أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

شرح الكلمات :

{ لا إكراه في الدين } : لا يكره المرء على الدخول في الدين ، وإنما يعتنقه بإرادته واختياره .

{ الرشد } : الهدى الموصل إلى الإِسعاد والإِكمال .

{ الغي } : الضلال المفضي بالعبد إلى الشقاء والخسران .

{ الطاغوت } : كل ما صرف عن عبادة الله تعالى من إنسان أو شيطان أو غيرهما .

{ العروة الوثقى } : لا إله إلا الله محمد رسول الله .

{ لا انفصام لها } : لا تنفك ولا تنحل بحال من الأحوال .

المعنى :

يخبر الله تعالى بعد ذكر صفات جلاله وكماله في آية الكرسي أنه لا إكراه في دينه ، وذلك حين أراد بعض الأنصار إكراه من تهوّد أو تنصّر من أولادهم على الدخول في دين الإسلام ، ولذا فإن أهل الكتابين ومن شابهما تؤخذ منهم الجزية ويقرون على دينهم فلا يخرجون منه إلا باختيارهم وإرادتهم الحرة ، أما الوثنيّون والذين لا دين لهم سوى الشرك والكفر فيقاتلون حتى يدخلوا في الإسلام إنقاذا لهم من الجهل والكفر وما لازمهم من الضلال والشقاء .

ثم أخبر تعالى أنه بإنزال كتابه وبعثه رسوله ونصر أوليائه قد تبين الهدى من الضلال والحق من الباطل ، وعليه فمن يكفر بالطاغوت وهو الشيطان الذين زين عبادة الأصنام ويؤمن بالله فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد استمسك من الدين بأمتن عروة وأوثقها ، ومن يضرّ على الكفر بالله والإيمان بالطاغوت فقد تمسك بأوهى من خيط العنكبوت ، والله سميع لأقوال عباده عليم بنياتهم وخفيات أعمالهم وسيجزي كلاً بكسبه .

من الهداية :

- لا يُكره أهل الكتابين ومن في حُكمهم كالمجوس والصابئة على الدخول في الإسلام إلا باختيارهم وتقبل منهم الجزية فَيُقُّروْن على دينهم .

- الإسلام كلّه رشد وما عداه ضلال وباطل .

- التخلي عن الرذائل مقدَّم على التحلي بالفضائل .

- معنى لا إله إلا الله ، وهي الإيمان بالله والكفر بالطاغوت .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

ثم قال تعالى :

{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه ، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه ، غامضة أثاره ، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس ، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول ، وظهرت طرقه ، وتبين أمره ، وعرف الرشد من الغي ، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره ، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة ، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل ، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح ، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين ، لعدم النتيجة والفائدة فيه ، والمكره ليس إيمانه صحيحا ، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين ، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق ، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له ، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر ، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب ، كما هو قول كثير من العلماء ، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان ، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي : بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه ، وكان المتمسك به على ثقة من أمره ، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت ، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة ، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر ، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها .