أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (12)

شرح الكلمات :

{ الميثاق } : العهد المؤكد بالأيمان .

{ بنو إسرائيل } : اليهود .

{ نقيباً } : نقيب القوم : من ينقب عنهم ويبحث عن شؤونه ويتولى أمورهم .

{ وعزرتموهم } : أي نصرتموهم ودافعتم عنهم معظمين لهم .

{ وأقرضتم الله } : أي أنفقتم في سبيله ترجون الجزاء منه تعالى على نفقاتكم في سبيله .

{ لأكفرن عنكم سيئآتكم } : أسترها ولم أواخذكم بها .

{ لقد ضل سواء السبيل } : أخطأ طريق الهدى الذي يفلح سالكه بالفوز بالمحبوب والنجاة من المرهوب .

المعنى الكريمة الكريمة :

لما طالب تعالى المؤمنين بالوفاء بعهودهم والالتزام بمواثيقهم ذكرهم في هذه الآية بما أخذ على بني إسرائيل من ميثاق فنقضوه فاستوجبوا خزي وعذاب الآخرة ليكون هذا عبرة للمؤمنين حتى لا ينكثوا عهدهم ولا ينقضوا ميثاقهم كما هو إبطال لاستعظام من استعظم غدر اليهود وهمهم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } وهو قوله إني معكم الآتي ، { وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً . . } أي من كل قبيلة من قبائلهم الاثني عشرة قبيلة نقيباً يرعاهم ويفتش على أحوالهم كرئيس فيهم ، وهم الذين بعثهم موسى عليه السلام إلى فلسطين لتعرفوا على أحوال الكنعانين قبل قتالهم . وقال الله تعالى { إني معكم } وهذا بند الميثاق { لئن أقمتم الصلاة } أي وعزتي وجلالي { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي } صدقتموهم فيما جاءوكم به { وعزرتموهم } بنصرتهم وتعظيمهم ، { وأقرضتم الله قرضاً حسناً } أي زيادة على الزكاة الواجبة والعامة في الإِنفاق وفي تزكية النفس بالإِيمان وصالح الأعمال { لأكفرن عنكم سيئآتكم } بإذهاب آثارها من نفوسكم حتى تطيب وتطهر { ولأدخلنكم } بعد ذلك التطهير { جنات تجري من تحتها } أي من تحت أشجارها وقصورها { الأنهار } هذا جزاء الوفاء بالميثاق { فمن كفر } فنقض وأهمل ما فيه فكفر بعده { فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ طريق الفلاح في الدنيا والآخرة ، أي خرج عن الطريق المفضي بسالكه إلى النجاة والسعادة .

الهداية

من الهداية

- الحث على الوفاء بالالتزامات الشرعية .

- إبطال استغراب واستعظام من يستغرب من اليهود مكرهم ونقضهم وخبثهم ويستعظم ذلك منهم .

- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإِنفاق في سبيل الله تعبد الله بها من قبل هذه الأمة .

- وجوب تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته في أمته ودينه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (12)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قال ابن عطية : هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في بني النضير ، واختلف أهل التأويل في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم ، القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها . والنقاب : الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة ؛ ومنه قيل في عمر رضي الله عنه : إنه كان لنقابا . فالنقباء الضمان ، واحدهم نقيب ، وهو شاهد القوم وضمينهم ؛ يقال : نقب عليهم ، وهو حسن النقيبة أي حسن الخليقة . والنقب والنقب الطريق في الجبل . وإنما قيل : نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ، ويعرف مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم . وقال قوم : النقباء الأمناء على قومهم ، وهذا كله قريب بعضه من بعض . والنقيب أكبر مكانة من العريف . قال عطاء بن يسار : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة ، ذكره الدرامي في مسنده . قال قتادة - رحمه الله وغيره : هؤلاء النقباء قوم كبار من كل سبط ، تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله ، ونحو هذا كان النقباء ليلة العقبة ، بايع فيها سبعون رجلا وامرأتان . فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلا ، وسماهم النقباء اقتداء بموسى صلى الله عليه وسلم . وقال الربيع والسدي وغيرهما : إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم ، فساروا ليختبروا حال من بها ، ويعلموه بما اطلعوه عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم ، فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة - على ما يأتي - وظنوا أنهم لا قبل لهم بها ، فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل ، وأن يعلموا به موسى عليه السلام ، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ، ومن وثقوه على سرهم ، ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل فقالوا : " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " [ المائدة : 24 ] .

الثانية : ففي الآية دليل على قبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء ، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية ، فتركب عليه الأحكام ، ويرتبط به الحلال والحرام ، وقد جاء أيضا مثله في الإسلام . قال صلى الله عليه وسلم لهوازن : ( ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم ) . أخرجه البخاري .

الثالثة : وفيها أيضا دليل على اتخاذ الجاسوس . والتجسس : التبحث . وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة عينا{[5415]} . أخرجه مسلم . وسيأتي حكم الجاسوس في " الممتحنة " {[5416]} إن شاء الله تعالى . وأما أسماء نقباء بني إسرائيل فقد ذكر أسماءهم محمد بن حبيب في " المحبر{[5417]} " فقال : من سبط روبيل شموع بن ركوب ، ومن سبط شمعون شوقوط بن حوري ، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا ، ومن سبط الساحر يوغول بن يوسف ، ومن سبط أفراثيم بن يوسف يوشع بن النون ، ومن سبط بنيامين يلظى بن روقو ، ومن سبط ربالون كرابيل بن سودا ومن سبط منشا بن يوسف كدي بن سوشا ، ومن سبط دان عمائيل بن كسل ، ومن سبط شير ستور بن ميخائيل ، ومن سبط نفتال يوحنا بن وقوشا ، ومن سبط كاذ كوال بن موخى ؛ فالمؤمنان منهم يوشع وكالب ، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مسخوطا عليهم . قاله الماوردي . وأما نقباء ليلة العقبة فمذكورون في سيرة ابن{[5418]} إسحاق فلينظروا هناك .

قوله تعالى : " وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة " الآية . قال الربيع بن أنس : قال ذلك للنقباء . وقال غيره : قال ذلك لجميع يني إسرائيل . وكسرت " إن " لأنها مبتدأة . " معكم " لأنه ظرف ، أي بالنصر والعون . ثم ابتدأ فقال : " لئن أقمتم الصلاة " إلى أن قال " لأكفرن عنكم سيئاتكم " أي إن فعلتم ذلك " ولأدخلنكم جنات " واللام في " لئن " لام توكيد ومعناها القسم ، وكذا " لأكفرن عنكم " ، " ولأدخلنكم " . وقيل : المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم ، وتضمن شرطا آخر لقوله : " لأكفرن " أي إن فعلتم ذلك كفر . وقيل : قوله " لئن أقمتم الصلاة " جزاء لقوله : " إني معكم " وشرط لقوله : " لأكفرن " والتعزير : التعظيم والتوقير ، وأنشد أبو عبيدة :

وكم من ماجدٍ لهم كريمٌ *** ومن ليثٍ يُعَزَّرُ في النَّدِيّ

أي يعظم ويوقر . والتعزير : الضرب دون الحد ، والرد . تقول : عزرت فلانا إذا أدبته ورددته عن القبيح . فقوله : " عزرتموهم " أي رددتم عنهم أعداءهم . " وأقرضتم الله قرضا حسنا " يعني الصدقات ، ولم يقل إقراضا ، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله : " والله أنبتكم من الأرض نباتا{[5419]} " [ نوح : 17 ] ، " فتقبلها ربها بقبول حسن " [ آل عمران : 37 ] وقد تقدم{[5420]} . ثم قيل : " حسنا " أي طيبة بها نفوسكم . وقيل : يبتغون بها وجه الله . وقيل : حلالا . وقيل : " قرضا " اسم لا مصدر . " فمن كفر بعد ذلك منكم " أي بعد الميثاق . " فقد ضل سواء السبيل " أي أخطأ قصد الطريق . والله أعلم .


[5415]:كان ذلك في غزوة بدر، قيل: هو ابن عمرو الأنصاري أرسله النبي صلى الله عليه وسلم لتقصي أنباء عير أبي سفيان.
[5416]:راجع ج 18 ص 53.
[5417]:قال أبو حيان في "البحر" : ذكر محمد بن حبيب في "المحبر" أسماء هؤلاء النقباء الذين اختارهم موسى في هذه القصة، بألفاظ لا تنضبط حروفها ولا شكلها، وذكرها غيره مخالفة في أكثرها لما ذكره ابن حبيب لا تنضبط أيضا. وفي هامش الطبري: وقع تحريف واختلاف بين كتب التاريخ في أسماء الأسباط والنقباء منهم فلتحرر.
[5418]:راجع سيرة ابن هشام ج 1 ص 297 طبع أوربا.
[5419]:راجع ج 18 ص 305.
[5420]:راجع ج 4ص 69.