أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

شرح الكلمات :

{ فليبتكن } : فليقطعن .

{ خلق الله } : مخلوق الله أي ما خلقه الله تعالى .

{ الشيطان } : الخبيث الماكر الداعي إلى الشر سواء كان جنياً أو إنسياً .

المعنى :

وواصل العدو تبجحه قائلا : { ولأضلنهم } يريد عن طريق الهدى { ولأمنينهم } يريد أعوقهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة بأنهم لا يلقون عذاباً أو أنه سيغفر لهم . { ولآمرنهم } فيطيعوني { فليبتكن آذ أن الأنعام } أي ليجعلون لآلهتهم نصيباً مما رزقتهم ويعلمونها بقطع آذانها لتعرف إنها للآله كالبحائر والسوائب التي يجعلونها للآلهة . { ولآمرنهم } أيضاً فيطيعونني فيغيرون خلق الله بالبدع والشرك ، والمعاصي كالوشم والخصي . هذا ما قاله الشيطان ذكره تعالى لنا فله الحمد . ثم قال تعالى { ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً } لأن من والى الشيطان عادى الرحمن ومن عادى الرحمن تم له والله أعظم الخسران .

الهداية

من الهداية :

- حرمة الوشم والوسم والخصاء إلا ما أذن فيه الشارع .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

وهذا النصيب المفروض الذي أقسم لله إنه يتخذهم{[239]}  ذكر ما يريد بهم وما يقصده لهم بقوله : { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ْ } أي : عن الصراط المستقيم ضلالا في العلم ، وضلالا في العمل .

{ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ْ } أي : مع الإضلال ، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون . وهذا هو الغرور بعينه ، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال . وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة ، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم فإنهم كما حكى الله عنهم ، { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ْ } { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ْ } { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ْ } الآية .

وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين : { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ْ }

وقوله : { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ْ } أي : بتقطيع آذانها ، وذلك كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فنبه ببعض ذلك على جميعه ، وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله ، ويلتحق بذلك من الاعتقادات الفاسدة والأحكام الجائرة ما هو من أكبر الإضلال . { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ْ } وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة بالوشم ، والوشر والنمص والتفلج للحسن ، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن .

وذلك يتضمن التسخط من خلقته والقدح في حكمته ، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن ، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره ، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة ، فإن الله تعالى خلق عباده حنفاء مفطورين على قبول الحق وإيثاره ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل ، وزينت لهم الشر والشرك والكفر والفسوق والعصيان .

فإن كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه ، ونحو ذلك مما يغيرون به ما فطر الله عليه العباد من توحيده وحبه ومعرفته . فافترستهم الشياطين في هذا الموضع افتراس السبع والذئاب للغنم المنفردة . لولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين لجرى عليهم ما جرى على هؤلاء المفتونين ، وهذا الذي جرى عليهم من توليهم عن ربهم وفاطرهم{[240]}  وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر من كل وجه ، فخسروا الدنيا والآخرة ، ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة ، ولهذا قال : { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ْ } وأي خسار أبين وأعظم ممن خسر دينه ودنياه وأوبقته معاصيه وخطاياه ؟ ! ! فحصل له الشقاء الأبدي ، وفاته النعيم السرمدي .

كما أن من تولى مولاه وآثر رضاه ، ربح كل الربح ، وأفلح كل الفلاح ، وفاز بسعادة الدارين ، وأصبح قرير العين ، فلا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، اللهم تولنا فيمن توليت ، وعافنا فيمن عافيت .


[239]:- في النسختين: إنهم يتخذهم.
[240]:- كذا في ب وفي أ: وفاطركم.