التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

{ فتقبلها ربها } أي : رضيها للمسجد مكان الذكر .

{ بقبول حسن } فيه وجهان :

أحدهما : أن يكون مصدرا على غير المصدر .

والآخر : أن يكون اسما لما يقبل به كالسعوط اسم لما يسعط به .

{ وأنبتها نباتا حسنا } عبارة عن حسن النشأة .

{ وكفلها زكريا } أي : ضمها إلى إنفاقه وحضانته ، والكافل هو الحاضن ، وكان زكريا زوج خالتها ، وقرئ كفلها بتشديد الفاء ، ونصب زكريا : أي جعله الله كافلها .

{ المحراب } في اللغة أشرف المجلس ، وبذلك سمي موضع الإمام ، ويقال إن زكريا بنى لها غرفة في المسجد ، وهي المحراب هنا ، وقيل : المحراب موضع العبادة .

{ وجد عندها رزقا } كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء ، ويقال إنها لم ترضع ثديا قط ، وكان الله يرزقها .

{ أنى لك هذا } إشارة إلى مكان : أي كيف ؟ ومن أين ؟

{ إن الله يرزق } يحتمل أن يكون من كلام مريم أو من كلام الله تعالى .

 
تفسير الجلالين للمحلي والسيوطي - تفسير الجلالين [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب

[ فتقبلها ربها ] أي قبل مريم من أمها [ بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ] أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أمها الأحبار سَدَنة بيت المقدس فقالت : دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم فقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف كما قال تعالى [ وكفَلَها زكرياءُ ] ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا ومقصورا والفاعل الله [ كلما دخل عليها زكريا المحراب ] الغرفة وهي أشرف المجالس [ وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى ] من أين [ لك هذا قالت ] وهي صغيرة [ هو من عند الله ] يأتيني به من الجنة [ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ] رزقا واسعا بلا تبعة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ} (37)

وقوله تعالى : ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) تقبل الله من أم مريم نذيرتها ( مريم ) خادمة لبيت الله بقبول حسن ، أي بوجه حسن يقبل به النذائر وهو إقامتها مقام الذكر . وقد لفتها أمها في خرقة عقيب ولادتها وحملتها إلى المسجد وقالت : دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها فأبوا إلا القرعة فكانت من حظ زكريا وهو زوج خالتها فتكفلها .

قوله : ( وأنبتها نباتا حسنا ) مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين .

قوله : ( وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ) أي جعل زكريا كافلا وذلك بعد الاستهام فطفا سهمه ورسبت سهام الآخرين . والمحراب هو مقدم كل مجلس ومصلى ، وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها ، وكذلك هو من المساجد ، والمحراب مفرد وجمعه محاريب ومحارب .

قوله : ( وجد عندها رزقا ) أي غذاء ميسرا هنيئا لتأكل منه مريم من غير نصب ولا جهد . وقد ذكر أن زكريا كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء . لا جرم أن ذلك دلالة على كرامات الأولياء المقربين وفي السنة لهذا نظائر كثيرة{[457]} .

قوله : ( قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ) سألها زكريا متعجبا : من أين لك هذا الرزق ، فأجابته مريم أنه من عند الله . أي أن الله هو الذي رزقها ذلك فساقه إليها ؛ لأن الله ( يرزق من يشاء بغير حساب ) ويحتمل أن يكون هذا من جملة كلام مريم . أو أن يكون من كلام الله سبحانه وتعالى .

وقوله : ( بغير حساب ) أي بغير تقدير لكثرته أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل{[458]} .


[457]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 163- 165 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 359، 360 وتفسير البيضاوي ص 72.
[458]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 167 والكشاف للزمخشري جـ 1 ص 426، 427.