جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
ومن يقتل مؤمنا عامدا قتله، مريدا إتلاف نفسه، {فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ}: فثوابه من قتله إياه جهنم، يعني: عذاب جهنم، {خَالدا فيها}: باقيا فيها. والهاء والألف في قوله: «فيها» من ذكر جهنم.
{وَغَضبَ اللّهِ عَلَيْهِ}: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمدا،
{وَلَعَنَهُ}: وأبعده من رحمته وأخزاه وأعدّ له عذابا عظيما، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره.
واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحقّ صاحبه أن يسمّى متعمدا بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجل رجلاً بحدّ حديد يجرح بحدّه، أو يَبْضَع ويقطع، فلم يقلع عنه ضربا به، حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه به قاصد ضربه أنه عامد قتله. ثم اختلفوا فيما عدا ذلك؛ فقال بعضهم: لا عمد إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا. قال عطاء: العمد: السلاح أو قال: الحديد.
وقال آخرون: كل ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل. عن عبيد بن عمير، أنه قال: وأيّ عمد هو أعمد من أن يضرب رجلاً بعصا ثم لا يقلع عنه حتى يموت.
عن إبراهيم، قال: إذا خنقه بحبل حتى يموت أو ضربه بخشبة حتى يموت فهو القود.
وعلة من قال كلّ ما عدا الحديد خطأ، ما:
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير، قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كُلّ شَيْءٍ خَطَأٌ إلاّ السّيْفَ، وَلِكُلّ خَطَأٍ أرْشٌ».
وعلة من قال: حكم كلّ ما قتل المضروب به من شيء حكم السيف من أن من قتل به قتيل عمد، ما:
حدثنا به ابن بشار، قال: حدثنا أبو الوليد، قا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن يهوديّا قتل جارية على أوضاح لها بين حجرين، فأتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقتله بين حجرين.
قالوا: فأقاد النبيّ صلى الله عليه وسلم من قاتل بحجر وذلك غير حديد. قالوا: وكذلك حكم كلّ من قتل رجلاً بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثل المقتول به، نظير حكم اليهودي القاتل الجارية بين الحجرين.
والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال: كل من ضرب إنسانا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسه به أنه قاتل عمد ما كان المضروب به من شيء¹ للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خالِدا فِيها} فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه؛ فقال بعضهم: معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه.
وقال آخرون: عُني بذلك رجل بعينه كان أسلم، فارتدّ عن إسلامه وقتل رجلاً مؤمنا قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنا متعمدا مستحلاّ قتله، فجزاؤه جهنم خالدا فيها... عن عكرمة: أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبيّ صلى الله عليه وسلم الدية قبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار، ثم بعث مِقْيَسا وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيس الفهري وكان أيّدا، فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أظُنّهُ قَدْ أحْدَثَ حَدَثا، أمَا وَاللّهِ لَئِنْ كانَ فَعَلَ لا أُؤَمّنُهُ فِي حِلّ وَلا حَرَمٍ، وَلا سِلْمٍ وَلا حَرْبٍ» فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا...}
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من تاب. عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ} قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم.
وقال آخرون: ذلك إيجاب من الله الوعيد لقاتل المؤمن متعمدا كائنا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله. قالوا: فكلّ قاتل مؤمن عمدا فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له. وقالوا: نزلت هذه الآية بعد التي في سورة الفرقان...
عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كفّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه، وأعدّ له عذابا عظيما. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمه، وأني له التوبة والهدي، فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «ثَكِلَتْهُ أُمّهُ! رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلاً مُتَعَمّدا، جاءَ يَوْمَ القِيامَة آخِذا بِيَمِينِه أوْ بِشِمالِهِ، تَشْخُبُ أوْدَاجُهُ دَما، فِي قُبُلِ عَرْشِ الرّحْمَنِ، يَلْزَمُ قاتِلَهُ بِيَدِهِ الأُخْرَى يقولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَتَنِي». والذي نفس عبد الله بيده لقد أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتى قُبِض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدهما من برهان.
حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خالِدا فِيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وأعَدّ لَهُ عَذَابا عَظِيما} فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحا؟ فقال: وأنّى له التوبة!.
وقال [ابن عباس] في هذه الآية: {وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلها آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إلاّ بالحَقّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثاما} قال: نزلت في أهل الشرك.
عن ابن عباس في قوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنا مُتَعَمّدا} قال: ليس لقاتل توبة إلا أن يستغفر الله.
وأولى القول في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه -إنْ جزاه- جهنم خالدا فيها، ولكنه يعفو أو يتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عزّ ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يخرجه منها بفضل رحمته لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: {يا عِبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعا}.
فإن ظنّ ظانّ أن القاتل إن وجب أن يكون داخلاً في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلاً فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عزّ ذكره قد أخبر أنه غير غافر الشرك لأحد بقوله: {إنّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} والقتل دون الشرك.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يحتمل قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} لدينه، يقتله عمدا غير غالط ولا جاهل عالما بذلك، وإلى قتله ليدينه قاصدا، ومن كان هذه صفته فقد كفر، ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم إلا أن يجدد إيمانه، فإن الله تعالى يقبل إيمانه وتوبته...
ثم الدليل أن الآية في من قتل مسلما لدينه قاصدا لنفسه دون دينه قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} (البقرة: 178) وإنما كتب عليهم إذا كان القتل قتل عمد، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان. ثم قال: {فمن عفي له من أخيه شيء} فأبقى لهم اسم الأخوة. ثم قال: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} أطمعه في رحمته عز وجل، وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار. فدلت الآية على بقاء اسم الإيمان وعلى رجاء الرحمة،... وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كان في من قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه، فقال: إني قتلت تسعا وتسعين نفسا بغير حق فهل لي من توبة؟ فقال: لا، فقتله، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل، فأتاه، فقال: إني قتلت مئة نفس بغير حق، فهل لي من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها ناسا يعبدون الله، فاعبده معهم. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصم به ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأتاهم ملك، فجعلوه حكما بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، قال: أيهما كان أدنى وأقرب فهو له، فقاسوه، فوجدوه أدنى من الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة" (البخاري: 3470)...
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
غلظ الله وعيد قاتل المؤمن عمدا للمبالغة في الردع والزجر...
زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 597 هـ :
اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أم منسوخة؟
فقال قوم: هي محكمة، واحتجوا بأنها خبر، والأخبار لا تحتمل النسخ، ثم افترق هؤلاء فرقتين، إحداهما قالت: هي على ظاهرها، وقاتل المؤمن مخلد في النار. والفرقة الثانية قالت: هي عامة قد دخلها التخصيص بدليل أنه لو قتله كافر، ثم أسلم الكافر، انهدرت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قتله مستحلا، فيستحق الخلود لاستحلاله. وقال قوم: هي مخصوصة في حق من لم يتب، واستدلوا بقوله تعالى في الفرقان: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 70]. وقال آخرون: هي منسوخة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]...
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله: {يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} فلا جرم ههنا اقتصر على بيان ما فيه من الإثم والوعيد...
نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة، وقال جمهور العلماء: إنها مقبولة، ويدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: أن الكفر أعظم من هذا القتل فإذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول.
الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر الفرقان: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا} وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة: فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى.
الحجة الثالثة: قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى، والله أعلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفراً عنه هذا التنفير، ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك، إذ كان ضبط النفس بعد إرسالها شديداً، فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة، وجرت إليه ضغينة وقوت الشبه فيه شدة شكيمة، ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال أصعب من الحمل على الإقدام! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى والقدرة فقال: {ومن يقتل مؤمناً} ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان، وهو لا يكون إلا كفراً، وترك الكلام محتملاً زيادة تنفير من قتل المسلم {متعمّداً} أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره {فجزاؤه} أي على ذلك {جهنم} أي تتلقاه بحالة كريهة جداً كما تجهم المقتول {خالداَ فيها} أي ماكثاً إلى ما لا آخر له {وغضب الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له مع ذلك {عليه ولعنه} أي وأبعده من رحمته {وأعد له عذاباً عظيماً} أي لا تبلغ معرفته عقولكم، وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما قبلها وما بعدها من قوله تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48 و116] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ثم بين تعالى حكم قتل المؤمن تعمدا بما يوافق مفهوم هذه الآية من كونه ليس من شأنه أن يقع من مؤمن فلم يذكر له كفارة بل جعل عقابه أشد عقاب توعد به الكافرين فقال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما}.
هذا فرع عن كون القتل ليس من شأن المؤمن مع المؤمن لأنه ينافي الإيمان. وقال ابن عباس هذه الآية آخر آية نزلت في عقاب القتل. وقال بعض الصحابة إن قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء:48] نزل قبل هذه الآية بستة أشهر فهذه الآية مخصصة له وقد قلنا من قبل إن قوله تعالى: {لمن يشاء} فيه مع تغليظ أمر الشرك أن كل شيء بمشيئته تعالى فلو شاء أن يخصص أحدا بالمغفرة فلا مردّ لمشيئته.
وقد يقال إنه أخرج من هذه المشيئة من يقتل مؤمنا متعمدا فآية: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} نزلت ترغيبا للمشركين الذين آذوا النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان، وهم الذين نزل فيهم: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال:8] وقد نقل عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له وقالوا إن آية الفرقان نزلت في المشركين والتوبة فيها متعلقة بعدة أعمال منها القتل ومنها الشرك.
أقول ويعني بآية الفرقان قوله تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان:70] بعد أن ذكر من صفات عباد الرحمن أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، وتوعد على ذلك كله بمضاعفة العذاب والخلود فيه.
قال: وقد يقال كيف تقبل التوبة من المشرك القاتل الزاني ولا تقبل من المؤمن الذي ارتكب القتل وحده؟ ويمكن أن يُجاب من القائلين بعدم توبة القاتل بأن المشرك الذي لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور له شبه عذر لأنه كان متبعا لهواه بالكفر وما يتبعه ولم يكن ظهر له صدق النبوة وما يتبع ذلك، فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه هو كفر وضلال تاب وأناب وآمن وعمل الصالحات، فهو جدير بالعفو وإن كان في إجرامه السابق مقصرا في النظر والاستدلال، وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وتحريم الله للقتل وجعل قاتل النفس البريئة كقاتل الناس جميعا فلا عذر له، بل لا يعقل أن يرجح هواه على إيمانه مع أنه لم يطرأ على إيمانه من الشك الاضطراري ما يكون له شبه عذر. أما إذا طرأ عليه ذلك فإن حكمه حكم القاتل الكافر. وذلك أن الكافر الذي بلغته الدعوة ولم يؤمن لم يعرض عن الإيمان إلا لأن الدليل لم يظهر له على صحة النبوة، وهو يعاقب على التقصير في النظر وتصحيح الاستدلال حتى يخلد في النار. وإذا أحسن النظر وتبين له الهدى فآمن واهتدى يغفر له ما قد سلف في زمن الكفر، لأنه كان عملا مرتبا على الكفر، والكفر نفسه كان خطأ منه فأشبه قتله قتل الخطأ. ومثله من أخطأ في الدليل بعد التسليم به لشبهة عرضت على إيثاره لهواه على ما عند الله.
أما القاتل المؤمن فأمره على غير ذلك فإنه مؤمن بالله وبرسوله وبما جاء به إيمان يقين وإذعان لما جاء به الدين من تعظيم أمر الدماء، وهو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير بحكم الإيمان فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه، وحل ما عقده وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته وتجرئة الناس على مثل ذلك حتى يهن المسلمون ويضعفوا ويكون بأسهم بينهم شديدا. لا جرم أن عقابه يكون شديدا بحيث لا تقبل توبته.
ومن نظر إلى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعدما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا وأن القاتل لا يعذر بهذه الجراءة على هذه الجريمة وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله تعالى، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة، ويدل على هذا قوله تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران:134] وتأمل قوله: {يعلمون} ولو سمح الله أن يفضل أحد شهوته أو حميته وغضبه على الله ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين، ووعده بالمغفرة، لتجرأ الناس على كل شيء ولم يكن للدين ولا للشرع حرمة في قلوبهم. فهذا تقرير قول من قالوا إن القاتل لا تقبل توبته ولابد من عقابه والروايات فيه عن الصحابة والسلف كثيرة تراجع في تفسير ابن جرير.
هذا ما عندنا عن الأستاذ الإمام في الآية وهو من خير ما يبين به وجه ما ذهب إليه المشددون في هذه الجناية...
أقول: وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار وأوّله بعضهم بطول المكث فيها وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار فيقال إن المراد به طول المكث أيضا. وقال بعضهم إن هذا جزاؤه الذي يستحقه إن جازاه الله تعالى وقد يعفو عنه فلا يجازيه، رواه ابن جرير عن أبي مجلز. وفيه أن الأصل في كل جزاء أن يقع لاستحالة كذب الوعيد كالوعد وأن العفو والتجاوز قد يقع عن بعض الأفراد لأسباب يعلمها الله تعالى، فليس في هذا التأويل تفص من خلود بعض القاتلين في النار، والظاهر أنهم يكونون الأكثرين، لأن الاستثناء إنما يكون في الغالب للأقلين. وقال بعضهم إن هذا الوعيد مقيد بقيد الاستحلال والمعنى ومن يقتل مؤمنا متعمدا لقتله مستحلا له فجزاؤه جهنم خالدا فيها الخ. وفيه أن الآية ليس فيها هذا القيد ولو أراده الله تعالى لذكره كما ذكر قيد العمد، وأن الاستحلال كفر فيكون الجزاء متعلقا به لا بالقتل، والسياق يأبى هذا.
وقال بعضهم إن هذا نزل في رجل بعينه فهو خاص به. وهذا أضعف التأويلات، لا لأن العبرة بعموم اللفظ دون خصوص السبب فقط، بل لأن نص الآية على مجيئه بصيغة العموم "من "الشرطية جاء بفعل الاستقبال فقال: "ومن يقتل" ولم يقل: "ومن قتل". وقال آخرون إن هذا الجزاء حتم إلا من تاب وعمل من الصالحات ما يستحق به العفو عن هذا الجزاء كله أو بعضه. وفيه أنه اعتراف بخلود غير التائب المقبول التوبة في النار، ولعل أظهر هذه التأويلات قول من قال إن المراد بالخلود طول المكث لأن أهل اللغة استعملوا لفظ الخلود وهم لا يعتقدون أن شيئا يدوم دواما لا نهاية له. وكون حياة الآخرة لا نهاية لها لم يؤخذ من هذا اللفظ وحده بل من نصوص أخرى.
إن ابن عباس (رضي الله عنهما) كان يقول: إن قاتل المؤمن عمدا لا توبة له كما ذكرنا ذلك في عبارة شيخنا وعبارة الكشاف، ونقل ابن جرير القول بقبول توبته عن مجاهد وهو تلميذ ابن عباس. وذكر روايات كثيرة عن ابن عباس في عدم قبول توبته...
وقد بين الأستاذ الإمام الفرق بين قبول توبة المشرك من الشرك وما يتبعه من الجرائم وعدم قبول توبة المؤمن من القتل على قول ابن عباس، وهو فرق واضح معقول من وجه وغير معقول من وجه آخر، وهو أنه لا ينطبق على قاعدتنا في حكمة الله في الجزاء على الشرك والذنوب وعلى الإيمان والأعمال الصالحة وقد بيناها مرارا كثيرة، وهي أن الجزاء تابع لتأثير الاعتقاد والعمل في تزكية النفس أو تدسيتها.
نعم إن إقدام المرء بعد الإيمان ومعرفة ما عظم الله تعالى من تحريم الدماء وما شدد من الجزاء على جريمة القتل يكاد يكون ردة عن الإسلام وهو أولى بما ورد في الصحيح (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن...) وقد تقدم في بحث التوبة في تفسير هذه السورة، فإن القتل أكبر إثما وأشد جرما من الزنا والسرقة وشرب الخمر التي ورد بها الحديث، ولكن لا نسلم ما قاله شيخنا من أنه ليس لفاعله شبهة عذر بعد الإسلام، وإذا سلمنا ذلك وحكمنا بأن نفس القاتل قد صارت بالقتل شر النفوس وأشدها رجسا، وأبعدها عن موجبات الرحمة، وهو معنى ما في الآية من اللعنة، فلا نستطيع أن نحكم بأن صلاحها بالتوبة النصوح والمواظبة على الأعمال الصالحة متعذر ولا متعسر.
أما شبهة العذر أو شبهه فقد يظهر فيمن كان شديد الغضب حديد المزاج، إذا رأى من خصمه ما يثير غضبه وينسيه ربه، فقد يندفع إلى القتل لا يملك فيه نفسه، إلا أن يقال إن هذا القتل لا يعد من العمد أو التعمد الذي هو أبلغ من العمد لما في صيغة التفعل من الدلالة على معنى التربص أو التروي في الشيء. وقد ذكروا أن الضرب بما لا يقتل في الغالب إذا أفضى إلى القتل لا يسمى عمدا بل شبه عمد كالضرب بالعصا. وإنما العمد ما كان بمحدد وما في معناه مما جرت العادة بكونه يقتل كبندق الرصاص المستعمل في هذا الزمان بآلاته الجديدة كالبندقية والمسدس، واشترطوا فيه أن يقصد به القتل فإنه قد يطلق الرصاص عليه بقصد الإرهاب وهو ينوي أن لا يصيبه فيصيبه بدون قصد. ولفظ التعمد يدل على هذا وعلى أكثر منه كما قلنا آنفا.
وأما كون القاتل قد تصلح نفسه وتتزكى بالتوبة النصوح فهو معقول في نفسه وواقع ويدخل في عموم ما ورد في التوبة، ولا نعرف نفسا غير قابلة للصلاح، إلا نفس من أحاطت به خطيئته وران على قلبه ما كان يكسب من الأوزار، بطول الممارسة والتكرار، إذ يألف بذلك الشر ويأنس به حتى لا تتوجه نفسه إلى حقيقة التوبة بكراهة ما كان عليه ومقته والرجوع عنه، لا أنه يتوب ولا يقبل الله توبته.
فمن وقعت منه جريمة القتل فأدرك عقبها أنه تعرض بذلك للخلود في النار، واستحق لعنة الله تعالى والطرد من رحمته، وباء بغضبه وتهول في عذابه العظيم، فعظم عليه ذنبه، وضاقت عليه نفسه، فندم أشد الندم، فأناب واستغفر، وعزم على أن لا يعود إلى هذا الحنث العظيم، ولا إلى غيره من المعاصي والأوزار، وأقبل على المكفرات، وواظب على الباقيات الصالحات، إلى أن أدركه الممات، وهو على هذه الحال، فهو ولا شك في محل الرجاء، وحاش لله أن يخلد مثله في النار.
نعم إن أمراء الجور الذين يسفكون دماء من يخالفون أهواءهم، وزعماء السياسة الذين يجعلون من قوانين جمعياتهم اغتيال من يعارضهم في سياستهم، وكبراء اللصوص الذين يقتلون المؤمن وغير المؤمن بغير الحق لأجل التمتع بماله، كل أولئك الفجار، الذين يقتلون مع التعمد وسبق الإصرار، جديرون بأن ينالوا الجزاء الذي توعدت به الآية من الخلود في النار، ولعنة الله وغضبه وعذابه العظيم الذي لا يعرف كنهه سواه عز وجل، لأنهم وإن كان فيهم من يعدون في كتب تقويم البلدان ودفاتر الإحصاء وسجلات الحكومة من المسلمين ليسوا في الحقيقة من المؤمنين بالله وبصدق كتابه ورسوله فيما أخبرا به من وعيده على القتل وغيره، فهم لا يراقبون الله في عمل، ولا يخافون عقابه على ذنب، وقلما يوجد فيهم من يذكر التوبة بقلبه أو لسانه، إلا ما يذكر عن بعض عوام اللصوص من حركة اللسان ببعض الألفاظ التي لا يعقلون حقيقة معناها، ومنها: أستغفر الله وأتوب إليه، وهو يكذب في ذلك عليه.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق شمس الدين بن القيم رحمه الله في "المدارج "فإنه قال -بعدما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال:
وقالت فِرقَة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص. فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات، اعتبارًا بمقتضي العقاب ومانعه، وإعمالا لأرجحها...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ذلك القتل الخطأ. فأما القتل العمد، فهو الكبيرة التي لا ترتكب مع إيمان؛ والتي لا تكفر عنها دية ولا عتق رقبة؛ وإنما يوكل جزاؤها إلى عذاب الله:
(من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه. وأعد له عذابا عظيمًا)..
إنها جريمة قتل لا لنفس فحسب -بغير حق- ولكنها كذلك جريمة قتل للوشيجة العزيزة الحبيبة الكريمة العظيمة، التي أنشأها الله بين المسلم والمسلم. إنها تنكر للإيمان ذاته وللعقيدة نفسها.
ومن ثم قرنت بالشرك في مواضع كثيرة؛ واتجه بعضهم -ومنهم ابن عباس- إلى أنه لا توبة منها.. ولكن البعض الآخر استند إلى قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).. فرجا للقاتل التائب المغفرة.. وفسر الخلود بأنه الدهر الطويل.
والذين تربوا في مدرسة الإسلام الأولى، كانوا يرون قاتلي آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، -قبل إسلامهم- يمشون على الأرض -وقد دخلوا في الإسلام- فيهيج في نفوس بعضهم ما يهيج من المرارة. ولكنهم لا يفكرون في قتلهم. لا يفكرون مرة واحدة؛ ولا يخطر لهم هذا الخاطر في أشد الحالات وجدا ولذعا ومرارة. بل إنهم لم يفكروا في إنقاصهم حقا واحدا من حقوقهم التي يخولها لهم الإسلام.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
هذا هو المقصود من التشريع لأحكام القتل، لأنّه هو المتوقّع حصوله من الناس، وإنّما أخّر لتهويل أمره، فابتدأ بذكر قتْل الخطأ بعنوان قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ}... والمتعمّد: القاصد للقتل،... والأفعال كلّها لا تخرج عن حالتي عمد وخطأ، ويعرف التعمّد بأن يكون فعلاً لا يفعله أحد بأحد إلاّ وهو قاصد إزهاق روحه بخصوصه بما تُزهق به الأرواح في متعارف الناس...
وقوله: {خالداً فيها} مَحْمَلهُ عند جمهور علماء السنّة على طول المُكث في النار لأجل قتل المؤمن عمداً، لأنّ قتل النفس ليس كفراً بالله ورسوله، ولا خلودَ في النار إلاّ للكفر، على قول علمائنا من أهل السنّة، فتعيّن تأويل الخلود بالمبالغة في طول المكث، وهو استعمال عربي...
والحقّ أنّ محلّ التأويل ليس هو تقدّمَ النزول أو تأخُّره، ولكنّه في حمل مطلق الآية على الأدلّة التي قيّدت جميع أدلّة العقوبات الأخروية بحالة عدم التوبة...
المؤكّدات هنا [في قوله: وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابا عظيما] مختلفة المعاني فلا يصحّ أن يعتبر أحدها مؤكّداً لمدلول الآخر بل إنّما أكَّدت الغرض. وهو الوعيد، لا أنواعه...
هكذا يبشع الحق لنا جريمة القتل العمد. لأن التعمد يعني أن القاتل قد عاش في فكرة أن يقتل، ولذلك يقال في القانون "قتل مع سبق الإصرار". أي أن القاتل قد عاش القتل في تخيله ثم في فعله، وكان المفروض في الفترة التي يرتب فيها القتل أن يراجعه وازعه الديني، وهذا يعني أن الله قد غاب عن باله مدة التحضير للجريمة، ومادام قد عاش ذلك فهو قد غاب عن الله، فلو جاء الله في باله لتراجع، ومادام الإنسان قد غاب باله عن الله فالله يغيبه عن رحمته... وهنا نجد أكثر من مرحلة في العذاب: جزاء جهنم، خلود في النار، غضب من الله، لعنة من الله، إعداد من الله لعذاب عظيم؟ فكان جهنم ليست كل العذاب؛ ففيه عذاب وفيه خلود في النار وفيه غضب وفيه لعنة ثم إعداد لعذاب عظيم...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 92]
لقد أعطى الإسلام للإنسان أهمية كبيرة في مفاهيمه وتشريعاته، فاعتبر الحياة الإنسانية قيمة عظيمة في وعي الإنسان المسلم ووجدانه، مما ولّد في داخله شعوراً باحترامها على مستوى وجوب الاحتياط في حفظها وسلامتها، لكونها ملكاً لله الذي لا يبيح لأحد التصرف فيها بالقتل إلا بإذن الله،... وعلى هذا الأساس تكون المعادلة الإسلامية التشريعية أن الإنسان كلما ازداد إيماناً، كلما ازداد بُعداً عن الاعتداء على أرواح الناس واحتراماً لحياتهم؛ مما يجعل من الإيمان عنصر ضمانٍ للحياة العامة، كما هو عنصر ضمان للحياة الخاصة...
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} إذ ذاك من الكبائر التي يستحق عليها الخلود في النار، لأن تعمّد قتل المؤمن يدل على نفسية خبيثة حاقدة، لا تحترم الحياة ولا تحترم الإيمان. وقد وردت في السنَّة أحاديث تدل على أن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة سبعين مرة، مما يوحي بالفكرة التي قدمناها في بداية الحديث بأنَّ قيمة حياة المؤمن عند الله في المستوى الكبير من الأهمية والاحترام...
ولكن ذلك لا يمنع من قبول توبة القاتل إذا تاب لله وندم على فعله، مع الاحتفاظ بحق أولياء الدم في القصاص أو الدية، فإن الله يغفر الذنوب جميعاً ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء ويقبل التوبة عن عباده، حتى أن الشرك يمكن أن يغفرْه الله لمن تاب عنه ودخل في الإسلام. أما قضية الحديث عن الخلود في النار للقاتل، فإنها تتصل بالاستحقاق كأية معصية كبيرة، ولا تتصل بالفعلية، كأيّ ذنبٍ من الذنوب التي يستحق الإنسان عليها العقاب، ولكن يمكن للعفو الإلهي أن ينال المذنبين إذا تابوا وإذا انفتحت عليهم رحمة الله. وعلى ضوء هذا، فلا بد من تأويل الروايات الدالة على أنه «لا توبة لقاتل المؤمن إلا إذا قتله في حال الشرك ثم أسلم وتاب» كما عن ابن عباس بحملها على عدم سقوط القصاص بتوبته، باعتبار أن ذلك يدخل في حقوق الناس لا في حق الله المجرد، مما يجعل القضية خاضعةً لموقف أولياء الدم، وربما تحمل هذه الروايات على سلوك سبيل التغليظ في القتل، كما روي عن سفيان الثوري أنّه سئل عن توبة القاتل، فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي الرّجل قالوا له: تب...
وقد نقل صاحب مجمع البيان عن بعض الإمامية أن قاتل المؤمن لا يوفق للتوبة، بمعنى أنه لا يختار التوبة. ونلاحظ عليه أنّ هذا خلاف الواقع، لأننا نعرف الكثيرين من القتلة تابوا توبة نصوحاً، وندموا على ذلك...
قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) وهذه إحدى الجرائم الفظيعة التي يشدد عليها الإسلام ؛ لأنها غاية في البشاعة والنكر ، ولأنها من القواصم الفادحة التي تضطرب بسببها أوضاع الناس فضلا عن إزهاق أرواحهم بغير حق .
إن الاعتداء على الإنسان بإزهاق روحه لهو من أنكر الفوادح والموبقات التي تودي بالفاعل المجرم إلى الدركات السحيقة من عذاب الله ، وهو كذلك مجلبة لغضب الله ولعنته سبحانه ، ليحيقا بالقاتل الأًثيم الذي يتجاسر في اجتراء كنود ظالم على قتل امرئ مؤمن ، لا جرم أن ذلك غاية في النكر والفظاعة ولا غرو ، فقد أعدّ الله لهؤلاء القتلة السفّاحين نارا تلظّى تصطلي بلهيبها جلودهم ليذوقوا وبال أمرهم . وهو عذاب شنيع لا يطاق يتكبكب فيه من تجرأ في صلف وظلم فأودى بحياة امرئ وادع مطمئن .
روى النسائي في سننه عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله ( ص ) : " قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا " وروى أبو داود عن النبي ( ص ) قول : " لو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل لأكبّهم الله في النار " .
وأخرج النسائي أيضا بإسناده عن ابن عباس أنه سأله سائل فقال : يا أبا العبّاس هل للقاتل توبة ؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته : ماذا تقول ! مرتين أو ثلاثا . ثم قال ابن عباس : ويحك ! وأنّى له توبة ! سمعت نبيّكم ( ص ) يقول : " يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى : رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل : تعست ويذهب به إلى النار " .
والقاتل عمدا فيما إذا كانت له توبة أم لا ، فثمة قولان في هذه المسألة . والقول الأول لجماعة منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وآخرون وهو أن الذي يقتل عمدا ليست له توبة أبدا وأنه خالد في النار . فقد ذكر عن ابن عباس قوله : نزلت هذه الآية ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) وهي آخر ما نزل ( في حكم القتل ) وما نسخها شيء . وهو كذلك يذهب إلى أن عموم هذه الآية ينفي التوبة عن القاتل عمدا وهو مخصص لعموم قوله تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) الذي استند إليه المحتجون بإمكانية وقوع التوبة للقاتل عمدا . وقال ابن عباس كذلك أنه يمكن الجمع بين هاتين الآيتين على النحو التالي : التقدير هو : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا . أما القول الثاني فهو لجمهور أهل العلم وهو أن القاتل عمدا له توبة بدليل قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقوله سبحانه : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) واستندوا أيضا لظاهر قوله تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله النبي ( ص ) : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وفي مجموع هذه الأدلة ما يرجح القول الثاني وهو أن القاتل العمد إذا تاب وأناب ، وإذا أخلص التوبة في ندم شديد فإن الله جل وعلا يقبل التوبة وذلك الذي نميل إليه .
أما الخلود الوارد في الآية فأفضل التأويل فيه أن يطلق على غير التأييد وأن المقصود به طول المكث .
قوله : ( ومن يقتل ) اسم الشرط وفعله . وجواب الشرط في الجملة الاسمية من قوله تعالى : ( فجزاؤه جهنم ) والفاء مقترنة بجواب الشرط .
وخلاصة القول في صفة القتل العمد أنه ما استعملت فيه آلة وكان مثلها يقتل غالبا على أن يقترن ذلك بقصد القتل . يستوي في ذلك أن يكون القتل بالحديد كالسيف أو الخنجر أو الرمح أو السكّين مادام ذلك يقتل غالبا ، أو أن يكون بالمثقل كالضرب بالحجر الكبير أو إخماد سقف ونحوه وهو من شانه أن يقتل ، أو أن يكون القتل تحريقا بالنار أو تغريقا في الماء فذلك كله ضروب في القتل ؛ لأن من شأنه أن يقتل في الغالب . وهذا هو القتل العمد الذي يستوجب القود إلا أن يعفو ولي القتيل مطلقا أو يعفوا على الدية فقط .
أما إذا وقع القتل بآلة لا تقتل في الغالب كالقذف بحجر صغير أو الضرب بعصا خفية أو العضة أو اللطمة ونحو ذلك فإن القتل في مثل هذه الأحوال يسمّى شبه عمد . وهو أن تجتمع النية لدى القاتل على ضرب القتيل ولكن بآلة لا تقتل غالبا كالمعلم يضرب تلميذه بعصا خفيفة ليؤدّبه ثم يموت فما كان المعلم يقصد بذلك القتل ، وإن قصد أن يضرب تلميذه بالذات . وهذا النوع من القتل يأتي وسطا بين العمد والخطأ فلا هو بالعمد الذي يقع بآلة تقتل في الغالب مقترنا بالنية في قتل الشخص نفسه . وعلى هذا فشبه العمد هو ما كان القصد بضرب الشخص نفسه حاصلا إلا أن الآلة التي حصل بها القتل ليس من شأنها أن تقتل غالبا .
وهذا الصنف من القتل ( شبه العمد ) ذهب إليه كثير من أهل العلم منهم الشعبي والنخعي وقتادة والثوري والحنفية والشافعية وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وقد أنكر ذلك جماعة آخرون منهم الإمام مالك والليث بن سعد . وقيل : إن ذلك قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين وقد نقل عن الإمام مالك قوله : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ وأما شبه العمد فلا نعرفه . وذكر عن مالك والليث أن من قتل بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود ( القصاص ) .
والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم وهو أن شبه العمد نوع من القتل متميز فلا هو بالعمد الذي يحققه قصد القتل أو النية المسبقة لذلك ، مع الضرب الذي يقع على شخص معيّن مقصود بآلة تقتل غالبا . ولا هو بالخطأ الذي تحقق فيه النية في القتل بآلة تقتل غالبا لكن القتيل ما كان مقصودا للقاتل بل غيره هو الذي كان مقصودا . وحقيقة شبه العمد ليست على أحد من هذين النوعين من القتل فهو بذلك أخرى أن يأخذ من التسمية ما يجعله مستقلا وذلك من حيث الصورة التي يجيء عليها ومن حيث الحكم الذي يجعله له الشرع .
فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ( ص ) قال : " ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " .
وروى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله ( ص ) قال : " العمد قود اليد ، والخطأ عقل لا قود فيه ، ومن قتل في عمّية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلّظة في أسنان الإبل " والعمية بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المفتوحة . ومعناه أن يقع القتل في حال يعمى فيه أمر المقتول فلا يعرف قاتله ولا كيف قتل .
وروى الدارقطني أيضا بإسناده عن عمرو بن شعب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله ( ص ) : " عقل شبه العمد مغلّظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه " .
تلك نصوص تحوي الدليل على صحة ما قاله الجمهور وهو قتل شبه العمد ، وهو قتل يشبه كلا من الخطأ والعمد بعض الشبه ولكنه لا يستوي مع احدهما تمام الاستواء من حيث الصورة والحكم .
أما الذي يتلزم بدفع دية شبه العمد فموضع خلاف . فقد قيل إن الذي يلتزم بذلك هو القائل نفسه فتجب الدية عليه في ماله ، وهو رأي بعض أهل العلم منهم ابن شبرمة وقتادة وأبو ثور . وثمة قول ثان وهو الراجح وهو مذهب الجمهور منهم الشعبي والنخعي والشافعي والثوري وأحمد بن حنبل والحنفية كلهم . فقد ذهب هؤلاء وغيرهم إلى أن دية القتل شبه العمد تجب على عاقلة القاتل وهم أولياؤه الورثة .
وفي تعزيز هذا الرأي وترجيحه ما رواه أبو هريرة عن النبي ( ص ) أنه جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة . وذلك حديث المرأتين اللتين اقتتلتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ومن في بطنها فقضي النبي فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة وبذلك فإن الدية في قتل الخطأ والديه المغلظة في شبه العمد إنما تجب كل واحدة منهما في مال العاقلة . وذلك على سبيل العون وبذلك المساعدة للقاتل ما دامت فعلته لم تقترن بسوء النية أو القصد المبيت . وعلى هذا فإن النية من حيث وجودها وعدمه لهي الأساس الركين الذي تقوم عليه الأحكام والمقاييس الشرعية ، وهي كذلك الأصل الذي تفترق به القضايا والمسائل لتأخذ أحكاما متفاوتة شتى .
والنية شأنها عظيم فإن ما يتميز الحرام من الحلال أو الخبيث من الطيّب مثلما يتميز الطيبون في مقارفات تساورها البراءة من قصد الأذى والبائقة ، من الأشرار الذين تختلط قلوبهم بالشر المبيّت قبل الفعل أو القول . وليس للطيب عندئذ إلا أن تتحقق له المعاذير لينجو من عقاب الآخرة الشديد ، لكن الخبيث الشرير هو الذي يوجب الشرع أن يحيق به عقاب ملائم في الآخرة جزاء ما قارفت يداه عن سوء في النية والمقصود . وأعظم ما يجيء في هذا الصدد من شواهد السنة الطاهرة هو حديث النبي ( ص ) : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " {[813]} .