جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وهذه الآية أنزلت إعلاما من الله جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، أخلاقَ الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من اليهود... وأن الذي هموا به من الغدر ونقض العهد الذي بينهم وبينه من صفاتهم وصفات أوائلهم وأخلاقهم وأخلاق أسلافهم قديما، واحتجاجا لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود باطلاعه إياه على ما كان علمه عندهم دون العرب من خفيّ أمورهم ومكنون علومهم، وتوبيخا لليهود في تماديهم في الغيّ، وإصرارهم على الكفر مع علمهم بخطأ ما هم عليهم مقيمون. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تستعظموا أمر الذين هموا ببسط أيديهم إليهم من هؤلاء اليهود بما هموا به لكم، ولا أمر الغدر الذي حاولوه وأرادوه بكم، فإن ذلك من أخلاق أوائلهم وأسلافهم، لا يعدُون أن يكونوا على منهاج أوّلهم وطريق سلفهم. ثم ابتدأ الخبر عزّ ذكره عن بعض غدراتهم وخياناتهم وجراءتهم على ربهم ونقضهم ميثاقهم الذي واثقهم عليه بارئهم، مع نعمه التي خصهم بها، وكراماته التي طوّقهم شكرها، فقال: ولقد أخذ الله ميثاق سلف من همّ ببسط يده إليكم من يهود بني إسرائيل يا معشر المؤمنين بالوفاء له بعهوده وطاعته فيما أمرهم ونهاهم. عن أبي العالية في قوله:"وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ" قال: أخذ الله مواثيقهم أن يخلصوا له ولا يعبدوا غيره.
"وَبَعَثْنا مِنْهُمْ اثْنَى عَشَرَ نَقِيبا": وبعثنا منهم اثني عشر كفيلاً، كفلوا عليهم بالوفاء لله بما واثقوه عليه من العهود فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه. والنقيب في كلام العرب، كالعريف على القوم، غير أنه فوق العريف... وكان بعض أهل العلم بالعربية يقول: هو الأمين الضامن على القوم. فأما أهل التأويل فإنهم قد اختلفوا بينهم في تأويله، فقال بعضهم: هو الشاهد على قومه.
وإنما كان الله أمر موسى نبيه صلى الله عليه وسلم ببعثه النقباء الاثني عشر من قومه بني إسرائيل إلى أرض الجبابرة بالشام ليتجسسوا لموسى أخبارهم إذ أراد هلاكهم، وأن يورّث أرضهم وديارهم موسى وقومه، وأن يجعلها مساكن لبني إسرائيل بعد ما أنجاهم من فرعون وقومه، وأخرجهم من أرض مصر، فبعث موسى الذين أمره الله ببعثهم إليها من النقباء...
"وَقالَ اللّهُ إنّي مَعَكُمْ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصّلاةَ وآتَيْتُمُ الزّكاةَ وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزّرْتمُوهُمْ وأقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضا حَسَنَا":
يقول الله تعالى ذكره: وَقالَ اللّهُ لبني إسرائيل إنّي مَعَكُمْ يقول: إني ناصركم على عدوّكم وعدوي الذين أمرتكم بقتالهم إن قاتلتموهم ووفيتم بعهدي وميثاقي الذي أخذته عليكم. وفي الكلام محذوف استُغني بما ظهر من الكلام عما حذف منه، وذلك أن معنى الكلام: وقال الله لهم: إني معكم، فترك ذكر «لهم»، استغناء بقوله: "وَلَقَدْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ "إذ كان متقدم الخبر عن قوم مسمّين بأعيانهم كان معلوما أن سياق ما في الكلام من الخبر عنهم، إذ لم يكن الكلام مصروفا عنهم إلى غيرهم. ثم ابتدأ ربنا جلّ ثناؤه القسم، فقال: قسم لَئِنْ أقَمْتُمْ معشر بني إسرائيل الصّلاةَ وآتَيْتُمُ الزّكاةَ: أي أعطيتموها من أمرتكم بإعطائها، "وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي": وصدّقتم بما أتاكم به رسلي من شرائع ديني. وكان الربيع بن أنس يقول: هذا خطاب من الله للنقباء الاثني عشر.
وليس الذي قاله الربيع في ذلك ببعيد من الصواب، غير أن من قضاء الله في جميع خلقه أنه ناصرٌ من أطاعه، وولي من اتبع أمره وتجنب معصيته وجافي ذنوبه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان من طاعته: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وسائر ما ندب القوم إليه كان معلوما أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به لم يخصص به النقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم، فكان ذلك بأن يكون ندبا للقوم جميعا وحضّا لهم على ما حضهم عليه، أحقّ وأولى من أن يكون ندبا لبعض وحضّا لخاصّ دون عام.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "وَعَزّرْتُمُوهُمْ"؛
فقال بعضهُم: تأويل ذلك: "ونصرتموهم".
وقال آخرون: هو الطاعة والنصرة. واختلف أهل العربية في تأويله، فذكر عن يونس الحِرمرِي أنه كان يقول: تأويل ذلك: أثنيتم عليهم.
وكان أبو عبيدة يقول: معنى ذلك نصرتموهم وأعنتموهم ووقرتموهم وعظمتموهم وأيدتموهم.
وكان الفرّاء يقول: العزر: الردّ، عزرته: رددته إذا رأيته يظلم، فقلت: اتق الله أو نهيته، فذلك العزر.
وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: نصرتموهم، وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال في سورة الفتح: "إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدا وَمُبَشّرا وَنَذِيرا لِتُؤْمِنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ وتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ". فالتوقير: هو التعظيم. وإذا كان ذلك كذلك، كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذكرنا من الأقوال التي حكيناها عمن حكينا عنه. وإذا فسد أن يكون معناه التعظيم، وكان النصر قد يكون باليد واللسان؛ فأما باليد فالذبّ بها عنه بالسيف وغيره، وأما باللسان فحسن الثناء، والذبّ عن العرض، صحّ أنه النصر إذ كان النصر يحوي معنى كلّ قائل قال فيه قولاً مما حكينا عنه.
"وأقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضا حَسَنا": وأنفقتم في سبيل الله، وذلك في جهاد عدوّه وعدوّكم، "قَرْضا حَسَنا": وأنفقتم ما أنفقتم في سبيله، فأصبتم الحقّ في إنفاقكم ما أنفقتم في ذلك، ولم تتعدّوا فيه حدود الله وما ندبكم إليه وحثكم عليه إلى غيره.
"لأُكَفّرَنّ عَنْكُمْ سَيّئاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ": يعني جلّ ثناؤه بذلك بني إسرائيل، يقول لهم جلّ ثناؤه: لئن أقمتم الصلاة أيها القوم الذين أعطوني ميثاقهم بالوفاء بطاعتي، واتباع أمري، وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائر ما وعدتكم عليه جنتي "لأُكَفّرَنّ عَنْكُمْ سَيّئَاتَكُمْ": لأغطين بعفوي عنكم وصفحي عن عقوبتكم، على سالف إجرامكم التي أجرمتموها فيما بين وبينكم على ذنوبكم التي سلفت منكم من عبادة العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم، "ولأدْخِلَنّكُمْ" مع تغطيتي على ذلك منكم بفضلي يوم القيامة "جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ"، فالجنات: البساتين.
وإنما قلت: معنى قوله: لأُكَفّرَنّ: لأغطينّ، لأن الكفر معناه الجحود والتغطية والستر.
"فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِيلِ": فمن جحد منكم يا معشر بني إسرائيل شيئا مما أمرته به، فتركه، أو ركب ما نهيته عنه فعمله بعد أخذي الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتناب معصيتي، "فَقَدْ ضَلّ سَوَاءَ السّبِيلِ": فقد أخطأ قصد الطريق الواضح، وزلّ عن منهج السبيل القاصد. والضلال: الركوب على غير هدى. وقوله: "سَوَاءَ" يعني به: وسط السبيل.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
ثم اختلف في النقيب؛ قال بعضهم: النقيب هو الملك، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقال أبو عوسجة: النقيب هو المنظور إليه والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه النقباء مثل العرفاء. وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم... وقال القتبي: الكفيل على القوم...
وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على إثر هذه على كل من نقض ذلك العهد النقيب وغير النقيب. ثم قوله تعالى: {لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكاة} يحتمل وجهين: يحتمل أنه أراد بالصلاة الخضوع والثناء له وبالزكاة تزكية النفس وطهارتها، وذلك في الفعل؛ على كل أحد القيام به في كل وقت. ويحتمل أن يكون أراد بالصلاة المعروفة المعهودة والزكاة المعروفة. ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة. وقوله تعالى: {وءامنتم برسلي} يحتمل أن تؤمنوا برسلي جميعا، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض، وتؤمنوا ببعض كقولهم: {نؤمن ببعض ونكفر ببعض} [النساء: 150] {وعزرتموهم} قال القتبي وأبو عوسجة، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم...
[وقوله تعالى]: {وأقرضتم الله قرض حسنا} [أي صادقا من كل أنفسكم [ابتغيتم به] وجه الله. وقال بعضهم: {وأقرضتم الله قرضا حسنا} أي محتسبا؛ طيبة به أنفسكم. ويحتمل قوله تعالى: {وأقرضتم الله قرضا حسنا} أي جعلتم عند الله أنفسكم أيادي ومحاسن؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل.
قد اختُلف في المراد بالنقيب ههنا، فقال الحسن:"الضمين". وقال الربيع بن أنس: "الأمين". وقال قتادة: "الشهيد على قومه". وقيل إن أصل النقيب مأخوذ من النّقْبِ وهو الثقب الواسع، فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم وأسرارهم، فسُمّي رئيس العرفاء نقيباً لهذا المعنى. وأما قول الحسن إنه الضمين، فإنما أراد به أنه الضمين لتعرُّف أحوالهم وأمورهم وصلاحهم وفسادهم واستقامتهم وعدولهم ليرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار اثني عشر نقيباً على هذا المعنى. وقول الربيع بن أنس إنه الأمين، وقول قتادة إنه الشهيد، يقارب ما قال الحسن أيضاً؛ لأنه أمينٌ عليهم وشهيدٌ بما يعملون به ويجري عليهم أمورهم. وإنما نَقَّبَ النبي صلى الله عليه وسلم النقباء لشيئين: أحدهما لمراعاة أحوالهم وأمورهم وإعلامها النبي صلى الله عليه وسلم ليَدَّبَّرَ فيهم بما يرى. والثاني: أنهم إذا علموا أن عليهم نقيباً كانوا أقرب إلى الاستقامة، إذ علموا أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن كل واحد منهم يحتشم مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يَنُوبُهُ ويَعْرِضُ له من الحوائج قبله، فيقوم عنه النقيب فيه. وليس يجوز أن يكون النقيب ضامناً عنهم الوفاء بالعهد والميثاق؛ لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا يمكن الضمين فعله ولا القيام به، فعلمنا أنه على المعنى الأولى. وفي هذه الآية دلالةٌ على قبول خبر الواحد؛ لأن نقيب كلّ قوم إنما نُصِبَ ليعرِّفَ أحوالَهُمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أو الإمامَ، فلولا أن خبره مقبولٌ لما كان لنصبه وجه. فإن قيل: إنما يدل ذلك على قبول خبر الاثني عشر دون الواحد. قيل له: إن الاثني عشر لم يكونوا نقباء على جميع بني إسرائيل بجملتهم، وإنما كان كل واحد منهم نقيباً على قومه خاصة دون الآخرين.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل. قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
...فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَيَحْتَاجُ إلَى اطِّلَاعِهِ من حَاجَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَيُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، وَيَرْبِطُ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ.
وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَدْ رُوِيَ (أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا تَائِبِينَ إلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- النَّاسَ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا نَصِيبَهُمْ لَهُمْ من السَّبْيِ فَقَالُوا قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ)..
المسألة الأولى: اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها: الأول: أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم الله وأطعنا} ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة، والثاني: أنه لما ذكر قوله {اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم} وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق، الثالث: أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده...
السؤال الأول: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها؟ والجواب: أن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل...
والسؤال الثالث: قوله {وأقرضتم الله قرضا حسنا} دخل تحت إيتاء الزكاة، فما الفائدة في الإعادة؟ والجواب: المراد بإيتاء الزكاة الواجبات. وبهذا الإقراض الصدقات المندوبة، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها. قال الفراء: ولو قال: وأقرضتم الله إقراضا حسنا لكان صوابا أيضا إلا أنه قد يقام الاسم مقام المصدر، ومثله قوله {فتقبلها ربها بقبول حسن} ولم يقل يتقبل، وقوله {وأنبتها نباتا حسنا} ولم يقل إنباتا.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
{وقال الله إني معكم} أي بالنصر والحياطة. وفي هذه المعية دلالة على عظم الاعتناء والنصرة، وتحليل ما شرطه عليهم مما يأتي بعد، وضمير الخطاب هو لبني إسرائيل جميعاً.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
إن وجه الاتصال والمناسبة بين هذه الآيات وما قبلها يعلم مما تقدم من أخذ الله الميثاق على هذه الأمة، وهذا من المقاصد التي لا تختلف باختلاف الأزمنة فكان عاما في جميع الأمم التي بعث الله فيها الرسل، كما قلناه في تفسير تلك الآية. فلما ذكرنا الله تعالى بميثاقه الذي واثقنا به، على السمع والطاعة لخاتم رسله، ذكر لنا أخذه مثل هذا الميثاق على أقرب الأمم إلينا وطنا وتاريخا وهم اليهود والنصارى، وما كان من نقضهم ميثاقه، ومن عقابه لهم على ذلك في الدنيا، وما ينتظرون من عقاب الآخرة وهو أشد وأبقى – لنعتبر بحالهم، ونتقي حذو مثالهم، وليبين لنا علة كفرهم بنبينا وتصديهم لإيذائه وعداوة أمته، وليقيم بذلك الحجة عليهم فيما تراه بعد هذه الآيات. فهذا مبدأ سياق طويل في محاجة أهل الكتاب وبيان أنواع كفرهم وضلالهم.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} يقسم عز وجل أنه قد أخذ العهد الموثق على بني إسرائيل ليعملن بالتوراة التي شرعها لهم، لإفادة تأكيد هذا الأمر وتحقيقه والاهتمام بما رتب عليه، لأن الرسول قد علمه بالوحي الإلهي وإن لم يطلع على توراتهم ولا على شيء من تاريخيهم.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
في نهاية الدرس الماضي، ذكر الله المسلمين بميثاقهم الذي واثقهم به؛ وذكرهم نعمته التي أنعم بها عليهم في هذا الميثاق. ذلك كي يؤدوا من جانبهم ما استحفظوا عليه؛ ويتقوا أن ينقضوا ميثاقهم معه.
فالآن يستغرق هذا الدرس كل كذلك يتضمن دعوتهم من جديد إلى الهدى.. الهدى الذي جاءتهم به الرسالة الأخيرة؛ وجاءهم به الرسول الأخير. ودحض ما قد يدعونه من حجة في أنه طال عليهم الأمد، ومرت بهم فترة طويلة منذ آخر أنبيائهم، فنسوا ولبس عليهم الأمر.. فها هو ذا قد جاءهم بشير ونذير. فسقطت الحجة، وقام الدليل. ومن خلال هذه الدعوة، تتبين وحدة دين الله -في أساسه- ووحده ميثاق الله مع جميع عباده: أن يؤمنوا به، ويوحدوه، ويؤمنوا برسله دون تفريق بينهم، وينصروهم، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وينفقوا في سبيل الله من رزق الله.. فهو الميثاق الذي يقرر العقيدة الصحيحة، ويقرر العبادة الصحيحة، ويقرر أسس النظام الاجتماعي الصحيح...
(إني معكم).. وهو وعد عظيم. فمن كان الله معه، فلا شيء إذن ضده. ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود -في الحقيقة- له ولا أثر. ومن كان الله معه فلن يضل طريقه، فإن معية الله -سبحانه- تهديه كما أنها تكفيه. ومن كان الله معه فلن يقلق ولن يشقى، فإن قربه من الله يطمئنه ويسعده.. وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن، وقد وصل، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم. ولكن الله -سبحانه- لم يجعل معيته لهم جزافا ولا محاباة؛ ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده.. إنما هو عقد.. فيه شرط وجزاء. شرطه: إقامة الصلاة.. لا مجرد أداء الصلاة.. إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب؛ وعنصرا تهذيبيا وتربويا وفق المنهج الرباني القويم؛ وناهيا عن الفحشاء والمنكر حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر! وإيتاء الزكاة.. اعترافا بنعمة الله في الرزق؛ وملكيته ابتداء للمال؛ وطاعة له في التصرف في هذا المال وفق شرطه -وهو المالك والناس في المال وكلاء- وتحقيقا للتكافل الاجتماعي الذي على أساسه تقوم حياة المجتمع المؤمن؛ وإقامة لأسس الحياة الاقتصادية على المنهج الذي يكفل ألا يكون المال دولة بين الأغنياء، وألا يكون تكدس المال في أيد قليلة سببا في الكساد العام بعجز الكثرة عن الشراء والاستهلاك مما ينتهي إلى وقف دولاب الإنتاج أو تبطئته؛ كما يفضي إلى الترف في جانب والشظف في جانب، وإلى الفساد والاختلال في المجتمع بشتى ألوانه.. كل هذا الشر الذي تحول دونه الزكاة؛ ويحول دونه منهج الله في توزيع المال؛ وفي دورة الاقتصاد.. والإيمان برسل الله.. كلهم دون تفرقة بينهم. فكلهم جاء من عند الله؛ وكلهم جاء بدين الله. وعدم الإيمان بواحد منهم كفر بهم جميعا، وكفر بالله الذي بعث بهم جميعا.. وليس هو مجرد الإيمان السلبي، إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه.. فالإيمان بدين الله من مقتضاه أن ينهض لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس. فدين الله ليس مجرد تصور اعتقادي، ولا مجرد شعائر تعبدية. إنما هو منهج واقعي للحياة. ونظام محدد يصرف شئون هذه الحياة. والمنهج والنظام في حاجة إلى نصرة، وتعزيز، وإلى جهد وجهاد لتحقيقه ولحمايته بعد تحقيقه.. وإلا فما وفي المؤمن بالميثاق. وبعد الزكاة إنفاق عام.. يقول عنه الله -سبحانه- إنه قرض لله.. والله هو المالك، وهو الواهب.. ولكنه -فضلا منه ومنة- يسمي ما ينفقه الموهوب له -متى أنفقه لله- قرضا لله.. ذلك كان الشرط. فأما الجزاء فكان: تكفير السيئات.. والإنسان الذي لا يني يخطى ء، ولا يني يندفع إلى السيئة مهما جاء بالحسنة.. تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم ورحمة من الله واسعة، وتدارك لضعفة وعجزه وتقصيره.. وجنة تجري من تحتها الأنهار.. وهي فضل خالص من الله، لا يبلغه الإنسان بعمله، إنما يبلغه بفضل من الله، حين يبذل الجهد، فيما يملك وفيما يطيق.. وكان هنالك شرطا جزائي في الميثاق: (فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل).. فلا هدى له بعد ذلك، ولا أوبة له من الضلال. بعد إذ تبين له الهدى، وتحدد معه العقد، ووضح له الطريق، وتأكد له الجزاء.. ذلك كان ميثاق الله مع نقباء بني إسرائيل.. عمن وراءهم. وقد ارتضوه جميعا؛ فصار ميثاقا مع كل فرد فيهم، وميثاقا مع الأمة المؤلفة منهم.. فماذا كان من بني إسرائيل!
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
والالتزام الذي أوجبه ميثاق الله تعالى عليه يتصل بتهذيب النفوس، والتعاون الاجتماعي والجهاد والإيمان وقد ذكره سبحانه وتعالى في خمسة أركان: أولها: ما قاله سبحانه في صدر العهد: {لئن أقمتم الصلاة} فالصلاة هي الركن الأول من الميثاق الرباني الإلهي وابتدئ بذكرها لأنها طهارة النفوس، وتزكية القلوب وبها تربية الضمير الذي يكون جماعة مؤتلفة وإقامتها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتربي في النفس روح الخير، والإحساس بعظمة الله تعالى، ولا يمكن أن يكون الوفاء بالميثاق الإلهي من غير إقامة الصلاة فإنها ركن كل دين وروح التدين الصحيح وقوامه، وعبر بإقامتها دون أدائها، فقد قال: {لئن أقمتم الصلاة} لأن الصلاة التي تأتي بثمراتها هي الصلاة الكاملة التي يأتي بها صاحبها مقومة غير ملتوية يتجه فيها بالبنية إلى الله تعالى، ويخلص فيها لا التي تكون رئاء الناس أو تؤدى على وجه العادة لا على وجه العبادة...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
الربع الأخير من الحزب الحادي عشر في المصحف الكريم تعرض الآيات الكريمة في هذا الربع الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل، وما تجرؤوا عليه من نقض لذلك الميثاق، وما نالهم من عذاب، نتيجة نقضه وخيانته {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا، وقال الله إني معكم}، ومن الفوائد في هذا الربع الإشارة إلى (النقباء) الذين هم بمنزلة النواب والمندوبين عن غيرهم، يتحدثون باسمهم بمختلف المناسبات، وينوبون عنهم في النظر إلى مختلف المشاكل {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} فقد وجه موسى عليه السلام النقباء الاثني عشر إلى الأرض المقدسة، ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظروا معه في الغزو إليها. وهكذا لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، وعددهم في تلك الليلة سبعون رجلا، كان فيهم اثنا عشر نقيبا بعدد نقباء موسى، ثلاثة من الأوس وتسعة من الخزرج، وهؤلاء هم الذين تولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وقد جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم نقباء على من كان معهم، وعلى من يأتي بعدهم... وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه (نقيب الأنصار) بالنسبة لنقبائهم ولمن تحتهم جميعا. وكلمة (نقيب) تطلق في اللغة على الأمين والكفيل، وإنما قيل له (نقيب) لأنه يعرف دخيلة أمر القوم ومناقبهم، والمناقب تطلق على الخلق الجميلة وعلى الأخلاق الحسنة. وكما عرف الإسلام (النقباء) فقد عرف (العرفاء)، جمع عريف، وهو الذي يعرف ما عند الشخص الذي كلف به، ليعرف به من جعله عريفا، فقد روي أن وفد هوازن لما جاؤوا تائبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلم رسول الله الناس، وسألهم أن يتركوا لهم نصيبهم من السبي، فقال الناس: (قد طيبنا ذلك يا رسول الله – أي وافقنا عليه- لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا، وبنى قراره صلى الله عليه وسلم على ما بلغه (العرفاء) إليه نيابة عمن يمثلونهم من الناس. وهذه السابقة التاريخية تصح أن تكون سندا لكل نظام تمثيلي يراد إنشاؤه في العالم الإسلامي، تحقيقا للشورى العامة التي أمر بها الإسلام، وطبقها الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويجعل الحق سبحانه وتعالى من قصص الرسل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا للإيمان وتربية للأسوة وإنماء لها، حتى لا يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفعله اليهود أو المشركون فإن كان قد حدث معك يا محمد شيء من هذا الإنكار والإيلام فقد حدث الكثير من تلك الأحداث مع الرسل من قبلك، فيقول سبحانه: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12)}.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ومن هنا كان الالتزام بالميثاق يجسّد الثبات والقوّة، والائتمار بأوامر الله، وذلك عبر المحافظة على إقامة الصلاة، الّتي تُمثّل انفتاح الإنسان على الله للتعبير بها عن عبوديته المطلقة له، وإيتاء الزكاة، الَّذي يُعبِّر عن القيام بمسؤولية العطاء من أجل الحصول على القرب من الله، والإيمان بالرسل كخطّ للانتماء الَّذي يحكم الفكر والشعور والعمل، ونصرتهم وتعظيمهم كموقفٍ معبّر عن صدق الإيمان، والإنفاق في سبيل الله من دون مقابل، كقرض يقرضه الإنسان لربّه، وتلك هي القضايا الحيويّة الّتي تحكم علاقة الإنسان بربّه وعلاقته بالنّاس والحياة، ما يُمثِّل قاعدة الانطلاق في مسيرته مع الكون.
وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة انهماكهم في النفس{[24585]} أنه لم يسبق لهم عهد{[24586]} قبل{[24587]} ذلك فقال تعالى : { ولقد أخذ الله } أي بما له من جميع الجلال والعظمة والكمال { ميثاق بني إسرائيل } أي العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة { وبعثنا } أي بما لنا من العظمة { منهم اثني عشر نقيباً } أي شاهداً ، على كل سبط نقيب يكفلهم{[24588]} بالوفاء بما عليهم من{[24589]} الوفاء به - كما بعثنا منكم ليلة العقبة{[24590]} اثني عشر نقيباً{[24591]} وأخذنا منكم الميثاق على ما أحاله{[24592]} الإسلام - كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه عن تبوك : " ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام " وأما تفصيله فمذكور في السير ، والنقيب : الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل : عريف ، لأنه يتعرفها ، ومن ذلك المناقب وهي الفضائل ، لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها { وقال الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً لبني إسرائيل ، وأكد{[24593]} لتكرر{[24594]} جزعهم وتقلبهم فقال : { إني معكم } وهو كناية عن الكفاية لأن القادر إذا كان مع أحد كان كذلك{[24595]} إذا لم يغضبه .
ولما أنهى{[24596]} الترغيب بالمعية استأنف{[24597]} بيان شرط{[24598]} ذلك بقوله مؤكداً لمثل ما مضى : { لئن اقمتم } أي أنشأتم{[24599]} { الصلاة } أي التي هي صلة ما بين العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها ؛ ولما كان{[24600]} المقصود من الإنفاق المؤاساة بالإيتاء قال : { وآتيتم الزكاة } أي التي هي بين{[24601]} الحق والخلائق{[24602]} .
ولما كان الخطاب مع من آمن بموسى عليه الصلاة والسلام ، وكانوا في{[24603]} كل قليل يتردعون عن اتباعه أو كمال اتباعه ، وكان سبحانه عالماً بأن ميلهم بعده يكون أكثر ، فرتب في الأزل أنه تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن الزيغ ويقومون منهم الميل قال{[24604]} : { وآمنتم برسلي } أي أدمتم الإيمان بموسى عليه السلام ، وجددتم الإيمان بمن يأتي بعده ، فصدقتموهم{[24605]} في جميع ما يأمرونكم به{[24606]} { وعزرتموهم } أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع ، والتعزير والتأزير من باب واحد .
ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو البرهان قال : { وأقرضتم الله } أي الجامع لكل وصف جميل { قرضاً حسناً } أي بالإنفاق في جميع سبل الخير ، وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء .
ولما كان الإنسان محل النقصان ، فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صالح العمل ، قال سادّاً . بجواب القسم الذي وطّأت له اللام الداخلة على الشرط - مسدّ جواب الشرط : { لأكفرن } أي لأسترن { عنكم سيئاتكم } أي فعلكم لما من شأنه أن يسوء { ولأدخلنكم } أي فضلاً مني { جنات تجري } ولما كان الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال : { من تحتها الأنهار } أي من{[24607]} شدة الريّ { فمن كفر } ولما{[24608]} كان الله{[24609]} سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولاً . وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله ، نزع الجار فقال : { بعد ذلك } أي الشرط المؤكد{[24610]} بالأمر{[24611]} العظيم الشأن { منكم } أي بعد ما رأى من الآيات واقرّ به من المواثيق{[24612]} { فقد ضل } أي ترك وضيّع ، يُستعمل قاصراً بمعنى : حار{[24613]} ، ومتعدياً كما هنا { سواء } أي وسط وعدل{[24614]} { السبيل * } أي{[24615]} لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره ، وفي هذا تحذير شديد لهذه الأمة ، لأن المعنى : فإن نقضتم{[24616]} الميثاق - كما نقضوا - بمثل استدراج شاس بن قيس وغيره{[24617]} ، صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا ، من إلزامهم الذلة والمسكنة وغير{[24618]} ذلك من آثار الغضب ، وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من فتح البلاد والظهور{[24619]} على سائر العباد ؛ قال ابن الزبير : ولهذا الغرض والله أعلم - أي غرض{[24620]} التحذير من نقض العهد - ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله تعالى
أوفوا بعهدي{[24621]} }[ البقرة : 40 ] فقال تعالى :{ ولقد أخذ الله{[24622]} ميثاق بني إسرائيل }إلى قوله{ فقد ضل سواء السبيل }[ المائدة : 12 ] ثم بين نقضهم وبنى{[24623]} اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه فقال{ فبما نقضهم ميثاقهم }[ النساء : 55 والمائدة : 13 ] وذكر تعالى عهد الآخرين فقال { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم } [ المائدة : 14 ] ، ثم فصل تعالى للمؤمنين أفعال الفريقين ليتبين{[24624]} لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا ، وقولهم{[24625]} نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكفهم عن فتح الأرض المقدسة ، وإسرافهم في القتل وغيره ، وتغييرهم أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة ، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى :{ لتجدن أشد الناس عداوة{[24626]} للذين آمنوا{[24627]} }[ المائدة : 82 ] انتهى . وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث بأسمائهم وما دعي إلى ذلك تحقيقاً للأمر وزيادة تبصرة{[24628]} ، أما اليهود فكان{[24629]} فيهم ذلك{[24630]} مرتين : الأولى : قال في السفر الرابع من التوراة : إن الرب تبارك اسمه كلم موسى النبي في جبل سينا وفي قبة الأمد في أول يوم من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر وقال الله : احص عدد جماعة بني إسرائيل كلها في قبائلهم . كل ذكر من أبناء عشرين سنة إلى فوق ، كل من يخرج في الحرب ، وأحصهم أنت{[24631]} وأخوك هارون{[24632]} ، وليكن معكما من كل سبط{[24633]} رجل ويكون الرجل رئيساً في{[24634]} بيته ، ثم بين بعد ذلك أن كل رجل منهم يكون قائد جماعته ، ينزلون بنزوله{[24635]} حول قبة الزمان ويرحلون برحيله ، ويطيعونه فيما يأمر به ، ففعل{[24636]} موسى وهارون ما أمرهما الله به وانتدبوا اثني عشررجلاً كما أمر الله ، فمن سبط روبيل : إليصور بن شداور ، ومن سبط شمعون :{[24637]} سلوميل بن صور يشدي{[24638]} ، ومن سبط يهودا : نحسون{[24639]} بن عمينا ذاب ، ومن سبط إيشاخار : نتنائيل بن ضوغر{[24640]} ، ومن سبط زابلون : أليب بن حيلون{[24641]} ، ومن سبط يوسف من آل{[24642]} إفرائيم : إليسمع بن عميهوذ . ومن سبط منشا : جمليال بن فداهصور{[24643]} - قلت : ومنشا هو ابن يوسف وهو أخو إفرائيم - ومن سبط بنيامين : أبيذان بن جدعوني ، ومن سبط دان{[24644]} :{[24645]} أخيعزر بن عميشدي{[24646]} ، ومن سبط آشير : فجعائيل بن عخرن{[24647]} ، ومن سبط جاد : إليساف{[24648]} بن دعوائيل{[24649]} ، ومن سبط نفتالي{[24650]} : أخيراع ابن عينان{[24651]} ؛ وسبط لاوي هم سبط موسى وهارون عليهما السلام لم يذكروا لأنهم{[24652]} كانوا لحفظ قبة الزمان ، فموسى وهارون عليهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم على قومه - كما سيأتي ، والمرة الثانية كانت ليجسّوا{[24653]} أمر بيت المقدس ، قال في أثناء هذا السفر : وكلم الرب موسى و{[24654]} قال له : أرسل قوماً{[24655]} يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل ، وليكون{[24656]} الذين ترسل{[24657]} رجلاً من كل{[24658]} سبط من رؤساء آبائهم ، فأرسلهم موسى من برية فاران عن قول الرب ، رجالاً{[24659]} من رؤساء بني إسرائيل ، وهذه أسماؤهم من سبط روبيل : ساموع بن ذكور ، ومن سبط شمعون : سافاط بن حوري ، ومن سبط يهودا : كالاب بن يوفنا{[24660]} ، ومن سبط إيشاخار : إجال{[24661]} بن يوسف ، ومن سبط إفرائيم{[24662]} : هو ساع بن نون ، ومن سبط بنيامين : فلطي{[24663]} بن رافو ، ومن سبط زابلون : جدي إيل{[24664]} بن سودي ، ومن سبط{[24665]} يوسف من سبط منشا : جدي بن سوسي ، ومن سبط دان{[24666]} : عميال بن جملي ، ومن سبط آشير : ساتور{[24667]} بن ميخائيل ، ومن سبط{[24668]} نفتالي : نجني بن وفسي{[24669]} ، ومن سبط جاد{[24670]} : جوائل{[24671]} بن ماخي ؛ هؤلاء الذين أرسلهم{[24672]} وتقدم إليهم بالوصية .
وأما النصارى{[24673]} ففي إنجيل متى ما نصه : ودعا يعني عيسى عليه السلام . تلاميذه الاثني عشر ، وأعطاهم سلطاناً على جميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض ؛ وفي إنجيل مرقس : وصعد إلى الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه ، وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ، ولكي يرسلهم ليكروزا{[24674]} ، وأعطاهم سلطاناً على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين ؛ وفي إنجيل لوقا : ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطاناً على جميع الشياطين وإشفاء المرضى{[24675]} ، وأرسلهم يكرزون مملكوت الله ويشفون الأوجاع ، وهذه أسماؤهم : شمعون{[24676]} المسمى بطرس ، وأندراوس أخوه ، ويعقوب بن زبدي{[24677]} ، ويوحنا أخوه - وقال في إنجيل{[24678]} مرقس : وسماهما باسم{[24679]} بوانرجس{[24680]} اللذين هما ابنا الرعد - وفيلبس{[24681]} ، وبرتولوماوي ، وتوما{[24682]} ، ومتى العَشّار ، ويعقوب بن حلفا ، وليا الذي يدعى بداوس ، وقد اختلفت الأناجيل في هذا ، ففي إنجيل مرقس بدله : تدي ، وفي إنجيل لوقا : يهودا بن يعقوب ، ثم اتفقوا : وشمعون{[24683]} القاناني - وفي إنجيل لوقا{[24684]} : المدعو الغيور{[24685]} - ويهودا الإسخريوطي الذي أسلمه . وأما نقباء الإسلام فكانوا ليلة العقبة الأخيرة حين بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم على الحرب وأن يمنعوه إذا وصل إلى بلدهم ، وقال لهم صلى الله عليه وسلم : " أخرجوا إلي منكم{[24686]} اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم كما اختار موسى من قومه ، وأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً : تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ، فقال لهم : أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم ، وأنا كفيل على قومي ، قالوا : نعم ، وهذه اسماؤهم من الخزرج : أبو أمامة أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وسعد بن عبادة ، وعبد الله بن رواحة ، ورافع بن مالك بن العجلان ، والبراء بن معرور{[24687]} ، وعبد الله بن عمرو بن حرام{[24688]} أبو جابر ، وعبادة بن الصامت ، والمنذر بن عمرو ؛ ومن{[24689]} الأوس : أسيد بن حضير{[24690]} ، وسعد بن خثيمة ، ورفاعة بن عبد المنذر ، وأبو الهيثم بن{[24691]} التيهان ، قال ابن هشام : وقال كعب بن مالك يذكرهم فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري وذكر أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة فقال :
أبلغ أبيّاً أنه قال{[24692]} رأيه *** وحان غداة الشعب والحين واقع
أبى الله{[24693]} ما منتك{[24694]} نفسك إنه *** بمرصاد{[24695]} أمر الناس راءٍ وسامع
وأبلغ أبا سفيان أن قد بدا لنا *** بأحمد نور من هدى{[24696]} الله ساطع
فلا ترغبن في حشد أمر تريده *** وألب وجمع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا *** أباه عليك الرهط حين تبايعوا{[24697]}
أباه البراء و{[24698]} ابن عمرو كلاهما *** وأسعد يأباه عليك ورافع
وسعد أباه الساعدي ومنذر *** لأنفك إن حاولت ذلك{[24699]} جادع{[24700]}
وما ابن ربيع إن تناولت عهده *** بمسلمه{[24701]} لا يطمعن ثم طامع
وأيضاً فلا يعطيكه ابن رواحة *** وإخفاره{[24702]} من دونه السم ناقع{[24703]}
وفاء به والقوقلي بن صامت *** {[24704]} بمندوحة عما تحاول{[24705]} يافع{[24706]}
أبو هيثم أيضاً وفى بمثلها *** وفاء بما أعطى من العهد خانع
وما ابن حضير إن أردت بمطمع *** فهل أنت عن{[24707]} أحموقة الغي نازع{[24708]}
وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه *** ضروح لما حاولت ملأمر{[24709]} مانع
اولاك{[24710]} نجوم لا يغبك{[24711]} منهم *** عليك بنحس في دجى الليل طالع
فأما نقباء اليهود في{[24712]} جسّ{[24713]} الأرض فلم يوف منهم إلا اثنان - كما سيأتي قريباً عن بعض التوراة التي{[24714]} بين أيديهم ، وأما نقباء النصارى{[24715]} فنقض منهم واحد - كما مضى عند قوله تعالى :
{ وما قتلوه وما صلبوه{[24716]} }[ النساء : 157 ] وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام عند قوله تعالى :
{ لأنذركم به ومن بلغ{[24717]} }[ الأنعام : 19 ] ، وأما نقباؤنا فكلهم وفي وبرّ بتوفيق الله وعونه فله{[24718]} أتم الحمد