يضار صاحب الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيها أو النقصان منه ، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة ، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولا لم يسم فاعله على تقدير فتح الراء المدغمة ، ويقوي ذلك قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لا يضارر " بالتفكيك وفتح الراء ، والمعنى النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد بإذايتهما بالقول أو بالفعل .
{ وإن تفعلوا } أي : إن وقعتم في الإضرار .
{ ويعلمكم الله } إخبار على وجه الامتنان ، وقيل : معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه وهذا المعنى صحيح ، ولكن لفظ الآية لا يعطيه ، لأنه لو كان كذلك لجزم يعلمكم في جواب اتقوا .