{ لا إكراه في الدين }معناه على ما ذكر أبو مسلم والقفال : ليس في الدين – وهو عقد في
القلب وإذعان في النفس- إكراه وإجبار من الله تعالى ، بل مبناه على التمكين والاختيار ، وهو مناط الثواب والعقاب ، ولولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار ، ولبطل الامتحان ، وهو كقوله تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر }{[69]} . وقيل : معناه إن من حق العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن الإيمان بالله وطاعته رشد ، والكفر به ومعصيته غي-ألا يحتاج إلى الإكراه على التدين بالاسلام الحنيف ، بل يختاره من غير تردد . والجملة على المعنيين خبرية . وقيل : خبر في معنى النهى ، أي لا تكرهوا في الدين ولا تجبروا عليه أحدا ، فإنه بين واضح الدلائل والبراهين . فمن هداه الله له ، ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أضله الله وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه .
وهو عام منسوخ بقوله تعالى : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم }{[70]} . أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية . وعن ابن عباس : أنها نزلت في أولاد الأنصار الذين تهودوا قبل الاسلام ، وأراد أهلوهم من الأنصار استردادهم حين أجليت بنو النضير في السنة الرابعة ، فقال الرسول صلى عليه وسلم إثر نزول الآية : ( قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم ) .
أما الجهاد الذي فرضه الله على المؤمنين فليس للإكراه على الاسلام والعقيدة ، وإنما هو من أجل بقاء الكفار على جحود حق الله وعصيانهم أمره ومحادته ، بعد وضوح الحجج وظهور الدلائل والإعذار إليهم ، ولحملهم على العمل بشريعته والانقياد لأحكامه ، ولحماية الدعوة والحق الذي جاءت به من عدوانهم ، وليكون الدين كله لله وحده ، قال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله }{[71]} .
{ تبين الرشد }تميز الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، بوضوح الدلائل . والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، مصدر رشد يرشد ويرشد ، أي اهتدى . والمراد هنا : الحق والهدى .
والغي : الضلال ، مصدر غوى يغوي أي ضل ، والاسم الغواية .
{ بالطاغوت }اسم لكل ما يطغى الإنسان ، كالأصنام والأوثان والشيطان والكاهن والساحر ، وكل رأس في الضلال ، وكل ما عبد من دون الله تعالى . من طغا يطغو طغوا وطغوانا . أو طغى-كرضي وسعي- طغيا وطغيانا ، إذا جاوز الحد وغلا في الكفر ، وأسرف في المعاصي والظلم .
{ استمسك بالعروة }ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى ، وهي الإيمان أو القرآن أو الاعتقاد
الحق ، أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى . والعروة من الدلو والكوز : مقبضه . ومن الثوب : مدخل زره . استعملت في المعاني المذكورة على سبيل التجوز . والوثقي : تأنيث الأوثق ، من وثق-بالضم-وثاقة ، قوي وثبت فهو وثيق ، أي ثابت محكم .
و{[12389]}لما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى حد {[12390]}لا يحتاج فيه منصف{[12391]} لنفسه إلى إكراه فيه فقال : { لا إكراه في الدين } وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي أخفى لهم أمر العظمة والجبروت الجابر{[12392]} لأهل{[12393]} الملكوت والملك فيما{[12394]} هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين الله المرضي الذي لا لبس{[12395]} فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له ، وهو اطلاعه سبحانه وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من كل بادٍ وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه الخفي موقعه في دين القيمة من حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما{[12396]} هو علم عقابها وآية عذابها ، فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها جميع ما تجري فيه لها ما عليها . فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات{[12397]} بما استشعرته{[12398]} قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد {[12399]}حلوه ومره{[12400]} بذلك التوحيد حلواً ، كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى{[12401]} .
ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء الإكراه عنه بقوله : { قد تبين الرشد } قال الحرالي : وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم { من الغي } وهو سوء التصرف في الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته{[12402]} - انتهى . أي فصار كل ذي لب يعرف أن الإسلام خير كله وغيره شر كله ، لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من أراد نفع نفسه إليه ويخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه{[12403]} لقوة ظهوره وغلبة نوره قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره{[12404]} ، لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه المصلحة فلم يبق منه مانع إلاّ حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية والشيطانية { فمن } أي فكان ذلك سبباً لأنه من { يكفر بالطاغوت{[12405]} } وهو نفسه وما دعت إليه ومالت{[12406]} بطبعها الرديء إليه . وقال الحرالي : وهو ما أفحش في الإخراج عن الحد الموقف{[12407]} عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء{[12408]} مما منه الطغيان - انتهى . { ويؤمن بالله } {[12409]}أي الملك الأعلى{[12410]} ميلاً مع العقل الذي هو خير كله لما رأى بنوره من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن { فقد استمسك } على بصيرة منه { بالعروة الوثقى } أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه
( ومن يسلم وجهه إلى الله }[ الحج : 31 ] الآية{[12411]} ، والعروة ما تشد{[12412]} به العياب ونحوها بتداخلها{[12413]} بعضِها في بعض دخولاً لا ينفصم بعضُه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم جميعه ، والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة{[12414]} ما شأنه أن يخاف وهنه ، ثم بين وثاقتها بقوله : { لا انفصام{[12415]} لها } أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ذهاب . قال ابن القطاع : فصمت الشيء صدعته ، والعقدة حللتها ، والشيء عنه ذهب . وقال الحرالي : من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض ، أي فهذه العروة لا انحلال لها أصلاً ، وهو تمثيل للمعلوم{[12416]} بالنظر والاحتجاج بالمشاهد المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه{[12417]} فيحكم اعتقاده فيه ويجل{[12418]} اغتباطه به ، فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين إلا القضاء والقدر ، فمن سبقت له السعادة قيض{[12419]} الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات{[12420]} الكفر والحيرة{[12421]} .
ولما كان كل من الإيمان والكفر المتقدمين قولاً وفعلاً واعتقاداً قال مرغباً فيهما ومرهباً من تركهما : { والله }{[12422]} الذي له صفات الكمال { سميع } أي لما يقال مما يدل على الإيمان { عليم * } أي{[12423]} بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه ، ولعل في الآية التفاتاً إلى ما ذكر أول السورة {[12424]}في الكفار{[12425]} من أنه سواء عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن المنافقين ،