الكلام على الاستعاذة في عشرة فوائد من فنون مختلفة :
الأولى : لفظ التعوذ على خمسة أوجه :
" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهو المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمختار عند القراء .
" وأعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم " .
و " أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي " .
و " أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد " ، وهي محدثة .
و " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الثانية : يؤمر القارئ بالاستعاذة قبل القراءة . سواء ابتدأ أول سورة أو جزء سورة على الندب .
الثالثة : يجهر بالاستعاذة عند الجمهور وهو المختار . وروي الإخفاء عن حمزة ونافع .
الرابعة : لا يتعوذ في الصلاة عند مالك . ويتعوذ في أول ركعة عند الشافعي وأبي حنيفة . وفي كل ركعة عند قوم . فحجة مالك عمل أهل المدينة وحجة قول غيره : قول الله تعالى :{ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }[ النحل :98 ] وذلك يعم الصلاة وغيرها .
الخامسة : إنما جاء أعوذ بالمضارع دون الماضي ؛ لأن معنى الاستعاذة لا يتعلق إلا بالمستقبل لأنها كالدعاء . وإنما جاء بهمزة المتكلم وحده مشاكلة للأمر به في قوله : { فاستعذ }[ الأعراف :200 ] .
السادسة : الشيطان : يحتمل أن يراد به الجنس فتكون الاستعاذة من جميع الشياطين ، أو العهد فتكون الاستعاذة من إبليس . وهو من شطن إذا بعد ؛ فالنون أصلية والياء زائدة ، وزنه فيعال . وقيل : من شاط إذا هاج ؛ فالنون زائدة . والياء أصلية ووزنه فعلان . وإن سميت به لم ينصرف على الثاني لزيادة الألف والنون ، وانصرف على الأول .
السابعة : الرجيم : فعيل بمعنى مفعول ، ويحتمل معنيين : أن يكون بمعنى لعين وطريد . وهذا يناسب إبليس لقوله :{ وجعلناها رجوما للشياطين } [ الملك :5 ] والأول أظهر .
الثامنة : من استعاذ بالله صادقا أعاذه ؛ فعليك بالصدق ؛ ألا ترى امرأة عمران لما أعاذت مريم وذريتها عصمها الله . ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مولود إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا إلا ابن مريم وأمه " .
التاسعة : الشيطان عدو . وحذر الله منه ؛ إذ لا مطمع في زوال علة عداوته . وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم . فيأمره أولا بالكفر ويشككه في الإيمان ؛ فإن قدر عليه ؛ وإلا أمره بالمعاصي . فإن أطاعه وإلا ثبطه عن الطاعة . فإن سلم من ذلك أفسدها عليه بالرياء والعجب .
العاشرة : القواطع عن الله أربعة : الشيطان ، والنفس ، والدنيا ، والخلق .
فعلاج الشيطان : الاستعاذة والمخالفة له .
وعلاج الخلق : بالانقباض والعزلة .
وتسمى سورة الحمد لله ، وفاتحة الكتاب ، والواقية ، والشافية ، والسبع المثاني . وفيها عشرون فائدة ، سوى ما تقدم في اللغات من تفسير ألفاظها . واختلف هل هي مكية أو مدنية ؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي يعد البسملة آية منها ، والمالكي يسقطها ويعد أنعمت عليهم .
الفائدة الأولى : قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي ، خلافا لأبي حنيفة ، وحجتهما قوله صلى الله عليه وسلم للذي علمه الصلاة : " اقرأ ما تيسر من القرآن " .
الأولى : ليست البسملة عند مالك آية من الفاتحة ولا من غيرها ، إلا في النمل خاصة ، وهي عند الشافعي آية من الفاتحة ، وعند ابن عباس آية من أول كل سورة ، فحجة مالك ما ورد في الحديث الصحيح ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت علي سورة ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها " ، ثم قال : " الحمد لله رب العالمين " فبدأ بها دون البسملة ، وما ورد في الحديث الصحيح : " إن الله يقول قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين : يقول العبد : الحمد لله رب العالمين " فبدأ بها دون البسملة : وحجة الشافعي ما ورد في الحديث : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين " وحجة ابن عباس ثبوت البسملة مع كل سورة في المصحف .
الثانية : إذا ابتدأت أول سورة بسملت ؛ إلا براءة . وسنذكر علة سقوطها من براءة في موضعه ، وإذا ابتدأت جزء سورة فأنت مخير بين البسملة وتركها عند أبي عمرو الداني ، وتترك البسملة عند غيره ، وإذا أتممت سورة وابتدأت أخرى ، فاختلف القراء في البسملة وتركها .
الثالثة : لا يبسمل في الصلاة عند مالك ، ويبسمل عند الشافعي جهرا في الجهر ، وسرا في السر ، وعند أبي حنيفة سرا في الجهر والسر فحجة مالك من وجهين : أحدهما أنه ليست عنده آية في الفاتحة حسبما ذكرنا ، والآخر ما ورد في الحديث الصحيح عن أنس أنه قال : " صليت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة ولا في آخرها " ، وحجة الشافعي من وجهين : أحدهما أن البسملة عنده آية من الفاتحة ، والأخرى ما ورد في الحديث من قراءتها حسبما ذكرنا .
الرابعة : كانوا يكتبون باسمك اللهم حتى نزلت { بسم الله مجراها }[ هود :41 ] فكتبوا { بسم الله } ، حتى نزلت : { أو ادعوا الرحمن }[ الإسراء :110 ] فكتبوا بسم الله الرحمن ، حتى نزل { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } [ النمل : 30 ] فكتبوها ، وحذفت الألف في بسم الله لكثرة الاستعمال .
الخامسة : الباء من بسم الله : متعلقة باسم محذوف عند البصريين والتقدير : ابتداء كائن بسم الله ؛ فموضعها رفع ، وعند الكوفيين تتعلق بفعل تقديره أبدأ أو أتلو فموضعها نصب وينبغي أن يقدر متأخرا لوجهين :
أحدهما : إفادة الحصر والاختصاص .
والأخرى : تقديم اسم الله اعتناء كما قدم في { بسم الله مجراها }[ هود :41 ] . السادسة : الاسم مشتق من السمو عند البصريين فلامه واو محذوفة وعند الكوفيين مشتق من السمة وهي العلامة ، ففاؤه محذوفة ، ودليل البصريين التصغير والتكبير ؛ لأنهما يردان الكلمات إلى أصولها ، وقول الكوفيين أظهر في المعنى ، لأن الاسم علامة على المسمى .
السابعة : قولك الله اسم مرتجل جامد والألف واللام فيه لازمة لا للتعريف ، وقيل : إنه مشتق من التأله وهو التعبد ، وقيل من الولهان : وهي الحيرة لتحير العقول في شأنه ، وقيل أصله إله من غير ألف ولام ، ثم حذفت الهمزة من أوله على غير قياس ، ثم أدخلت الألف واللام عليه ، وقيل : أصله الإله بالألف واللام ثم حذفت الهمزة ، ونقلت حركتها إلى اللام كما نقلت إلا الأرض وشبهه ، فاجتمع لامان ، فأدغمت إحداهما في الأخرى ، وفخم للتعظيم ؛ إلا إذا كان قبله كسرة .
الثامنة : الرحمن الرحيم صفتان من الرحم ومعناهما الإحسان فهي صفة فعل وقيل : إرادة الإحسان ، فهي صفة ذات .
التاسعة : الرحمن الرحيم على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن الرحمن في الدنيا والرحيم في الآخرة " ، وقيل : الرحمن عام في رحمة المؤمنين والكافرين لقوله : { وكان بالمؤمنين رحيما }[ الأحزاب :43 ] ، فالرحمن أعم وأبلغ ، وقيل : الرحمن . أبلغ لوقوعه بعده ، على طريقة الارتقاء إلى الأعلى .
العاشرة : إنما قدم الرحمن لوجهين : اختصاصه بالله ، وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات . انتهى والله أعلم .
سورة الفاتحة{[1]}
بسم الله القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه ، ولا يكون شيء إلا بإذنه ، الرحمان الذي عمت رحمته الموجودات ، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك السبحات ، وأجرى على الألسنة ذكره في العبادات والعادات ، الرحيم الذي تمت نعمته بتخصيص أهل ولايته بأرضي العبادات
قال شيخنا الإمام المحقق أبو الفضل محمد بن العلامة القدوة أبى عبد الله محمد ابن العلامة القدوة أبي القاسم محمد المشدالي{[2]} المغربي{[3]}البجائي{[4]} المالكي علامة الزمان سقى{[5]} الله عهده سحائب الرضوان ، وأسكنه أعلى{[6]} الجنان : الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة ، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات { وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات-{[7]} } في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه{[8]} من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل{[9]} يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها ؛ فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، وإذا{[10]} فعلته تبين لك إن شاء الله{[11]} وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة سورة والله الهادي – انتهى . وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل هذا الكتاب أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها لأن اسم كل شيء تظهر{[12]} المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه ، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام{[13]} عند العرض على الملائكة عليهم الصلاة والسلام{[14]} ، ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها{[15]} ؛ فاذكر المقصود من كل سورة ، وأطبق بينه وبين اسمها ، وأفسر كل بسملة بما يوافق مقصود السورة ، ولا أخرج عن معاني كلماتها{[16]} ؛ فالفاتحة{[17]} اسمها " أم الكتاب " و " الأساس " و " المثاني{[18]} " و " الكنز " { و " الشافية " {[19]} } و " الكافية " و " الوافية " { و " الواقية " {[20]} } و " الرقية " و " الحمد " و " الشكر " و " الدعاء " و " الصلاة " ؛ فمدار هذه الأسماء{[21]} كما ترى{[22]} على{[23]} أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي سأقول إنها{[24]} مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به ، وهي أم كل خير ، وأساس كل معروف ، ولا يعتد بها إلا إذا ثنيت{[25]} فكانت دائمة التكرار ، وهي كنز لكل شيء{[26]} شافية لكل داء ، كافية لكل هم{[27]} ، وافية{[28]} بكل مرام ، واقية من كل سوء ، رقية لكل ملم ، وهي إثبات للحمد الذي/ هو الإحاطة بصفات الكمال ، وللشكر{[29]} الذي هو تعظيم المنعم ، وهي عين{[30]} الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو ، وأعظم بجامعها الصلاة{[31]} .
إذا تقرر{[32]} ذلك فالغرض{[33]} الذي سيقت له الفاتحة و هو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال ، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة ، وباستحقاق العبادة والاستعانة ، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ{[34]} من طريق الهالكين مختصا بذلك كله ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم{[35]} ، لإفراده بالعبادة{[36]} ، فهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه ، فإنه لا بد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك ، لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع ، والمقصود{[37]} من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق ، والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك{[38]} وبما يرضيه{[39]} ، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول ، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا .
ولما كان المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته{[40]} وكان التزام اسمه تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ومواردها منه{[41]} وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها الفاتحة .
وقدم{[42]} التعوذ الذي هو من { درء-{[43]} } المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن{[44]} يتعين لتاليه{[45]} أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره ، لينال سؤله{[46]} ومراده مما{[47]} أودعه من خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الوالي الودود ؛ ومن هنا{[48]} تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة{[49]} . ولما افتتح التعوذ بالهمزة إشارة{[50]} إلى ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت البسملة كلها للمعاد لابتدائها بحرف شفوى{[51]} ، وختام أول كلماتها وآخرها بآخر إشارة إلى أن الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق غافلا عنه ، وفي البرزخ حسا{[52]} بالموت ، وفي الآخرة كذلك بالبعث ، كما أشار إلى ذلك تكرير الميم المختتم { بها-{[53]} } في اسمها بذكرها في مرتين إشارة إلى المعادين الحسيين{[54]} والله أعلم ، والمراد بالاسم{[55]} الصفات العليا{[56]} . وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي{[57]} في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة : الباء معناها{[58]} أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب{[59]} " الاسم " ظهور ما غاب أو غمض للقلوب بواسطة الآذان على صورة الأفراد{[60]} ؛ " الله " {[61]} اسم ما تعنو إليه القلوب عند موقف العقول فتأله{[62]} فيه أي تتحير فتتالّهه{[63]} وتلهو به أي تغنى به عن كل شيء{[64]} ؛ " الرحمن " شامل الرحمة لكافة ما تناولته الربوبية ، " الرحيم " خاص الرحمة{[65]} بما ترضاه الإلهية . وقال في غريب معناها : لما أظهر{[66]} الله سبحانه حكمة التسبيب وأرى{[67]} الخلق استفادة{[68]}بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها كأنها أسبابها ، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله ، ومنهم من وقف عند سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله{[69]} ، فطوى{[70]} الحق تعالى تلك الأسباب وأظهر بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب{[71]} سواه . وقال : {[72]}أستفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية نسبة{[73]} أم القرآن من القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب ، كما تضمنت أم القرآن سر ظهور / الأفعال بالعناية{[74]} من الحميد المجيد في آية " إياك نعبد وإياك نستعين " هذا في ظاهر الخطاب إلى ما وراء ذلك من باطنه فإن لكل آية ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق في ابتداء أقوالهم وأفعالهم ، هكذا قال . وأشد منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن صدرت{[75]}بها الفاتحة كما صدر القرآن بالفاتحة ، لأنها لما أفادت نسبة الأمور كلها إليه سبحانه وحده أفادت أنه الإلاه وحده وذلك هو { إجمال تفصيل الفاتحة - {[76]} } إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع ، والمعارف واللطائف . ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى أولية " الرحمان " من حيث أنه كالعلم في أنه لا يوصف به غيره ، ومن حيث أنه أبلغ من " الرحيم " فأولى الأبلغ { الأبلغ- {[77]} } : وذلك موافق لترتيب الوجود ، الإيجاد ثم النعم العامة ثم الخاصة بالعبادة ، وذكر الوصفان ترغيبا ، وطويت النقمة في إفهام اختصاص الثاني{[78]} لتمام الترغيب بالإشارة{[79]} إلى الترهيب .
والمراد بهما هنا أنه سبحانه يستحق الاتصاف بهما لذاته ، وكررهما بعد تنبيها{[80]} على وجوب ذلك للربوبية والملك ، والدلالة{[81]} على أن الرحمة غلبت{[82]} الغضب ، وفيهما{[83]} إلى ما ذكر من الترغيب الدلالة على سائر الصفات الحسنى ، لأن من{[84]}عمت رحمته امتنع أن يكون فيه شوب نقص ، وفي آخر سبحان لهذا المكان مزيد بيان ؛ {[85]} وكونها تسعة عشر حرفا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي أصحابها تسعة عشر{[86]} ، وجوالب للرحمة بركعات الصلوات الخمس وركعة الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى{[87]}
وهي قوله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، والاستعاذة بمعنى الالتجاء والاستجارة ، استعاذ به ، أي لجأ إليه ، وهو عياذه ، أي ملجأه ، ومعاذ الله ، أعوذ بالله . {[1]}
والشيطان من شطن ، أي بعد عن الخير ، وسمي الشيطان بذلك ، لعتوه وتمرده وبعده عن الحق والخير ، وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب شيطان . {[2]}
والرجيم ، من الرجم وهو القتل واللعن والطرد والإبعاد من الخير ، وأصله الرجم بالحجارة فهو رجيم ومرجوم . {[3]}
على أن الاستعاذة مأمور بها عند أول كل قراءة من القرآن الكريم ، لقوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " وهذا الأمر إنما يفيد الندب لا الوجوب وهو قول الجمهور . وثمة قول بأنه للوجوب . والصواب قول الجمهور وهو الندب ، أما التعوذ في الصلاة فهو مندوب في الركعة الأولى منها ، وقيل بوجوبها في كل ركعة استنادا إلى عموم قوله : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " وأجمعوا على أن التعوذ ليس من القرآن ولا هو آية منه .
وفي فضل التعوذ روى أبو داود عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل عليه الليل قال : « يا أرض ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك ، ومن شر ما خلق فيك ، ومن شر ما يدب عليك ، ومن أسد وأسود ، ومن الحية والعقرب ، ومن ساكني البلد ، ووالد وما ولد » .
وأخرج الموطأ ومسلم والترمذي عن خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من نزل منزلا ثم قال : « أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل » .
هذه السورة مكية ، وهي سورة عظيمة القدر والشأن ، فهي أم الكتاب وفاتحته ، لما يتجلى فيها من كبير المعاني وأصول العقيدة ، ولما تتسم به من جلال التعبير الذي يفيض بروعة الكلم وتشيع منه العذوبة وتمام الانسجام ، لا جرم أن سورة الفاتحة نموذج الإعجاز الباهر في الكتاب الحكيم كله ، وهي لفضلها وبالغ قدسيتها وعجيب إيقاعها وفخامة مضمونها ومعناها كانت طليعة الكتاب العزيز ، وفي فضلها الكريم الطاهر روى الترمذي عن أبي كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل مثل أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل » .
أما أسماء الفاتحة فهي كثيرة منها : أولا : الصلاة ، قال الله في الحديث القدسي : « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين( قال الله تعالى : حمدني عبدي وإذا قال العبد : ( الرحمن الرحيم( قال الله تعالى : أثنى علي عبدي ، وإذا قال العبد : ( إياك نعبد وإياك نستعين( قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فإذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين( قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » رواه مسلم عن أبي هريرة ، وقوله سبحانه : « قسمت الصلاة » يريد الفاتحة ، وسماها صلاة ، لأن الصلاة لا تصح إلا بها .
ثانيا : الحمد : لأن فيها ذكر الحمد .
ثالثا : فاتحة الكتاب ، من غير خلاف في ذلك ، وسميت بهذا الاسم ، لأن قراءة القرآن تفتح بها لفظا وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا وبها تفتح القراءة في الصلوات .
رابعا : أم الكتاب ، وهذا الاسم عند الجمهور وكرهه ابن سيرين والحسن البصري إذ قالا : الآيات المحكمات هن أم الكتاب ، والصحيح قول الجمهور ، لما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب ، والسبع المثاني والقرآن العظيم » .
خامسا : أم القرآن ، ودليله الخبر المبين آنفا .
سادسا : السبع المثاني ، سميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة ، وقبل غير ذلك .
سابعا : الشفاء ، لما رواه الدرامي عن أبي سعيد مرفوعا : « فاتحة الكتاب شفاء من كل سم »
ثامنا : الرقية ، وجمعها الرقى استرقاه فرقاه ، يرقيه رقية فهو راقي . {[4]}
تاسعا : الواقية ، لأنها لا تحتمل الاختزال فلا تتصف ، فلو نصفت الفاتحة في ركعتين لما جاز ذلك ، لكن لو قرأ من سائر السور نصفها في ركعة ونصفها الآخر في ركعة أخرى جاز .
عاشرا : الكافية ، لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها . {[5]}
وهي قوله : بسم الله الرحمن الرحيم ، وقيل في تأويلها : إن بسم الله الرحمن الرحيم قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة يقسم لعباده : إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق ، وإني أوفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري . {[6]}
وهل البسملة آية من القرآن ؟ ثمة أقوال في هذه المسألة :
القول الأول : ليست البسملة بآية من الفاتحة ولا غيرها ، وهو قول الإمام مالك واحتج لذلك بأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد ، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا خلاف فيه ، قال ابن العربي في ذلك : يكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها ، والقرآن لا يختلف فيه الناس .
القول الثاني : إنها آية من كل سورة ، وهو قول عبد الله بن المبارك وقد شذ في ذلك .
القول الثالث : وهو للشافعي ، إذ قال هي آية في الفاتحة وحدها ، وفي قول ثان له أنها آية من كل سورة .
القول الرابع : إن البسملة آية من سورة النمل ، وهذا ما لا خلاف فيه .
أما قراءتها في الصلاة فثمة خلاف في ذلك ، فقد قيل بوجوب قراءتها في صلاة الفرض والنفل وهو قول الشافعية والحنابلة وغيرهم ، وذهب آخرون إلى الإسرار بها مع الفاتحة وهو قول الحنفية ، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير .
وقال به أحمد بن حنبل ، واحتجوا من الأثر بما روي عن أنس قال : « صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم » .
وذهبت المالكية إلى أن البسملة ليست آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها ، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها لا سرا ولا جهرا ، ويجوز أن يقرأها في النوافل .
قوله : « بسم الله » الباء زائدة ومعناها الإلصاق ، {[7]} تكتب بسم بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط ، وذلك لكثرة الاستعمال ، بخلاف قوله ( اقرأ بسم ربك الذي خلق ( فإنها لم تحذف لقلة الاستعمال ، وبسم الله يعني بالله : أي بخلقه وتقديره نصل إلى ما نصل إليه ، وقيل : « بسم الله » يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته .
واللفظ « الله » هو أكبر أسماء الله تعالى ، وهو لا ثني ولا يجمع ، والله اسم للموجود القديم الحق الذي جمع صفات الإلهية والربوبية .
أما الرحمن ، فقيل : إن هذا الاسم غير مشتق ، لأنه من الأسماء المختصة بالله سبحانه ، ولو كان مشتقا لعرفته العرب ، ولم ينكروه حين سمعوه قالوا ( وما الرحمن( وقيل : الرحمن مشتق من الرحمة مبني على المبالغة ومعناه : ذو الرحمة الذي ليس له فيها نظير ، ولذلك لا يثنى ولا يجمع مثلما يثنى الرجيم ويجمع ، والراجح اشتقاقه ، لما خرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ، وهذا نص يدل على الاشتقاق .
على أن الرحمن مختص بالله جلاله ، ولا يجوز أن يسمى به أحد غير الله ، ويدل على ذلك قوله :
( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن( فعادل اسم الرحمن اسم الله الذي لا يتسمى به أحد غيره . {[8]}