صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

{ يسقون } مواشيهم . { تذودان } تطردان أغنامهما عن الماء ؛ حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر ؛ من الذود بمعنى الطرد والدفع . { قال ما خطبكما } ما شأنكما لا تسقيان مع الناس ؟ ! والخطب : الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب . { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء } أي حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريها عن الماء عجزا منا عن مساجلتهم ؛ من أصدر الرباعي . وقرئ بفتح أوله ؛ من صدر الثلاثي .

والصدر عن الشيء : الرجوع والانصراف عنه ؛ ضد الورود . يقال : صدر عنه يصدر ويصدر صدرا ، رجع . والاسم بالتحريك . والرعاء : جمع الراعي ؟ ؛ من الرعى وهو الحفظ .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

شرح الكلمات :

{ ولما ورد ماء مدين } : انتهى غلى بئر يسقى منها أهل مدين .

{ يسقون } : أي مواشيهم من بقر وابل وغنم .

{ تذودان } : أي أغنامهما منعاً لهما من الماء حتى تخلو الساحة لهما خوف الاختلاط بالرجال الأجانب لغير ضرورة .

{ قال ما خطبكما } : قال موسى للمرأتين اللتين تذودان ما خطبكما أي ما شأنكما .

{ حتى يصدر الرعاء } : لا نسقي ماشيتنا حتى يصدر الرعاء ويبقى لنا الماء وحدنا .

المعنى :

وقوله تعالى في الآية الثانية من هذا السياق ( 23 ) { ولما ورد ماء مدين } أي وحين ورد ماء مدين وهو بئر يسقي منها الناس مواشيهم { وجد عليه } أي على الماء { أمة من الناس } أي جماعة كبيرة يسقون أنعامهم ومواشيهم { ووجد من دونهم امرأتين } وهما بنتا شعيب عليه السلام { تذودان } أي تمنعان ماشيتهما من الاختلاط بمواشي الناس . فسألهما لا تطفلاً وإنما حالهما دعاه إلى سؤالهما لأنه رأى الناس يسيقون مواشيهما ويصدرون فوجاً بعد فوج والمرأتان قائمتان على ماشيتهما تذودانها عن الحوض حتى لا تختلط ولا تشرب فسألهما لذلك قائلاً : { ما خطبكما } أي ما شأنكما فأجابتاه قائلتين : { لا نسقي حتى يصدر الرعاء } لضعفنا وعدم رغبتنا في الاختلاط بالرجال { وأبونا شيخ كبير } لا يقوي على سقي هذه الماشية بنفسه فنحن نسقيها ولكن بعد أن يصدر الرعاء ويبقى في الحوض ماء نسقي به .

الهداية :

- بيان فضل الحياء وشرف المؤمنات اللائي يتعففن عن الاختلاط بالرجال .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

قوله تعالى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 ) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( 26 ) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } .

سار موسى في طريقه فرارا من ظلم فرعون حتى بلغ ماء مدين . وهي بئر يردها رعاء الشاء ، فوجد عندها جماعة من الناس يسقون أنعامهم ومواشيهم { وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } أي وجد امرأتين تحبسان غنمها وتمنعانها من ورد الماء والاستسقاء فتختلط بغنم الناس لئلا تتأذيا بالمزاحمة . وكأنهما رغبتا في الانتظار ريثما يفرغ الناس من سقي مواشيهم وتخلو لهم البئر . فلما رآهما موسى رقّ لهما وكان من طبعه الغيرة والحماسة وسرعة التأثر والنخوة فسألهما { مَا خَطْبُكُمَا } أي ما شأنكما معتزلين لا تسقيان مع الناس ، فأجابتاه في خلق رفيع وأدب بالغ جم { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } { يُصْدِرَ } أي يرجع{[3489]} و { الرِّعَاء } ، أو الرعاة والرعيان جمع راع . والمعنى : أننا نظل معتزلتين عن مزاحمة الرجال خشية التأذي حتى يفرغ هؤلاء الرعاة من سقي مواشيهم فيتركوا الماء ليقفلوا راجعين وبعد ذلك نسقي غنمنا { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } لا يقوى أبونا على سقي الغنم لكبره وضعفه .


[3489]:أساس البلاغة ص 350.