الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ} (17)

ثم قال تعالى : { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } أي : والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وهو كل ما يعبد من دون الله .

وقيل : هو إبليس اللعين{[58790]} .

قال الأخفش{[58791]} : ( الطاغوت جمع . ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة ){[58792]} وقال الزجاج{[58793]} : الطاغوت : الشياطين{[58794]} .

ويروى أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد{[58795]} وسعيد{[58796]} وطلحة{[58797]} والزبير{[58798]} رضي الله عليهم لما آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه أتاه هؤلاء فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا وصدقوا ، فنزل فيهم : { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها }{[58799]} الآية/ ونزل فيهم : { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه }{[58800]} .

قال مالك : الطاغوت : ( ما يعبد ){[58801]} من دون الله{[58802]} .

ثم قال تعالى : { وأنابوا إلى الله } أي : تابوا ورجعوا{[58803]} عن معاصيه أجابوا داعيه .

لهم البشرى : قال السدي : لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة{[58804]} .

ثم قال تعالى : { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } .

روى أبو عبد الرحمن{[58805]} وأبو حمدون{[58806]} عن اليزيدي{[58807]} ( عبادي ) بياء مفتوحة في الوصل ، وبغير ياء في الوقف اتباعا للخط ، وحكى ذلك أيضا ابن واصل{[58808]} عن اليزيدي ، ( وكذلك حكى إبراهيم بن اليزيدي{[58809]} ( وابن سعدان ){[58810]} كلاهما عن اليزيدي ){[58811]} .

ولم يذكر ابن سعدان الوقف ولا إبراهيم .

وأنكر أبو عبد الرحمن الوقف بغير ياء ، وقال : لا بد من الوقف بالياء لتحركها .

وقد روى الشموني{[58812]} عن الأعمش{[58813]} عن أبي بكر ( عبادي ) بياء مفتوحة{[58814]} .

ومعنى الآية : فبشر يا محمد عبادي{[58815]} الذين يستمعون القول فيتبعون أرشده وأهداه إلى الحق وأدله على توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته .

وقال السدي : معناه : فيتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعملون به{[58816]} .

وقال الضحاك : القول هنا : القرآن{[58817]} .

ومعنى : { فيتبعون أحسنه } أي : يتبعون ما أمر الله{[58818]} به الأنبياء من طاعته فيعملون به أي : يستمعون{[58819]} العفو عن الظالم والعقوبة ، فيتبعون العفو{[58820]} ويتركون العقوبة وإن كانت لهم . وإنما نزل ذلك فيما وقع في القرآن في الإباحة فيفعلون الأفضل مما أبيح لهم فيختارون العفو على القصاص والصبر على الانتقام اقتداء بقوله تعالى : { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور }{[58821]} .

وقيل : المعنى : يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن{[58822]} .

ثم قال : { أولئك الذين هداهم الله } ، أي : وفقهم الله{[58823]} للرشاد وإصابة الحق { وأولئك هم أولوا الألباب } أي : العقول . وَلَبُّ كل شيء : خالصه .

وروي أن هذه الآية نزلت في رهط معروفين وحدّوا الله وتبروا من عبادة كل ما دون الله قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم{[58824]} وهم فيما روى زيد بن أسلم{[58825]} : زيد بن عمرو بن نفيل{[58826]} وأبو ذر الغفاري{[58827]} وسلمان الفارسي كانوا في الجاهلية يقولون : لا إله إلا الله{[58828]} .

فيكون المعنى : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم وأنابوا إلى الله سبحانه ، أي : رجعوا إلى توحيد الله عز وجل .

وقوله : { فيتبعون أحسنه } ، هو : لا إله إلا الله .

{ أولئك الذين هداهم الله } أي : أرشدهم بغير كتاب ولا نبي .

وقوله : { فبشر عباد } تمام عند أبي حاتم وغيره ، لأنه رأس آية{[58829]} .

ورفع{[58830]} ( الذين ) بإضمار رافع ، أو بنصبهم{[58831]} على إضمار ناصب .


[58790]:قاله مجاهد والسدي وابن زيد. انظر: المحرر الوجيز 14/72.
[58791]:هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي، أبو الحسن، المشهور بالأخفش الأوسط: لغوي، نحوي، أخذ عن سيبويه والخليل. توفي سنة 215 هـ. انظر: وفيات الأعيان 2/380 ت 264 وبغية الوعاة 1/590 ت 1244.
[58792]:انظر: إعراب النحاس 4/8، وجامع القرطبي 15/243.
[58793]:هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج من علماء اللغة والنحو كان من تلاميذ المبرد ومن خاصته ألف عدة كتب منها: (معاني القرآن وإعرابه) توفي سنة 315 هـ انظر: إنباء الرواة 1/195-196، والمنتظم 6/176 ت 290، وبغية الوعاة 1/411 ت 825.
[58794]:انظر: معاني الزجاج 4/349.
[58795]:هو سعد بن أبي وقاص، أبو إسحاق، القرشي الزهري، فاتح العراق ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عينهم عمر للخلافة بعده، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة توفي سنة 55 هـ. انظر: صفة الصفوة 1/356 ت9، والإصابة 2/33 ت 3194.
[58796]:هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي، أبو الأعور، صحابي، من خيارهم، هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها إلا بدرا، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، توفي سنة 51 هـ. انظر: الإصابة 2/46 ت 3261، وتقريب التهذيب 1/296، وشجرة النور الزكية 2/76.
[58797]:هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي القرشي، أبو محمد. أحد المبشرين بالجنة، استشهد يوم الجمل سنة 36 هـ. انظر: طبقات ابن سعد 3/214، والحلية 1/87 ت 5، وصفة الصفوة 1/630 ت 6.
[58798]:هو الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي أبو عبد الله، الصحابي الشجاع، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد المبشرين بالجنة. استشهد في معركة الجمل سنة 36 هـ. انظر: طبقات ابن سعد 3/100، والحلية 1/89 ت 6، والإصابة 1/545 ت 2789.
[58799]:الزمر آية 16.
[58800]:الزمر: 16 و17. وانظر: أسباب النزول 147.
[58801]:(ح): فيعبدون.
[58802]:انظر: أحكام ابن العربي 4/1657.
[58803]:(ع): وأرجعوا.
[58804]:انظر: جامع البيان 23/132.
[58805]:هو عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن العدوي العمري، مقرئ كان شيخ مكة وقارئها ومحدثها. درس علم القراءات في البصرة ثلاثين عاما، وفي مكة خمسة وثلاثين عاما، وتوفي سنة 213 هـ. انظر: غاية النهاية 1/463 ت 1534، والتقريب 1/462.
[58806]:هو الطيب بن إسماعيل بن أبي تراب، أبو حمدون الذهلي البغدادي. مقرئ ضابط حاذق ثقة صالح, قرأ على اليزيدي والعجلي ويعقوب الحضرمي، وتوفي سنة 240. انظر: غاية النهاية 1/343 ت 1489، والنشر 1/156.
[58807]:هو يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي أبو محمد اليزيدي. عالم بالعربية والأدب من أهل البصرة، من كتبه: المقصور والممدود توفي سنة 202 هـ. انظر: حجة القراءات 68، ووفيات الأعيان 6/183 ت 799.
[58808]:لم أقف على ترجمة ابن واصل.
[58809]:هو إبراهيم بن يحيى بن المبارك، أبو إسحاق اليزيدي العدوي، أديب وشاعر من ندماء المأمون العباسي. صنف كتبا منها: (النقط والشكل) و(ما اتفق لفظه واختلف معناه). وهو بصري سكن بغداد. توفي سنة 225 هـ. انظر: تاريخ بغداد 6/209 ت 3264، وإنباه الرواة 1/189 ت 117، وبغية الوعاة 1/434 ت 880.
[58810]:(ح): ابن مسعود أن.
[58811]:هو محمد بن سعيدان الكوفي، أبو جعفر، نحوي مقرئ له كتب في النحو والقراءات منها: (الجامع) و(المجرد) وغيرهما. انظر: تاريخ بغداد 5/324 ت 2846، وبغية الوعاة 1/111 ت 182.
[58812]:(ح): السموني بسين مهملة.
[58813]:(ع): الأعشى.
[58814]:رد مكي هذه الرواية عن أبي بكر وأكد أن الحذف هو المعمول به. انظر: الكشف 2/238.
[58815]:(ح): عباد.
[58816]:انظر: جامع البيان 23/132.
[58817]:انظر: المحرر الوجيز 14/73.
[58818]:ساقط من (ح).
[58819]:(ح): يسمعون.
[58820]:(ح): العفو عن الظالم.
[58821]:الشورى آية 40.
[58822]:قاله الزجاج في معانيه 4/349، والقرطبي في جامعه 15/244.
[58823]:ساقط من (ح).
[58824]:انظر: جامع البيان 23/132.
[58825]:هو زيد بن أسلم العدوى المدني أبو أسامة: فقيه، مفسر، كثير الحديث. توفي سنة 136 هـ. انظر: الحلية 3/221 ت 239، وتذكرة الحفاظ 1/132 ت 118، والتقريب 1/272.
[58826]:هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي. أحد حكماء الجاهلية وهو ابن عم عمر ابن الخطاب، لم يدرك الإسلام، وكان يكره عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها. كان يعبد الله على دين إبراهيم. توفي سنة 17 قبل الهجرة. انظر: جمهرة الأنساب 150، والإصابة 1/569 ت 2923، وخزانة الأدب 6/416.
[58827]:هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، أبو ذر. من كبار الصحابة، وهو خامس من أسلم وأول من حيى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام. توفي سنة 32 هـ. انظر: طبقات ابن سعد 4/219، وتذكرة الحفاظ 1/17 ت 1 والإصابة 4/62 ت 384.
[58828]:انظر: جامع البيان 23/132 والمحرر الوجيز 14/72. وقد جاء هذا القول مجهولا في: أحكام ابن العربي 4/1657، وجامع القرطبي 15/244.
[58829]:انظر: ذلك في القطع والإئتناف 620. وقد قال الداني بهذا الوقف أيضا في المكتفى 488. والأشموني في نار الهدى 270. انظر: تعريف الوقف التام في الصفحة 6237.
[58830]:(ح): ويرفع.
[58831]:(ح): ينصبهم.