صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

{ لا إكراه في الدين }معناه على ما ذكر أبو مسلم والقفال : ليس في الدين – وهو عقد في

القلب وإذعان في النفس- إكراه وإجبار من الله تعالى ، بل مبناه على التمكين والاختيار ، وهو مناط الثواب والعقاب ، ولولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار ، ولبطل الامتحان ، وهو كقوله تعالى : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر }{[69]} . وقيل : معناه إن من حق العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن الإيمان بالله وطاعته رشد ، والكفر به ومعصيته غي-ألا يحتاج إلى الإكراه على التدين بالاسلام الحنيف ، بل يختاره من غير تردد . والجملة على المعنيين خبرية . وقيل : خبر في معنى النهى ، أي لا تكرهوا في الدين ولا تجبروا عليه أحدا ، فإنه بين واضح الدلائل والبراهين . فمن هداه الله له ، ونور بصيرته دخل فيه على بينة ، ومن أضله الله وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه .

وهو عام منسوخ بقوله تعالى : { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم }{[70]} . أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية . وعن ابن عباس : أنها نزلت في أولاد الأنصار الذين تهودوا قبل الاسلام ، وأراد أهلوهم من الأنصار استردادهم حين أجليت بنو النضير في السنة الرابعة ، فقال الرسول صلى عليه وسلم إثر نزول الآية : ( قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم ) .

أما الجهاد الذي فرضه الله على المؤمنين فليس للإكراه على الاسلام والعقيدة ، وإنما هو من أجل بقاء الكفار على جحود حق الله وعصيانهم أمره ومحادته ، بعد وضوح الحجج وظهور الدلائل والإعذار إليهم ، ولحملهم على العمل بشريعته والانقياد لأحكامه ، ولحماية الدعوة والحق الذي جاءت به من عدوانهم ، وليكون الدين كله لله وحده ، قال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله }{[71]} .

{ تبين الرشد }تميز الحق من الباطل ، والهدى من الضلال ، بوضوح الدلائل . والرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، مصدر رشد يرشد ويرشد ، أي اهتدى . والمراد هنا : الحق والهدى .

والغي : الضلال ، مصدر غوى يغوي أي ضل ، والاسم الغواية .

{ بالطاغوت }اسم لكل ما يطغى الإنسان ، كالأصنام والأوثان والشيطان والكاهن والساحر ، وكل رأس في الضلال ، وكل ما عبد من دون الله تعالى . من طغا يطغو طغوا وطغوانا . أو طغى-كرضي وسعي- طغيا وطغيانا ، إذا جاوز الحد وغلا في الكفر ، وأسرف في المعاصي والظلم .

{ استمسك بالعروة }ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى ، وهي الإيمان أو القرآن أو الاعتقاد

الحق ، أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى . والعروة من الدلو والكوز : مقبضه . ومن الثوب : مدخل زره . استعملت في المعاني المذكورة على سبيل التجوز . والوثقي : تأنيث الأوثق ، من وثق-بالضم-وثاقة ، قوي وثبت فهو وثيق ، أي ثابت محكم .


[69]:آية 29 الكهف .
[70]:: آية 73 التوبة.
[71]:آية 193 من هذه السورة.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

ثم قال تعالى :

{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه ، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه ، غامضة أثاره ، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس ، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول ، وظهرت طرقه ، وتبين أمره ، وعرف الرشد من الغي ، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره ، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة ، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل ، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح ، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين ، لعدم النتيجة والفائدة فيه ، والمكره ليس إيمانه صحيحا ، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين ، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق ، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له ، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر ، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب ، كما هو قول كثير من العلماء ، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان ، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي : بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه ، وكان المتمسك به على ثقة من أمره ، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت ، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة ، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر ، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها .