صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

{ لتنذر قوما . . . } أي لتنذرهم العقاب الذي أتاهم من نذير قبلك ؛ أي على لسانه وبواسطته .

و " ما " اسم موصول مفعول ثان " لتنذر " ، و " من نذير " متعلق ب " أتاهم " . وهذا القول في تفسير الآية جار على ظواهر القرآن ؛ قال تعالى : " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " {[264]} ، " أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير " {[265]} . وقيل : القوم هم العرب المعاصرون له صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لا يتصور إنذاره لمن سلفهم . و " ما " نافية ؛ أي لم يأتهم نذير قبلك .

فإذا قيل : إنهم قد أتاهم نذير لأنهم من ذرية إسماعيل وقد بعث إلى العرب وذراريهم لعدم انقطاع رسالته بموته ؛ فيجب عليهم العمل بها إلى أن يبعث إليهم رسول آخر . يقال : إن المراد من عدم إتيان نذير إليهم أنه لم تأتهم ولم تصل إليهم دعوة رسول قبله على حقيقتها . ولا شك أن أحكام رسالة إسماعيل قد أندرست ؛ لتطاول الأمد بين بعثته وبعثة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولم يقف الأكثرون في أغلب هذه الأوقات المتطاولة على حقيقتها ؛ فجعل ذلك بمنزلة عدم إتيان النذير لهؤلاء المعاصرين .

ولا يحمل لفظ القوم على العرب عامة ، لا مع إبقاء عدم الإتيان على ظاهره لمنافاته لقوله : " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " وقد أرسل إليهم إسماعيل ، ولا مع تأويله بما ذكر للقطع ببلوغ دعوة إسماعيل إلى العرب بعده في الجملة وفي بعض الأزمنة .

الشرط ، وجوابها محذوف تقديره : لما أرسلناك إليهم رسولا . و " لو " الثانية : تحضيضية ، وجوابها قوله " فنتبع آياتك " . وحاصل معنى الآية : أنه تعالى أرسل إليهم ليبطل تعللهم عند حلول العذاب بهم بسبب كفرهم بقولهم : " لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين " ، وهو كقوله تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " {[266]} . ومعناها التركيبي : لولا إصابة المصيبة لهم بما اكتسبوا من الكفر المسبب عنها قولهم المذكور لما أرسلناك إليهم رسولا . فجعلت الإصابة سببا للإرسال ؛ باعتبار ترتب القول المذكور عليها ، ولذا أدخلت عليها " لولا " ، وعطف القول عليها بالفاء المفيدة للسببية .


[264]:آية 24 فاطر.
[265]:آية 19 المائدة.
[266]:آية 15 الإسراء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

قوله : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } أي لم تكن يا محمد بجانب الطور وقت ندائنا موسى { إني أنا الله رب العالمين } أو وقت إنزال التوراة عليه وإرساله للناس رسولا .

قوله : { وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } { رحمة } ، منصوب على المصدر ، أي ولكن رحمناك رحمة . وقيل : منصوب على أنه خبر كان مقدرة . وتقديره : ولكن كان رحمة من ربك . وقيل : منصوب على أنه مفعول لأجله . وتقديره : ولكن فعل ذلك لأجل الرحمة{[3508]} والمعنى : ولكن أرسلناك يا محمد بالقرآن وفيه إخبار لقومك عن أنباء النبيين السابقين وقصص الأمم الغابرة ، رحمة من الله بك وبالعباد ، إذ تنذرهم بالقرآن وتعلمهم ما لم يكونوا يعلمون من قبل أن تأتيهم ؛ إذ لم يأتهم قبلك من نذير وذلك في زمان الفترة بينك وبين المسيح وهي خمسمائة وخمسون سنة .

قوله : { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي يعتبرون ويتعظون بإنذارك لهم وبما تتلوه عليهم من الآيات البينات .


[3508]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 234.