فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ} (17)

{ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ } هو بناء مبالغة في المصدر كالرحموت والعظموت وهو الأوثان والشيطان ، وقال مجاهد وابن زيد : هو الشيطان وقال الضحاك والسدي : هو الأوثان وقيل : إنه الكاهن ، وقيل : هو اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت ، وقيل : إنه اسم عربي مشتق من الطغيان إلا أن فيها قلبا بتقديم اللام على العين ، وفيها مبالغات ، وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان ، وإن البناء بناء مبالغة وهو للاختصاص إذ لا تطلق على غير الشيطان قال الأخفش : الطاغوت جمع ، ويجوز أن يكون واحده مؤنثا . والمعنى أعرضوا عن عبادته وخصوا عبادتهم بالله عز وجل ، وقوله :

{ أَنْ يَعْبُدُوهَا } في محل نصب على البدل من الطاغوت ، بدل اشتمال كأنه قال اجتنبوا عبادة الطاغوت ، وقد تقدم الكلام على تفسير الطاغوت مستوفى في سورة البقرة .

{ وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ } معطوف على اجتنبوا ، والمعنى رجعوا إليه بالكلية ، وأقبلوا على عبادته ، معرضين عما سواه { لَهُمُ الْبُشْرَى } بالثواب الجزيل وهو الجنة ، وهذه البشرى إما على ألسنة الرسل ، أو على ألسنة الملائكة عند حضور الموت أو عند البعث أو من الله تعالى لقوله { تحيتهم يوم يلقونه سلام } ولا مانع أن يكون من الله ومن الملائكة ، فإن فضل الله واسع .

وقيل : لهم البشرى في الدنيا بالثناء عليهم بصالح أعمالهم ، وعند الوضع في القبر ، وفي الآخرة عند الخروج من القبر وعند الوقوف للحساب ، وعند جواز الصراط وعند دخول الجنة ، وفي الجنة ، ففي كل موقف من هذه المواقف تحصل لهم البشارة ، بنوع من الخير والراحة والروح والريحان .

{ فَبَشِّرْ عِبَادِ } المراد بالعباد هنا العموم فيدخل الموصوفون بالاجتناب والإنابة إليه دخولا أوليا وقيل : المراد بهم هم الموصوفون باجتناب الأوثان والإنابة إلى الله فالمقام للضمير ، وإنما أتى به ظاهرا توصلا لوصفهم بما ذكر .