تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى}: إذا كان عمدا، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، وكانت بينهم قتلى وجرحى، حتى قتل العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض الأموال حتى أسلموا، وكان أحد الحيين له طول على الآخر في العدد والأموال، فحلفوا ألا نرضى حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فأنزل الله عز وجل:
{الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}: فسوى بينهم في الدماء، وأمرهم بالعدل فرضوا، فصارت منسوخة نسختها الآية التي في المائدة قوله سبحانه: {وكتبنا} فيما قضينا {عليهم فيها أن النفس بالنفس}، (المائدة: 54) يعني النفس المسلم الحر، بالنفس المسلم الحر، والمسلمة الحرة بالمسلمة الحرة،
{فمن عفي له من أخيه شيء}: ثم رجع إلى أول الآية في قوله سبحانه: {كتب عليكم القصاص في القتلى}: إذا كان عمدا إذا عفى ولي المقتول عن أخيه القاتل ورضي بالدية.
{فاتباع بالمعروف}: يعني الطالب ليطلب ذلك في رفق.
ثم قال للمطلوب: {وأداء إليه بإحسان}: ليؤدي الدية إلى الطالب عفوا في غير مشقة ولا أذى.
{تخفيف من ربكم}: إذ جعل في قتل العمد العفو والدية.
{ورحمة}: يعني وتراحموا، وكان الله عز وجل حكم على أهل التوراة أن يقتل القاتل، ولا يعفى عنه، ولا يقبل منه الدية، وحكم على أهل الإنجيل العفو، ولا يقتل القاتل بالقصاص، ولا يأخذ ولي المقتول الدية... ثم جعل الله عز وجل التخفيف لأمة محمد صلى الله عليه وسلم،إن شاء ولي المقتول قتل القاتل، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ منه الدية، فكان لأهل التوراة أن يقتل قاتل الخطأ والعمد، فرخص الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله سبحانه في الأعراف: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (الأعراف: 157) من التشديدات، وهم أن يقتل قاتل العمد ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه الدية،
{فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}: وجيع، فإنه يقتل، ولا يؤخذ منه دية...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى فرض عليكم".
فإن قال قائل: أفرض على وليّ القتيل القصاص من قاتل وليه؟ قيل: لا ولكنه مباح له ذلك، والعفو، وأخذ الدية.
فإن قال قائل: وكيف قال: "كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ"؟ قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى": أي أن الحرّ إذا قتل الحرّ، فدم القاتل كفء لدم القتيل، والقصاص منه دون غيره من الناس، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله. والفرض الذي فرض الله علينا في القصاص هو ما وصفت من ترك المجاوزة بالقصاص قتل القاتل بقتيله إلى غيره، لا أنه وجب علينا القصاص فرضا وجوب فرض الصلاة والصيام حتى لا يكون لنا تركه، ولو كان ذلك فرضا لا يجوز لنا تركه لم يكن لقوله: "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ "معنى مفهوم، لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال: "فمن عفي له من أخيه شيء".
وقد قيل: إن معنى القصاص في هذه الآية مقاصة ديات بعض القتلى بديات بعض، وذلك أن الآية عندهم نزلت في حزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم، بأن تسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الاَخرين، وديات رجالهم بديات رجالهم، وديات عبيدهم بديات عبيدهم قصاصا، فذلك عندهم معنى القصاص في هذه الآية.
فإن قال قائل: فإنه تعالى ذكره قال: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنَثى بالأُنَثى". فما لنا أن نقتصّ للحرّ إلا من الحرّ، ولا للأنثى إلا من الأنثى؟ قيل: بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد وللأنثى من الذكر، بقول الله تعالى ذكره: "وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوما فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيّهِ سُلْطانا"، وبالنقل المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلمونَ تتكافأُ دِماؤُهُمْ».
فإن قال: فإذ كان ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟ قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك؛
فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنه عبد حتى يقتلوا به سيده، وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلاً لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلاً من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتل دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدّوا القاتل إلى غيره في القصاص.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتال على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل من كلا الفريقين جماعة من الرجال والنساء، فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النساء من الفريق الاَخر، وديات الرجال بالرجال، وديات العبيد بالعبيد فذلك معنى قوله: "كُتِب عَلَيْكُم القِصَاص فِي القَتْلَى".
وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره بمقاصة دية الحر ودية العبد ودية الذكر ودية الأنثى في قتل العمد إن اقتص للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في حال ما نزلت والقوم لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة حتى سوّى الله بين حكم جميعهم بقوله: "وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنّ النّفْسَ بالنّفْسِ..." فجعل جميعهم قود بعضهم ببعض.
فإذ كان مختلفا الاختلاف الذي وصفت فيما نزلت فيه هذه الآية، فالواجب علينا استعمالها فيما دلت عليه من الحكم بالخبر القاطع العذر. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنقل العام أن نفس الرجل الحرّ قود قصاصا بنفس المرأة الحرّة، فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الرجل والمرأة على ما قد بينا، وكان واضحا فساد قول من قال بالقصاص في ذلك والتراجع بفضل ما بين الديتين بإجماع جميع أهل الإسلام على أن حراما على الرجل أن يتلف من جسده عضوا بعوض يأخذه على إتلافه فدع جميعه، وعلى أن حراما على غيره إتلاف شيء منه مثل الذي حرم من ذلك بعوض يعطيه عليه، فالواجب أن تكون نفس الرجل الحرّ بنفس المرأة الحرّة قودا.
وإذا كان ذلك كذلك، كان بيّنا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره: "الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى" أن لا يقاد العبد بالحرّ، وأن لا تقتل الأنثى بالذكر، ولا الذكر بالأنثى. وإذا كان ذلك كذلك كان بينا أن الآية معنيّ بها أحد المعنيين الاَخرين: إما قولنا من أن لا يتعدى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر، وبالعبد الحرّ. وإما القول الاَخر وهو أن تكون الآية نزلت في قوم بأعيانهم خاصة أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجعل ديات قتلاهم قصاصا بعضها من بعض.
وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم على أن المقاصة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نسخه، وإذا كان كذلك، وكان قوله تعالى ذكره: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص". ينبئ عن أنه فرض، كان معلوما أن القول خلاف ما قاله قائل هذه المقالة، لأن ما كان فرضا على أهل الحقوق أن يفعلوه فلا خيار لهم فيه، والجميع مجمعون على أن لأهل الحقوق الخيار في مقاصتهم حقوقهم بعضها من بعض، فإذا تبين فساد هذا الوجه الذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا.
فإن قال قائل إذ ذكرت أن معنى قوله: "كُتِب عَلَيْكُمُ القِصَاصُ" بمعنى: فرض عليكم القِصاصُ: لا يعرف لقول القائل «كُتب» معنى إلا معنى خط ذلك فرسم خطا وكتابا، فما برهانك على أن معنى قوله «كتب» فرض؟ قيل: إن ذلك في كلام العرب موجود، وفي أشعارهم مستفيض... غير أن ذلك وإن كان بمعنى فرض، فإنه عندي مأخوذ من الكتاب الذي هو رسم وخط، وذلك أن الله تعالى ذكره قد كتب جميع ما فرض على عباده وما هم عاملوه في اللوح المحفوظ، فقال تعالى ذكره في القرآن: "بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" وقال: "إنّهُ لَقُرآنٌ كَريمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ"، فقد تبين بذلك أن كل ما فرضه علينا ففي اللوح المحفوظ مكتوب.
فمعنى قول -إذْ كان ذلك كذلك-: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ": كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصاص في القتلى فرضا أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله.
وأما القِصاص: فإنه من قول القائل: قاصصت فلانا حقيّ قِبَله من حقه قِبَلي، قصاصا ومُقاصّةً؛ فَقْتُل القاتل بالذي قتله قصاص، لأنه مفعول به مثل الذي فعل بمن قتله، وإن كان أحد الفعلين عدوانا والاَخر حقّا، فهما وإن اختلفا من هذا الوجه، فهما متفقان في أن كل واحد قد فعل بصاحبه مثل الذي فعل صاحبه به، وجعل فعل وليّ القتيل الأول إذا قتل قاتل وليه قصاصا، إذ كان بسبب قتله استحقّ قتل من قتله، فكأنّ وليه المقتول هو الذي ولى قتل قاتله فاقتصّ منه.
وأما القتلى، فإنها جمع قتيل، كما الصرعى جمع صريع، والجرحى جمع جريح.
فتأويل الكلام إذن: فرض عليكم أيها المؤمنون القصاص في القتلى؛ أن يقتصّ الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. ثم ترك ذكر أن يقتص اكتفاء بدلالة قوله: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ عليه".
"فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيه شَيْءٌ فاتّباعٌ بالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْه بإحسانٍ".
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛
فقال بعضهم: تأويله: فمن ترك له من القتل ظلما من الواجب كان لأخيه عليه من القصاص، وهو الشيء الذي قال الله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فاتّباعٌ} من العافي للقاتل بالواجب له قِبَله من الدية، وأداء من المعفوّ عنه ذلك إليه بإحسان...
فالعفو أن يقبل الدية في العمد. واتباع بالمعروف أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان.
وقال آخرون معنى قوله: "فَمَنْ عُفِيَ...": فمن فضل له فضل وبقيت له بقية. وقالوا: معنى قوله: "مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ": من دية أخيه شيء، أو من أَرْش جراحته، فاتباع منه القاتل أو الجارح الذي بقي ذلك قبله بمعروف، وأداء من القاتل أو الجارح إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان.
وهذا قول من زعم أن الآية نزلت، أعني قوله: "يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى"، في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم فيقاص ديات بعضهم من بعض ويردّ بعضهم على بعض بفضل إن بقي لهم قبل الاَخرين. وأحسب أن قائلي هذا القول وجهوا تأويل العفو في هذا الموضع إلى الكثرة من قول الله تعالى ذكره: "حَتى عَفَوْا"، فكان معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قِبَل أخيه القاتل.
والواجب على تأويل القول الذي روينا: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ..." أنه بمعنى مقاصة دية النفس الذكر من دية النفس الأنثى، والعبد من الحرّ، والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما أن يكون معنى قوله: "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيه شَيْءٌ": فمن عفي له من الواجب لأخيه عليه من قصاص دية أحدهما بدية نفس الآخر إلى الرضى بدية نفس المقتول، فاتباع من الوليّ بالمعروف، وأداء من القاتل إليه ذلك بإحسان.
وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله: "فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيه شَيْءٌ": فمن صفح له من الواجب كان لأخيه عليه من القود عن شيء من الواجب على دية يأخذها منه، فاتباع بالمعروف من العافي عن الدم الراضي بالدية من دم وليه، وأداء إليه من القاتل ذلك بإحسان لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل من أن معنى قول الله تعالى ذكره: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ". إنما هو القصاص من النفوس القاتلة أو الجارحة والشاجة عمدا، كذلك العفو أيضا عن ذلك.
"فاتّباعٌ بالمَعْرُوفِ": فاتباع على ما أوجبه الله له من الحق قِبَل قاتل وليه من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه في أسنان الفرائض أو غير ذلك، أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه...
وأما إحسان الآخر في الأداء، فهو أداء ما لزمه بقتله لولي القتيل على ما ألزمه الله وأوجبه عليه من غير أن يبخسه حقا له قِبَله بسبب ذلك، أو يُحْوجه إلى اقتضاء ومطالبة.
"ذَلِكَ تَخْفيفٌ مِن رَبّكُم وَرَحَمةٌ": هذا الذي حكمت به وسننته لكم من إباحتي لكم أيتها الأمة. العفو عن القصاص من قاتل قتيلكم على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت منعتها مَن قبلكم من الأمم السالفة، "تَخْفيفٌ مِنْ رَبّكم": تخفيف مني لكم مما كنت ثقلته على غيركم بتحريم ذلك عليهم ورحمة مني لكم... خفف عنكم ما كان على من كان قبلكم أن يطلب هذا بمعروف ويؤدي هذا بإحسان... عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل قصاص في القتل ليس بينهم دية في نفس ولا جرح، وذلك قول الله: "وكَتَبْنا عَلَيْهِم فِيها أنّ النّفْسَ بالنّفْسِ وَالعَيْنَ بالعَيْن" الآية كلها. وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة، وذلك قوله تعالى: "ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبّكُم" بينكم... وإنما هي رحمة رحم الله بها هذه الأمة أطعمهم الدية، وأحلها لهم، ولم تحلّ لأحد قبلهم. فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو، وليس بينهما أرش. وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، فجعل الله لهذه الأمة القود والعفو والدية إن شاءوا أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم.
"فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِيمٌ": فمن تجاوز ما جعله الله له بعد أخذه الدية اعتداء وظلما إلى ما لم يجعل له من قتل قاتل وليه وسفك دمه، فله بفعله ذلك وتعدّيه إلى ما قد حرمته عليه عذاب أليم... حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِيمٌ. يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل، فله عذاب أليم. قال: وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا أعُافِي رَجُلاً قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدّيَة»...
واختلفوا في معنى العذاب الأليم الذي جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قاتل وليه؛
فقال بعضهم: ذلك العذاب هو القتل بمن قتله بعد أخذ الدية منه وعفوه عن القصاص منه بدم وليه.
وقال بعضهم: ذلك العذاب عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يرى من عقوبته وأولى التأويلين بقوله: "فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ ألِيمٌ" تأويل من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فقتل قاتل وليه، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا وهو القتل لأن الله تعالى جعل لكل وليّ قتيل قتل ظلما سلطانا على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره: "وَمنْ قُتِلَ مَظْلُوما فقدْ جَعَلْنا لوَلِيّه سُلْطانا فَلا يُسْرفْ فِي القَتْلِ".
فإذْ كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه وأخذه منه دية قتيله أنه بقتله إياه له ظالم في قتله، كان بينا أن لا يولّي من قتله ظلما كذلك السلطان عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء. وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن ذلك عذابه، لأن من أقيم عليه حده في الدنيا كان ذلك عقوبته من ذنبه ولم يكن به متبعا في الاَخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
هذا يدل على وجوب القصاص بين الحر والعبد وبين الكافر والمسلم، إذ لو لم يجعل بينهما قصاص لم يرتدع أحد عن قتلهم، إذ لا يخشى تلف نفسه بهم. فدل أنهم يقتلون، والله أعلم...
والحرية لا تمنع الاقتصاص لفضله، وكذلك العبد إذ قتل آخر يقتل به، والرق لا يمنع ذلك للذل الذي فيه، وكذلك الأنثى تقتل إذا قتلت أخرى، ولا يمنع ما فيها من ضعف في وجوب القصاص، وبالله التوفيق...
وله وجه آخر؛ وهو أنه قال: (والأنثى بالأنثى) ومن الإناث إماء، وقد أمر بالاقتصاص بينهن. فلئن وجب تخصيص ما ذكر خاصا وجب أن يذكر عاما ما ذكر فيه العموم... فدل أن نفسه له لا للمولى، فكان كنفس الحر للحر، فيجب أن يقتل الحر به إذ هو ساوى الحر في حق النفس، فيجب أن يسوى بينهما في حق القصاص... وقوله: {ورحمة} فيه دلالة: ألا يقطع صاحب الكبيرة عن رحمة الله، لأنه أخبر أن التخفيف رحمة في الدنيا، فإذا لم يؤيسهم في الدنيا عن رحمته فلا يؤيسهم في الآخرة عنها...
[وفي] قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} دلالة: ألا يزول اسم الإيمان بارتكابه الكبيرة [لأنه سماه أخا] من غير إخوة نسب، دل أنه أخوه في الدين، وكذلك قوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9]؛ أبقي لهم اسم الإيمان بعد البغي والقتل، دل أن ارتكاب الكبيرة لا يخرجه من الإيمان...
وما ذكر من التخليد في قتل العمد يخرج على وجهين:
[والثاني]: بتعمد ديته، وإلا فتخرج الآيتان على التناقض في الظاهر لو لم تجعل على ما ذكرنا، والله أعلم...
{فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}؛
قيل: {فمن اعتدى} على القاتل بعد ما عفي عنه أو بعد ما أخذ الدية،
وقيل: {بعد ذلك} أي من بعد النهي عن قتله،
وقيل: إذا أرى من نفسه العفو، ثم أخذ الدية، ثم أراد قتله، فهو الاعتداء.
ثم اختلف بعد هذا بوجهين: قال قوم إذا فعل هذا يترك القصاص فيه للعذاب المذكور في الآخرة: إذا اقتص ارتفع عنه العذاب، وإن لم يقتص فلا.
وجائز عندنا: أن يكون العذاب الأليم في الدنيا: إذا لم يخلّ شيء من العذاب؛ إذ القتل هو الغاية من الألم والوجع، والله أعلم...
قال الله تعالى {كتب عليكم القصاص في القتلى} هذا كلامٌ مُكْتَفٍ بنفسه غيرُ مفتقرٍ إلى ما بعده، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوماً من لفظه؛ واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين في جميع القتلى؟ والقصاص هو أن يُفعل به مثل ما فَعَلَ به، من قولك: اقْتَصَّ أَثَرَ فلان، إذا فعل مثل فِعْلِهِ.
قال الله تعالى: {فارتدا على آثارهما قَصَصاً} [الكهف: 64] وقال تعالى {وقالت لأخته قصّيه} [القصص: 11] أي ابتغي أثره... قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} وقال في آية أخرى: {والجروح قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقال:
{وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل:126] فأوجب بهذه الآي استيفاءَ المِثْلِ ولم يجعل لأحد ممن أوجب عليه أو على وليّه أن يفعل بالجاني أكثر مما فعل...
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :
فالضمير في قوله تعالى: {له} وفي {من أخيه} راجع إلى القاتل لا يجوز غير ذلك، لأنه هو الذي عفي له من ذنبه في قتل أخيه المسلم.
روينا من طريق البخاري... عن أبي هريرة فذكر حديثا وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ومن قتل له فهو بخير النظرين: إما يودى وإما أن يقاد". ومن طريق أبي داود السجستاني [عن] سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: سمعت أبا شريح الكعبي يقول في خبر: "فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا". فهذا نص جلي لا يحتمل تأويلا بأن الخيار في الدية أو القود إلى ولي المقتول لا إلى القاتل.
... عن ابن عباس... من طريق البخاري،... في قول الله عز وجل: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} قال: "كان في بني إسرائيل القود، ولم تكن فيهم الدية، قال: فالعفو: أن يقبل الدية في العمد يطلب بمعروف، ويؤدي بإحسان"...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شيء} معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو... والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس...
فإن قلت؟: لم قيل: شيء من العفو؟ قلت: للإشعار بأنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم. أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم تجب إلا الدية...
أما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية...
أما قوله تعالى: {في القتلى} أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة {في} قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام: « في النفس المؤمنة مائة من الإبل»...
البحث الثالث: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجرى فيها على العادة المألوفة فإن كان معسرا فالنظرة، وإن كان واجدا لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجدا لغير المال الواجب، فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات،
فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل...
أحدهما: وهو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة...
وثالثها: أن القاتل لمن عفى عنه لا يجوز أن يختص بأن لا يمكن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولي الدم فله إسقاطه قياسا على تمكنه من إسقاط سائر الحقوق والله أعلم...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
الأولى: روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال:"كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال اللّه لهذه الأمة:" {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء} "فالعفو أن يقبل الدية في العمد "فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان "يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان" ذلك تخفيف من ربكم ورحمة "مما كتب على من كان قبلكم" فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم "قتل بعد قبول الدية". هذا لفظ البخاري:...
الرابعة: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن اللّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود...
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما حلل ما حلل قبل، وحرّم ما حرّم، ثم اتبع بذكر من أخذ مالاً من غير وجهه، وأنه ما يأكل في بطنه إلاَّ النار، واقتضى ذلك انتظام جميع المحرمات من الأموال، ثم أعقب ذلك بذكر من اتصف بالبر، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ يذكر تحريم الدماء، ويستدعي حفظها وصونها، فنبه بمشروعية القصاص على تحريمها، ونبه على جواز أخذ مال بسببها، وأنه ليس من المال الذي يؤخذ من غير وجهه، وكان تقديم تبيين ما أحل الله وما حرم من المأكول على تبيين مشروعية القصاص لعموم البلوى بالمأكول، لأن به قوام البنية، وحفظ صورة الإنسان. ثم ذكر حكم متلف تلك الصورة، لأن من كان مؤمناً يندر منه وقوع القتل، فهو بالنسبة لمن اتصف بالأوصاف السابقة بعيد منه وقوع ذلك، وكان ذكر تقديم ما تعم به البلوى أعم، ونبه أيضاً على أنه، وإن عرض مثل هذا الأمر الفظيع لمن اتصف بالبر، فليس ذلك مخرجاً له عن البر، ولا عن الإيمان، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان فقال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى}.
والمعنى: أنكم أيها المؤمنون وجب عليكم استيفاء القصاص من القاتل بسبب قتل القتلى بغير موجب، ويكون الوجوب متعلق الإمام أو من يجري مجراه في استيفاء الحقوق إذا أراد ولي الدم استيفاءه، أو يكون ذلك خطاباً مع القاتل، والتقدير، يا أيها القاتلون، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص، وذلك أنه يجب على القاتل، إذا أراد الولي قتله، أن يستسلم لأمر الله وينقاد لقصاصه المشروع، وليس له أن يمتنع بخلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحدّ، ولهما أن يستترا بستر الله، ولهما أن لا يعترفا.
قال الراغب: فان قيل: على من يتوجه هذا الوجوب؟ قيل على الناس كافة، فمنهم من يلزمه تسليم النفس، وهو القاتل، ومنهم من يلزمه استيفاؤه، وهو الإمام إذا طلبه الولي، ومنهم من يلزمه المعاونة والرضى، ومنهم من يلزمه أن لا يتعدّى، بل يقتص أو يأخذ الدية، والقصد بالآية منع التعدّي، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعدّون في القتل، وربما لا يرضى أحدهم إذا قتل عبدهم إلاَّ بقتل حر.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما تقدم أن شرط رفع الإثم عن المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل شيء،
وكان من جملة ما خالف فيه أهل الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه تعالى بقوله {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} [البقرة: 84] الآيات وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد؛ أخبر المؤمنين بما أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذاً لهم بالإقبال عليهم بالخطاب
{يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا الإيمان بألسنتهم، ولما حصل التعديل بها وقع سابقاً من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم إنما هو لله بني للمجهول...
{فمن عفي له} عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا كره -انتهى. وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي عاف كان له العفو في شيء من الحق ولو كان يسيراً وهو معنى قوله: {من أخيه شيء} أي أي شيء كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية،
وفي التعبير بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث {ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ} [النساء: 92] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن يقتل مؤمناً إنما قصد أن يقتل عدوّاً وشاتماً أو عادياً على أهله و ماله أو ولده.
فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان... {فاتباع} أي فالأمر في ذلك اتباع من ولي الدم {بالمعروف} فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما تجره إليها أحقاد الجنايات.
والمعروف ما شهد عيانه لموافقته وبقبول موقعه بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر...
ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال {وأداء إليه بإحسان} لئلا يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه، وفي إعلامه إلزام لأولياء الجاني بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما لهم من السلطان {فقد جعلنا لوليه سلطاناً... فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ الجاني بجنايته...
{تخفيف} أي عن القتال وأوليائه {من ربكم} المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل. وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن تصيب منها الأخرى...
{فله عذاب أليم} بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في عبيده الحكم الذي لا تسوغ مخالفته، وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظاً عليه...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
ذكر المفسر وغيره أن القصاص على القتل كان محتما عند اليهود وأن القرآن جاء وسطا يفرض القصاص إذا أصر عليه أولياء المقتول ويجيز الدية إذا عفوا. وقد أقرهم الأستاذ الإمام على قولهم إن القتل قصاصا كان حتما عند اليهود كما في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج والعشرين من التثنية. وأنكر عليهم قولهم إن الدية كانت حتما عند النصارى فإنه ليس في كتبهم شيء يحتم عليهم ذلك إلا أن يقال إن ذلك مأخوذ من وصايا التساهل والعفو وجزاء الإساءة بالإحسان من الإنجيل، ولكن أخذ الدية ضرب من ضروب الجزاء ينافي هذه الوصايا.
وإذا نظرنا في أعمال الأولين والآخرين وشرائعهم في القتل نجد القرآن وسطا حقيقيا لا بين ما نقل عن اليهود والنصارى فقط بل بين مجموع آراء البشر من أهل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية،
فقد كانت العرب تتحكم في ذلك على قدرة القبائل وضعفها، فرب حر كان يقتل من قبيلة فلا ترضى قبيلته بأخذ القاتل به، بل تطلب به رئيسا، وأحيانا كانوا يطلبون بالواحد عشرة وبالأنثى ذكرا، وبالعبد حرا، فإن أجيبوا وإلا قاتلوا قبيلة القاتل وسفكوا دماء كثيرة، وهذا إفراط وظلم عظيم تقتضيه طبيعة البداوة الخشنة.
وفرض التوراة قتل القاتل إصلاح في هذا الظلم، ولكن يوجد في الناس لاسيما أهل القوانين في زماننا هذا من ينكر المعاقبة بالقتل ويقولون إنه من القسوة وحب الانتقام في البشر. ويرون أن المجرم الذي يسفك الدم يجب أن تكون عقوبته تربية لا انتقاما، وذلك يكون بما دون القتل، ويشددون النكير على من يحكم بالقتل إذا لم تثبت الجريمة على القاتل بالإقرار، بأن تثبت بالقرائن أو بشهادة شهود يجوز عليهم الكذب، ويرون أن الحكومة إذا علمت الناس التراحم في العقوبات فذلك أحسن تربية لهم، ومنهم من يقول إن المجرمين لا يكونون إلا مرضى العقول فالواجب أن يوضعوا في مستشفيات الأمراض العقلية ويعالجون فيها إلى أن يبرؤوا.
وإذا دققنا النظر في أقوال هؤلاء نرى أنهم يريدون أن يشرعوا أحكاما خاصة بقوم تعلموا وتربوا على الطرق الحديثة وسيسوا بالنظام والحكم، حتى لا سبيل لأولياء المقتول أن يثأروا له من القاتل ولا أن يسفكوا لأجله دماء بريئة، وحتى يؤمن من استمرار العداوة والبغضاء بين بيوت القائلين، ووجدت عندهم جميع وسائل التربية والمعالجة، لا أحكاما عامة لجميع البشر، في البدو والحضر، ومع هذا نرى كثيرا من الناس حتى المنتسبين إلى الإسلام يغترون بآرائهم ويرونها شبهة على الإسلام وأما النافد البصيرة العارف بمصالح الأمم الذي يزن الأمور العامة بميزان المصلحة العامة لا بميزان الوجدان الشخصي بنفسه أو ببلده فإنه يرى أن القصاص بالعدل والمساواة هو الأصل الذي يربي الأمم والشعوب والقبائل كلها، وأن تركه بالمرة يغري الأشقياء بالجراءة على سفك الدماء، وأن الخوف من الحبس والأشغال الشاقة إذا أمكن أن يكون مانعا من الإقدام على الانتقام بالقتل في البلاد التي غلب على أهلها التراحم أو الترف والانغماس في النعيم كبعض بلاد أوربة فإنه لا يكون كذلك في كل البلاد وكل الشعوب، بل إن من الناس في هذه البلاد وفي غيرها من يحبب إليه الجرائم أو يسهلها عليه كون عقوبتها السجن الذي يراه خيرا من بيته،... فقتل القاتل هو الذي يربي الناس في كل زمان ومكان ويمنعهم من القتل.
(قال شيخنا): وقد بلغ في الاعتراف بذلك معدل القانون المصري حيث أجاز الحكم بالإعدام إذا وجدت القرائن القاطعة على ثبوت التهمة، بعد أن كان لا يجيزه إلا بالاعتراف أو شهادة شهود الرؤية. وقد تقع في كل بلاد صور من جرائم القتل يكون فيها الحكم بقتل القاتل ضارا وتركه لا مفسدة فيه، كأن يقتل الإنسان أخاه أو أحد أقاربه لعارض دفعه إلى ذلك، ويكون هذا القاتل هو العائل لذلك البيت، وإذا قتل يفقدون بقتله المعين والظهير، بل قد يكون في قتل القاتل أحيانا مفاسد ومضار وإن كان أجنبيا من المقتول، ويكون الخير لأولياء المقتول عدم قتله لدفع المفسدة، أو لأن الدية أنفع لهم، فأمثال هذه الصور توجب أن لا يكون الحكم بقتل القاتل حتما لازما في كل حال، بل يكون هو الأصل، ويكون تركه جائزا برضاء أولياء المقتول وعفوهم، فإذا ارتقت عاطفة الرحمة، في شعب أو قبيل أو بلد إلى أن صار أولياء القاتل منهم يستنكرون القتل ويرون العفو أفضل وأنفع فذلك إليهم، والشريعة لا تمنعهم منه بل ترغبهم فيه، وهذا الإصلاح الكامل في القصاص هو ما جاء به القرآن، وما كان ليرتقي إليه بنفسه علم الإنسان."
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
يتضمن هذا الدرس جانبا من التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المسلم الذي كان ينشأ في المدينة نشأته الأولى، كما يتضمن جانبا من العبادات المفروضة.. هذه وتلك مجموعة متجاورة في قطاع واحد من قطاعات السورة. وهذه وتلك مشدودة برباط واحد إلى تقوى الله وخشيته، حيث يتكرر ذكر التقوى في التعقيب على التنظيمات الاجتماعية والتكاليف التعبدية سواء بسواء.. وحيث تجيء كلها عقب آية البر التي استوعبت قواعد التصور الإيماني وقواعد السلوك العملي في نهاية الدرس السابق.
[و] في هذا الدرس حديث عن القصاص في القتلى وتشريعاته. وفيه حديث عن الوصية عند الموت.. ثم حديث عن فريضة الصوم وشعيرة الدعاء وشعيرة الاعتكاف.. وفي النهاية حديث عن التقاضي في الأموال. وفي التعقيب على القصاص ترد إشارة إلى التقوى:د ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}.. وفي التعقيب على الوصية ترد الإشارة إلى التقوى كذلك: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت -إن ترك خيرا- الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين}.. وفي التعقيب على الصيام ترد الإشارة إلى التقوى أيضا: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.. ثم ترد نفس الإشارة بعد الحديث عن الاعتكاف في نهاية الحديث عن أحكام الصوم: {تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}.. ولا تبعد التعقيبات القليلة الباقية في الدرس عن معنى التقوى، واستجاشة الحساسية والشعور بالله في القلوب. فتجيء هذه التعقيبات: {ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}..
{فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}.. {إن الله سميع عليم}.. {إن الله غفور رحيم}.. وهو اطراد يوجه النظر إلى حقيقة هذا الدين.. إنه وحدة لا تتجزأ.. تنظيماته الاجتماعية، وقواعده التشريعية وشعائره التعبدية.. كلها منبثقة من العقيدة فيه؛ وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة؛ وكلها مشدودة برباط واحد إلى الله؛ وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة:عبادة الله الواحد. الله الذي خلق، ورزق، واستخلف الناس في هذا الملك، خلافة مشروطة بشرط:أن يؤمنوا به وحده؛ وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده؛ وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده. وهذا الدرس بمجموعة الموضوعات التي يحتويها، والتعقيبات التي يتضمنها، نموذج واضح لهذا الترابط المطلق في هذا الدين..
وتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة. نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس.. الآية..
قال ابن كثير في التفسير: "وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم... عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} -يعني إذا كان عمدا- الحر بالحر... وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية -قبل الإسلام بقليل. فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا. فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم.. فنزل فيهم: {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}.. منسوخة نسختها: {النفس بالنفس}.. وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: {النفس بالنفس}
والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس.. وأن لكل منهما مجالا غير مجال الأخرى. وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين كذلك. فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدا.. فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي- كحالة ذينك الحيين من العرب -حيث تعتدي أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة. فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء.. فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك، والعبد من هذه بالعبد من تلك، والأنثى من هذه بالأنثى من تلك. وإلا فكيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة؟ وإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية، ولا تعارض في آيات القصاص...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أعيد الخطاب ب"يأيُّها الذين آمنوا" لأن هذا صنف من التشريع لأحكام ذات بال في صلاح المجتمع الإسلامي واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد الهجرة جماعةً ذات استقلال بنفسها ومديِنتها، فإن هاته الآيات كانت من أول ما أنزل بالمدينة عام الهجرة كما ذكره المفسرون في سبب نزولها في تفسير قوله تعالى بعدَ هذا: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] الآية. تلك أحكام متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال المجتمع، وابتدئ بأحكام القصاص، لأن أعظم شيء من اختلال الأحوال اختلالُ حفظ نفوس الأمة، وقد أفرط العرب في إضاعة هذا الأصل، يَعلم ذلك مَنْ له إلمام بتاريخهم وآدابهم وأحوالهم، فقد بلغ بهم تطرفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال ذلك فلم يتداركهم الله فيه بنعمة الإسلام، فكانوا يغير بعضهم على بعض لغنيمة أنعامه وعبيده ونسائه فيدافع المُغَار عليه وتتلف نفوس بين الفريقين، ثم ينشأ عن ذلك طلب الثارات، فيسعى كل من قتل له قتيل في قَتْل قاتِل وليِّه، وإن أعوزه ذلك قتل به غيره من واحدٍ كفءٍ له، أو عدد يراهم لا يوازونه، ويسمون ذلك بالتكايل في الدم، أي: كأنَّ دم الشريف يُكال بدماء كثيرة فربما قدروه باثنين أو بعشرة أو بمائة، وهكذا يدور الأمر ويتزايد تزايداً فاحشاً حتى يصير تفانياً...وينتقل الأمر من قبيلة إلى قبيلة بالولاء والنسب والحلف والنصرة، حتى صارت الإحن فاشية فتخاذلوا بينهم، واستنصر بعض القبائل على بعض، فوجد الفرس والروم مدخلاً إلى التفرقة بينهم فحكموهم وأرْهبوهم،
وإلى هذا الإشارة والله أعلم بقوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} [البقرة: 231] أي كنتم أعداء بأسباب الغارات والحروب فألف بينكم بكلمة الإسلام، وكنتم على وَشْك الهلاك فأنقذكم منه، فضَرب مثلاً للهلاك العاجل الذي لا يُبقي شيئاً بحفرة النار، فالقائم على حافتها ليس بينه وبين الهلاك إلاّ أقلُّ حركة...
والقصاص اسم لتعويض حق جنايةٍ أو حق غُرْم على أحد بمثل ذلك من عند المحقوق إنصافاً وعدلاً، فالقصاص يطلق على عقوبة الجاني بمثل ما جنَى، وعلى محاسبة رب الدين بما عليه للمدين من دين يفي بدينه، فإطلاقاته كلها تدل على التعادل والتناصف في الحقوق والتبعات المعروضة للغمص. وهو بوزن فِعال وهو وزن مصدر فَاعَلَ من القص وهو القطع ومنه قولهم: طائر مقصوص الجناح ومنه سمي المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما يقص منه لأنه يجري في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاصّ فلان فلاناً إذا طرح من دين في ذمته مقداراً بدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله، فلذلك سمي القَود وهو تمكينُ ولي المقتول من قَتل قاتِل مولاه قصاصاً قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]، وسميت عقوبة من يجرح أحداً جُرحاً عمداً عدواناً بأن يُجْرح ذلك الجارح مثل ما جَرح غيره قصَاصاً قال تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] وسموا معاملة المعتدي بمثل جرمه قصاصاً.
{والحرمات قصاص} [البقرة: 194]، فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل...
ويبقى بعد هاته التأويلات سؤال قائم عن وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى: {الحر بالحر والعبد بالعبد} وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها للاحتراز عن النساء منهم؛ فإن (ال) لمّا صيرته اسم جنس صار الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن كانت فيه. ولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمه الله عن وجه مجيء هذه المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلاّ لقتل مماثله في الصفة فترك لي ورقة بخطه فيها ما يأتي: الظاهر والله تعالى أعلم أن الآية (يعني آية سورة المائدة) نزلت إعلاماً بالحكم في بني إسرائيل تأنيساً وتمهيداً لحكم الشريعة الإسلامية، ولذلك تضمنت إناطة الحكم بلفظ النفس المتناول للذكر والأنثى الحر والعبد الصغير والكبير، ولم تتضمن حكماً للعبيد ولا للإناث، وصدرت بقوله {وكتبنا عليهم فيها} [المائدة: 45]، والآية الثانية (يعني آية سورة البقرة) صدرت بقوله: {كتب عليكم} وناط الحكم فيها بالحرية المتناولة للأصناف كلها ثم ذكر حكم العبيد والإناث رداً على من يزعم أنه لا يقتص لهم، وخصص الأنثى بالأنثى للدلالة على أن عدمها معصوم، وذلك لأنه إذا اقتص لها من الأنثى ولم يقتص لها من الذكر، صار الدم معصوماً تارة لذاته غير معصوم أخرى، وهذا من لطف التبليغ، حيث كان الحكم متضمناً لدليله، فقوله:
كتب القتل والقتال علينا *** وعلى الغانيات جر الذيول.
حكم جاهلي اهـ. يعني أن الآية لم يقصد منها إلاّ إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من ترك القصاص لشرف أو لقلة اكتراث، فقصدت التسوية بقوله {الحر بالحر والعبد بالعبد} أي لا فضل لحر شريف على حر ضعيف ولا لعبيد السادة على عبيد العامة وقصدت من ذكر الأنثى إبطال ما كان عليه الجاهلية من عدم الاعتداد بجناية الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجناياتها، وأراد بقوله: حكم جاهلي أنه ليس جارياً على أحكام الإسلام؛ لأن البيت لعمر ابن أبي ربيعة وهو شاعر إسلامي من صدر الدولة الأموية...
فإن قلت: كان الوجه ألا يقول: {بالأنثى} المشعر بأن الأنثى لا تقتل بالرجل مع إجماع المسلمين على أن المرأة يقتص منها للرجل. قلت: الظاهر أن القيد خرج مخرج الغالب، فإن الجاري في العرف أن الأنثى لا تقتل إلاّ أنثى، إذ لا يتثاور الرجال والنساء فذكر {بالأنثى} خارج على اعتبار الغالب كمخرج وصف السائمة في قول النبي صلى الله عليه وسلم « في الغنم السائمة الزكاة» والخلاصة أن الآية لا يلتئم منها معنى سليم من الإشكال إلاّ معنى إرادة التسوية بين الأصناف لقصد إبطال عوائد الجاهلية...
وقوله: {بالمعروف} المعروف هو الذي تألفه النفوس وتستحسنه فهو مما تُسَر به النفوس ولا تشمئز منه ولا تنكره، ويقال لضده مُنْكَر...
والباء في قوله: {بالمعروف} للملابسة أي فاتباع مُصاحب للمعروف أي رِضا وقبول، وحسنُ اقتضاء إن وقع مطل، وقبول التنجيم إن سأله القاتل.
والأداء: الدفع وإبلاغ الحق والمراد به إعطاء مال الصلح،
وذُكر متعلقه وهو قوله {إليه} المؤذن بالوصول إليه والانتهاء إليه للإشارة إلى إبلاغ مال الصلح إلى ولي المقتول بأن يذهب به إليه ولا يكلفه الحضور بنفسه لقبضه أو إرسال من يقبضه، وفيه إشارة إلى أنه لا يمطله، وزاد ذلك تقريراً بقوله: {بإحسان} أي دون غضب ولا كلام كريه أو جَفاء معاملة...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذا كلام في البر أيضا، ذلك [بأن] البر عمل موجب وعمل مانع، أو عمل يبني الجماعات فيكون موجبا، وعمل يحميها فيكون حاميا مانعا، والأول تبين بقوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} [البقرة 177] إلى آخر الآية.
والآية التي نتعرض للكلام في معانيها الآن، هي لحماية الجماعة الإسلامية من الآفات التي تفتك في بنائها، وتحميها أيضا من الاعتداء وتفريق النفوس، وتأريث الأحقاد، فإذا كان من البر إعطاء المال على حبه للضعفاء، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصبر لأنه يؤلف القلوب، فمن البر أيضا الضرب على أيدي المفسدين، ومنعهم من أن يعيثوا في الأرض فسادا...
عندما تقرأ (كتب عليكم) فافهم أن فيها إلزاما ومشقة، وهي على عكس (كتب لكم) مثل قوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} (من الآية 51 سورة التوبة). إن (كتب لنا) تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا. وفي ظاهر الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل فيكون ولي المقتول مكتوباً له القصاص، إذن كل {عليك} مقابلها {لك}، وأنت عرضة أن تكون قاتلا أو مقتولا. فإن كنت مقتولا فالله كتب لك. وإن كنت قاتلا فقد كتب الله عليك. لأن الذي (لي) لابد أن يكون (على) غيري، والذي (علي) لابد أن يكون (لغيري)...
الأولى : روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال : " كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ، فقال اللّه لهذه الأمة : " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء " فالعفو أن يقبل الدية في العمد " فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " مما كتب على من كان قبلكم " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " قتل بعد قبول الدية " . هذا لفظ البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو [ قال ]{[1485]} سمعت مجاهدا [ قال ]{[1486]} سمعت ابن عباس [ يقول ]{[1487]} : وقال الشعبي في قوله تعالى : " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " قال : أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا ، نقبل بعبدنا فلان بن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان ، ونحوه عن قتادة .
الثانية : قوله تعالى : " كتب عليكم القصاص " " كتب " معناه فرض وأثبت ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :
كتب القتل والقتال علينا *** وعلى الغانيات جرُّ الذيول
وقد قيل : إن " كتب " هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء . والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار . وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ، ومنه " فارتدا على آثارهما قصصا " [ الكهف : 64 ] . وقيل : القص القطع ، يقال : قصصت ما بينهما . ومنه أخذ القصاص ، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به ، يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه ، أي اقتص منه .
الثالثة : صورة القصاص هو أن القاتل فُرِض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر اللّه والانقياد لقصاصه المشروع ، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره ، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل ، وهو معنى قوله عليه السلام : ( إن من أعتى الناس على اللّه يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول{[1488]} الجاهلية ) . قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد ، قتله عبد قوم آخرين قالوا : لا نقتل به إلا حرا ، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، وإذا قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا ، ويقولون : [ القتل أوقى للقتل ] بالواو والقاف ، ويروي [ أبقى ] بالباء والقاف ، ويروى [ أنفى ] بالنون والفاء ، فنهاهم اللّه عن البغي فقال : " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد " الآية ، وقال " ولكم في القصاص حياة " [ البقرة : 179 ] . وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم .
الرابعة : لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر ، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك ، لأن اللّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص ، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود . وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء ، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح ، على ما يأتي بيانه . فإن قيل : فإن قوله تعالى " كتب عليكم " معناه فرض وألزم ، فكيف يكون القصاص غير واجب ؟ قيل له : معناه إذا أردتم ، فاعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح . والقتلى جمع قتيل ، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة ، وهو مما يدخل على الناس كرها ، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى ، وشبههن .
الخامسة : قوله تعالى : " الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " الآية . اختلف في تأويلها ، فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه ، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا ، والعبد إذا قتل عبدا ، والأنثى إذا قتلت أنثى ، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر ، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " [ المائدة : 45 ] ، وبينه النبي صلى اللّه عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة ، قاله مجاهد ، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس . وروي عن ابن عباس أيضا أنها منسوخة بآية " المائدة{[1489]} " وهو قول أهل العراق .
السادسة : قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد ، والمسلم بالذمي ، واحتجوا بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " فعم ، وقوله : " وكتبا عليهم فيها أن النفس بالنفس " [ المائدة : 45 ] ، قالوا : والذمي مع المسلم{[1490]} متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد ، فإن الذمي مَحْقُونُ الدم على التأبيد ، والمسلم كذلك ، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي ، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم ، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه . واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به ، وهو قول داود ، وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي اللّه عنهما ، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة . السابعة : والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد ، للتنويع والتقسيم في الآية . وقال أبو ثور : لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك ، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض . وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة ، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد . وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى ، ويتصرف فيه الحر كيف شاء ، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة .
قلت : هذا الإجماع صحيح . وأما قوله أولا : " ولما اتفق جميعهم - إلى قوله - فقد ناقض " فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء ، واستدل داود بقوله عليه السلام : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) فلم يفرق بين حر وعبد . وسيأتي بيانه في " النساء{[1491]} " إن شاء اللّه تعالى .
السابعة : والجمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : ( لا يقتل مسلم بكافر ) أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب . ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر ، لأنه منقطع ، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعا . قال الدارقطني : " لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث . والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث ، فكيف بما يرسله " .
قلت : فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري ، وهو يخصص عموم قوله تعالى : " كتب عليكم القصاص في القتلى " الآية ، وعموم قوله : " النفس بالنفس " [ المائدة : 45 ] .
الثامنة : روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدا أو عبد حرا ، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا ، وقالا : إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية ، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة . وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها . روى هذا الشعبي عن علي ، ولا يصح ؛ لأن الشعبي لم يلق عليا . وقد روى الحكم عن علي وعبد الله قالا : إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود ، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي . وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور ، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور ، وقتل ذا يدين وهو أشل ، فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس ، ويكافئ الطفل فيها الكبير . ويقال لقائل ذلك : إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية ، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص ، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص ، فليس قولك هذا بأصل ولا قياس ، قاله أبو عمر رضي اللّه عنه . وإذا قتل الحر العبد ، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد ، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد ، هذا مذكور عن ، علي والحسن ، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا .
التاسعة : وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء . وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات . قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور : وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس . وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة : لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس ، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى ، على ما تقدم .
العاشرة : قال ابن العربي : ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه ، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( من قتل عبده قتلناه ) وهو حديث ضعيف . ودليلنا قوله تعالى : " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل{[1492]} " [ الإسراء : 33 ] والولي ههنا السيد ، فكيف يجعل له سلطان على نفسه " . وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال ، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ( ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به ) . فإن قيل : فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا : ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج ، إذ النكاح ضرب من الرق ، وقد قال ذلك الليث بن سعد . قلنا : النكاح ينعقد لها عليه ، كما ينعقد له عليها ، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها ، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها ، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل اللّه له عليها بما أنفق من ماله ، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة ، فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين .
قلت : هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح ، أخرجه النسائي وأبو داود ، وتتميم متنه : ( ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه ) . وقال البخاري عن علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح ، وأخذ بهذا الحديث . وقال البخاري : وأنا أذهب إليه ، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان ، وحسبك بهما . ويقتل الحر بعبد نفسه . قال النخعي والثوري في أحد قوليه وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة ، واللّه أعلم . [ واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس ، هذا قول عمر بن عبدالعزيز وسالم بن عبدالله والزهري وقران{[1493]} ومالك والشافعي وأبو ثور . وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة : لا قصاص بينهم إلا في النفس . قال ابن المنذر : الأول أصح ]{[1494]} .
الحادية عشرة : روى الدارقطني وأبو عيسى الترمذي عن سراقة بن مالك قال : حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقيد الأب من ابنه ، ولا يقيد الابن من أبيه . قال أبو عيسى : " هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده بصحيح ، رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح ، والمثنى يضعف في الحديث ، وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقد روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا ، وهذا الحديث فيه اضطراب ، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به ، وإذا قذفه لا يحد " . وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمدا ، فقالت طائفة : لا قود عليه وعليه ديته ، وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد . وقال مالك وابن نافع وابن عبدالحكم : يقتل به . وقال ابن المنذر : وبهذا نقول لظاهر الكتاب والسنة ، فأما ظاهر الكتاب فقوله تعالى : " كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد " ، والثابت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ) ولا نعلم خبرا ثابتا يجب به استثناء الأب من جملة الآية ، وقد روينا فيه أخبارا غير ثابتة . وحكى الكيا الطبري عن عثمان البتي أنه يقتل الوالد بولده ، للعمومات في القصاص . وروي مثل ذلك عن مالك ، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن . قلت : لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمدا مثل أن يضجعه ويذبحه أو يصبره{[1495]} مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ ، أنه يقتل به قولا واحدا . فأما إن رماه بالسلاح أدبا أو حنقا فقتله ، ففيه في المذهب قولان : يقتل به ، ولا يقتل به وتغلظ الدية ، وبه قال جماعة العلماء . ويقتل الأجنبي بمثل هذا . ابن العربي{[1496]} : " سمعت شيخنا فخر الإسلام الشاشي يقول في النظر : لا يقتل الأب بابنه ، لأن الأب كان سبب وجوده ، فكيف يكون هو سبب عدمه ؟ وهذا يبطل بما إذا زنى بابنته فإنه يرجم ، وكان سبب وجودها وتكون هي سبب عدمه ، ثم أي فقه تحت هذا ، ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى اللّه تعالى في ذلك{[1497]} . وقد أثروا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( لا يقاد الوالد بولده ) وهو حديث باطل ، ومتعلقهم أن عمر رضي اللّه عنه قضى بالدية مغلظة في قاتل ابنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ، فأخذ سائر الفقهاء رضي اللّه عنهم المسألة مسجلة{[1498]} ، وقالوا{[1499]} : لا يقتل الوالد بولده ، وأخذها مالك محكمة مفصلة فقال : إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل وعدمه ، وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تسقط القود ، فإذا أضجعه كشف الغطاء عن قصده فالتحق بأصله " . قال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : إذا قتل الابن الأب قتل به .
الثانية عشرة : وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على قوله : لا تقتل الجماعة بالواحد ، قال : لأن اللّه سبحانه شرط المساواة ولا مساواة بين الجماعة والواحد . وقد قال تعالى : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " [ المائدة : 45 ] . والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان ، ردّاً على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل ، وتقتل في مقابلة الواحد مائة ، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة ، فأمر اللّه سبحانه بالعدل والمساواة ، وذلك بأن يقتل من قتل ، وقد قتل عمر رضي اللّه عنه سبعة برجل بصنعاء وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا . وقتل علي رضي اللّه عنه الحرورية{[1500]} ب " عبداللّه بن خباب " فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا ، فلما ذبحوا عبدالله بن خباب كما تذبح الشاة ، وأخبر علي بذلك قال : ( اللّه أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبدالله بن خباب ، فقالوا : كلنا قتله ، ثلاث مرات ، فقال علي لأصحابه : دونكم القوم ، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه ) خرج الحديثين الدارقطني في سننه . وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم اللّه في النار ) . وقال فيه : حديث غريب . وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الأمل من التشفي ، ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ واللّه أعلم . [ وقال ابن المنذر : وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وابن سيرين : لا يقتل اثنان بواحد . روينا ذلك عن معاذ بن جبل وابن الزبير وعبد الملك ، قال ابن المنذر : وهذا أصح ، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد . وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه ]{[1501]} .
الثالثة عشرة : روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا ) ، لفظ أبي داود . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح . وروي عن أبي شريح الخزاعي{[1502]} عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : ( من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية ) . وذهب إلى هذا بعض أهل العلم ، وهو قول أحمد وإسحاق .
الرابعة عشرة : اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد ، فقالت طائفة : ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل . يروى هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ، ورواه أشهب عن مالك ، وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وحجتهم حديث أبي شريح وما كان في معناه ، وهو نص في موضع الخلاف ، وأيضا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه ؛ لأن فرضا عليه إحياء نفسه ، وقد قال اللّه تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم{[1503]} " [ النساء : 29 ] . وقوله : " فمن عفي له من أخيه شيء " أي ترك له دمه في أحد التأويلات ، ورضي منه بالدية " فاتباع بالمعروف " أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية ، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان ، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " أي أن من كان قبلنا لم يفرض اللّه عليهم غير النفس بالنفس ، فتفضل اللّه على هذه الأمة بالدية إذا رضي بها ولي الدم ، على ما يأتي بيانه . وقال آخرون : ليس لولي المقتول إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه ، وبه قال الثوري والكوفيون . واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع{[1504]} حين كسرت ثنية المرأة ، رواه الأئمة قالوا : فلما حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقصاص وقال : ( القصاص كتاب اللّه ، القصاص كتاب اللّه ) ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب اللّه وسنة رسوله في العمد هو القصاص ، والأول أصح ، لحديث أبي شريح المذكور . وروى الربيع عن الشافعي قال : أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال : وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال عام الفتح : ( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود ) . فقال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث ؟ فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال : أحدثك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتقول : تأخذ به نعم آخذ به ، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه ، إن اللّه عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى اللّه عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه ، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه ، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين ، لا مخرج لمسلم من ذلك ، قال : وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت .
الخامسة عشرة : قوله تعالى : " فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " اختلف العلماء في تأويل " من " و " عفي " على تأويلات خمس :أحدها : أن " من " يراد بها القاتل ، و " عفي " تتضمن عافيا هو ولي الدم ، والأخ هو المقتول ، و " شيء " هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية ، هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء . والعفو في هذا القول على بابه الذي هو الترك . والمعنى : أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتوله وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدية ويتبع بالمعروف ، ويؤدي إليه القاتل بإحسان .
الثاني : وهو قول مالك أن " من " يراد به الولي " وعفي " يسر ، لا على بابها في العفو ، والأخ يراد به القاتل ، و " شيء " هو الدية ، أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه ، فمرة تيسر ومرة لا تيسر . وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه . وقد روي عن مالك هذا القول ، ورجحه كثير من أصحابه . وقال أبو حنيفة : إن معنى " عفي " بذل ، والعفو في اللغة : البذل ، ولهذا قال اللّه تعالى : " خذ العفو{[1505]} " [ الأعراف : 199 ] أي ما سهل . وقال أبو الأسود الدؤلي :
[ وقال صلى اللّه عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان اللّه وآخره عفو اللّه ) يعني شهد اللّه على عباده . فكأنه قال : من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف . وقال قوم : وليؤد إليه القاتل بإحسان ، فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل ، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة ، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة " المائدة " " فمن تصدق به فهو كفارة له " [ المائدة : 45 ]{[1506]}فندب إلى رحمة العفو والصدقة ، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية ، ثم أمر الولي باتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان ]{[1507]} .
وقد قال قوم : إن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة . ومعنى الآية : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات ، ويكون " عفي " بمعنى فضل .
روى سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبي قال : كان بين حيين من العرب قتال ، فقتل من هؤلاء وهؤلاء . وقال أحد الحيين : لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل وبالرجل المرأة ، فارتفعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عليه السلام : ( القتل سواء ) فاصطلحوا على الديات ، ففضل أحد الحيين على الآخر ، فهو قوله : " كتب " إلى قوله : " فمن عفي له من أخيه شيء " يعني فمن فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف ، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية ، وذكر سفيان العفو هنا الفضل ، وهو معنى يحتمله اللفظ .
وتأويل خامس{[1508]} : وهو قول علي رضي اللّه عنه والحسن في الفضل بين دية الرجل والمرأة والحر والعبد ، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف ، و " عفي " في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل .
السادسة عشرة : هذه الآية حض من اللّه تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب ، وحسن القضاء من المؤدي ، وهل ذلك على الوجوب أو الندب . فقراءة الرفع تدل على الوجوب ، لأن المعنى فعليه اتباع بالمعروف . قال النحاس : " فمن عفي له " شرط والجواب ، لأن المعنى فعليه اتباع بالمعروف . قال النحاس : " فمن عفي له " شرط والجواب " فاتباع " وهو رفع بالابتداء ، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف . ويجوز في غير القرآن " فاتباعا " و " أداء " بجعلهما مصدرين . قال ابن عطية : وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " فاتباعا " بالنصب . والرفع سبيل للواجبات ، كقوله تعالى : " فإمساك بمعروف{[1509]} " [ البقرة : 229 ] . وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا ، كقوله : " فضرب الرقاب{[1510]} " [ محمد : 4 ] .
السابعة عشرة : قوله تعالى : " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك ، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية ، فجعل اللّه تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة ، فمن شاء قتل ، ومن شاء أخذ الدية ، ومن شاء عفا .
قوله تعالى : " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " شرط وجوابه ، أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط [ الدم{[1511]} ] قاتل وليه . " فله عذاب أليم " قال الحسن : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدية فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية ، حتى يأمن القاتل ويخرج ، فيقتله ثم يرمي إليهم بالدية . واختلف العلماء فيمن قتل بعد أخذ الدية ، فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي : هو كمن قتل ابتداء ، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة . وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو . وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( لا أعفى{[1512]} من قتل بعد أخذ الدية ) . وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة . وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى . وفي سنن الدارقطني عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( من أصيب بدم أو خبل - والخبل عرج - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث : فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل ، فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا ) .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) القصاص معناه المماثلة في العقاب فأيما أحد اعتدى عمدا بقتل أو دونه كالجرح وغيره ، كان لولي القتيل أو للجريح أو المعتدى عليه أن يقتص بالمثل من المعتدي القاتل أو الجارح . وقيل : القصاص مأخوذ من قص الأثر ، ذلك أن القاتل بعد عدوانه يولي ذاهبا فيكون لقدميه من بعده أثر مما يعين أولياء القتيل على تتبع أثره وملاحقته وإدراكه . وقيل : القصاص مأخوذ من القص أي القطع ، وأساس ذلك أن يُقتل المعتدي أو يجرح قصاصا نظير عدوانه{[193]} .
ولقد شرع الإسلام القصاص عقابا رادعا تنزجر به نفوس الذين يسول لهم الشيطان أن يعتدوا على الآخرين بغير حق . وقد بينا سابقا أن الإسلام جاء مناسبا للفطرة البشرية تماما ، إذ جعل ولي القتيل أو المعتدى عليه بالخيار بين ثلاث . فإما القصاص ، وإما الدية ، وإما العفو . وذلك خلافا للكتب السماوية من قبل الإسلام فكانت من هذه القضية بالذات ما بين إفراط وتفريط . فالتوراة كان فيها إيجاب للقصاص دون الدية أو العفو . والإنجيل كان فيه إيجاب للعفو دون القصاص أو الدية .
ومن ذلك يبدو أن كلا الموقفين يأتي في غير صالح الفطرة البشرية أو أن كليهما لا يتلاءم مع المصلحة التي تقتضيها حقيقة التفاوت في رغبات البشر .
ومعلوم أن الناس متفاوتون ما بين حاد يؤثر الانتقام وإشفاء الغليل ، أو راغب في مال تهدأ معه سورة الغضب في نفسه ، أو وقور متبتل ودود يؤثر العفو على المال وإشفاء الغليل . فقد جاءت شريعة الإسلام ملاءمة لمثل هذه الطبائع المتفاوتة في رغائبها . وتطلعاتها . فشرعت بذلك الولي أو المصاب أن يختار بين أمور ثلاثة : القصاص والدية والعفو .
ويتبين من هذه الآية أن الناس كانوا لا يعدلون في القتل العمد ، بل كانوا يقتلون الرجل بالمرأة والحر بالعبد وذلك على سبيل المفاخرة والاستكبار . فكانوا إذا قتلت المرأة في القبيلة المشهورة قال أولياؤها : لا نقتل إلا رجلا بدلا منها من قبيلة القاتل . وإذا قتل الرجل فيها قال أولياؤه : نقتل بدلا منه اثنين أو أكثر ولا نكتفي بواحد أو القاتل نفسه . وإذا قُتل العبدُ في القبيلة ذات النفوذ والصيت قالوا : لا نقتل بدلا منه إلا حرا .
وذلك تصرف جاهلي ظالم أساسه التصور الضال الذي يراود أذهان الفاسدين والمنحرفين من الناس الذين يعيشون على الجاهلية الحمقاء في تعصبها وسفاهتها واستكبارها ؛ لذلك نزل قوله سبحانه ليضع الأمور في مواضعها الصحيحة وليقيم للقضايا وقواعد الحياة كلها خير ميزان : ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) أي لا ينبغي أن يُقتل بدل العبد حر ، ولا بدل الأنثى رجل . وإنما ينبغي أن يقتل القاتل نفسه سواء كان القاتل حرا أو عبدا أو أنثى . وسواء كان القتيل عبدا أو امرأة . ذلك هو القضاء العدل الذي يقوم على المماثلة دون انحراف أو تعصب أو جنوح للهوى .
ويتفرع عن هذه القضية جملة مسائل منها : هل يقتل الحر بالعبد ؟ أي أن الحر إذا قتل عبدا فهل يقتل به ؟
فقد هب الإمام ا [ و حنيفة وداود الظاهري والثوري وآخرون أن الحر يقتل بالعبد . وهو مروي عن فريق من الصحابة والتابعين . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) وكذلك قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) وذلك فيه عموم وهو يشكل الأنفس كيفما كانت دون تمييز بين حر وعبد أو ذكر وأنثى{[194]} . واستدلوا كلك بالحديث : " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " {[195]} فليس من فرق إذن بين حر وعبد . وذلك خلافا لمذهب الجمهور بعدم قتل الحر بالعبد{[196]} . وذهب آخرون من العلماء إلى غير ذلك فقالوا : لا يقتل الحر بالعبد .
والراجح عندنا المذهب الأول استنادا إلى ما ذكرناه من دليل ، ويعزز ذلك قول النبي ( ص ) : " من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن خصاه خصيناه " {[197]}
ذهب أبو حنيفة إلى قتل المسلم بالكافر ، وهو يستند في ذلك إلى عموم قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) فأيما نفس تُقتل عمدا وجب قتل قاتلها ، مادام القتيل ذميا ؛ لأن الذمي يساوي المسلم في حرمة الدم . فهو ( الذمي ) محقون الدم على التأبيد وهو من دار الإسلام . وكذلك لو سرق المسلم فإنه تقطع يده في ذلك ؛ لأن مال الذمي مصون ؛ لذلك يُحكم بقتل قاتله في العمد . لكن جمهور العلماء قالوا : لا يقتل المسلم الكافر ، واستدلوا لذلك بما ثبت في البخاري عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا يقتل مسلم بكافر " وذلك حديث صحيح ، وهو يصلح لتخصيص العموم في قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص ) وقوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) .
وهو ما نميل إليه ونرجحه والله تعالى أعلم{[198]} .
أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة . أما القصاص بينهما فيما دون النفس فهو المعتبر عند أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور ، لكن أبا حنيفة – رضي الله عنه- خالفهم في ذلك وقال : لا قصاص بين المرأة والرجل فيما دون النفس ، وإنما يكون القصاص في النفس .
وفي تقديري أن قول الإمام في هذه المسألة مرجوح ، فإنه إذا وجب القصاص بينهما في النفس فمن الأولى أن يكون القصاص بينهما فيما دون النفس{[199]} .
اختلف العلماء في هذه المسألة . فقد ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي إلى أنه لا قَود على الأب في قتل ابنه وأن عليه الدية فقط ، وقد استندوا في قولهم هذا إلى الحديث : " لا يقاد والد بولده " {[200]} وتعلقوا أيضا في قضاء لعمر- رضي الله عنه- إذ قضى بالدية المغلطة في قاتل ابنه ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة .
وقد خالف الإمام مالك الجمهور في هذه المسألة ، وقال بالتفصيل . فإن رماه الأب بالسلاح على سبيل التأديب أو الحنق{[201]} فقتله وما كان يقصد بذلك قتلا فقد ذكر عنه أنه يقتل به . وفي قول آخر عنه أنه لا يقتل به ، بل يدفع ديته مغلظة .
أما إذا قصد قتله فعلا وعلى نحو مستبين ومكشوف كأن يضجعه ويذبحه ذبحا قتل به قولا واحدا{[202]} .
ذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الجماعة يقتلون بالواحد ، فإذا تمالأ كثيرون على قتل واحد بريء عمدا جاز قتلهم جميعا . وخالفهم في ذلك الإمام أحمد بن حنبل الذي قال : لا تقتل الجماعة بالواحد ، وتوجيه ذلك عنده أن الله سبحانه شرط المساواة في القصاص ولا مساواة بين الجماعة والواحد . فقد قال تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) وذلك يقتضي المساواة ولا مساواة في قتل الجماعة بالواحد .
لكن الحقيقة الظاهرة أن هذا القول الذي ذهب إليه أحمد مرجوح وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح والصحيح .
وتوجيه ما ذهب إليه الجمهور أن المراد بالقصاص في الآية المذكورة هو قتل من قتل أيا كان القاتل ، ويستوي في ذلك أن يكون القاتل واحدا أو أكثر ، فإن كانوا أكثر من واحد فكل واحد منهم مشارك في القتل . وفي ذلك رد مناسب على ما اعتاده العرب ، إذ كانوا يريدون أن يقتلوا بمن قتل من لم يقتل ، ويقتلون بدل القتيل الواحد مائة ، وذلك على سبيل المفاخرة والاعتداد بالجاه والسيطرة . فأمر الله – ردا عليهم- أن يقتل كل من قتل .
ومن المعلوم كذلك أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة برجل واحد في صنعاء ، وقال قولته المشهورة : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعا . حتى قيل إنه لا يعرف له في زمانه من خالفه من الصحابة فكان ذلك كالإجماع .
وكذلك قاتل علي – رضي الله عنه- الحرورية لما قتلوا رسوله عبد الله بن خباب إذ ذبحوه كما تذبح الشاة . ولما علم علي بذلك قال : الله أكبر ! نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب ، فقالوا : كلنا قتلناه ثلاث مرات . فقال علي لأصحابه : دونكم القوم . فما لبث أن قتلهم علي بعبد الله بن خباب .
ويعزز ذلك أيضا ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله ( ص ) : " لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار " .
ومن ناحية أخرى فإن صون الدماء وحفظ الأرواح يتطلب أن يقتل الجماعة بالواحد ؛ لكيلا يكون ثمة مجال للاحتيال ينفذ منه القتلة . فإذا علمت الجماعة أن قتلهم للواحد لا يوقع عليهم قصاصا تعاون الخصوم على قتل خصم واحد لهم مشتركين . وفي ذلك تأدية لغرضهم المبيت المقصود وإشفاء لغيظهم وغليلهم{[203]} .
وبعد القتل العمد فإن وليّ القتيل له الخيار ، فإن شاء اقتص ، وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل . فإن القاتل في هذه الحالة مكلف بدفع الدية بغير رضاه إن طلبها الولي . أي أن دفع الدية في حق القاتل يصبح فرضا عليه ؛ وذلك لإحياء نفسه وإنقاذها من الموت ، لقوله سبحانه : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) وذلك ما ذهب إليه مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون غيرهم .
قوله : ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان ) قوله ( مَنْ ) يراد به القاتل ، والذي يعفو هو ولي المقتول . والمراد بأخيه ، المقتول أو ولي الدم . والمراد بالشيء ، الدم الذي يعفو عنه الولي ليكتفي بدلا منه بأخذ الدية . والمعني ، أن القاتل والجاني إذا عفا عنه ولي المقتول أو المجني عليه فيما يأخذه منه بالمعروف ، وعلى القاتل أو الجاني أن يؤدي له ما عليه بإحسان ، أي من غير مماطلة ولا تسويف وقوله : ( فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) يأمر الله في ذلك بحسن الاقتضاء من ولي الدم وحسن القضاء من القاتل . فعلى الولي أن يطالبه بالدية برفق ، وعلى الجاني القاتل أن يدفع إليه الدية بإحسان فلا يماطل أو يتردد في الأداء بما يشق على الولي الذي عفا له عن القصاص منه .
وقوله : ( ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) اسم الإشارة مبتدأ في محل رفع خبره تخفيف مرفوع ، لقد خفف الله عن هذه الأمة ثقل الحكم الذي كان مفروضا في القتل العمد في كل من التوراة والإنجيل ، فما كان في التوراة غير القصاص ، وما كان في الإنجيل غير العفو ، وفي كليهما قسوة كما هو معلوم ، بل إن كليهما يقف من قضية القتل العمد موقف التطرف الذي يجلب لكثير من الناس حرجا وتعسيرا ، لكن شريعة الإسلام جعلت للناس مندوحة أرحب في تقرير مجالات ثلاثة وهي : القصاص أو الدية أو العفو وذلك تخفيف عن كاهل هذه الأمة ورحمة بها .
وقوله : ( فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) أي من قبل الدية أو أخذها بدل القول ثم عاد وقتل القاتل فله من الله عذاب موجع شديد ؛ لما في ذلك من سوء النية وخبث القصد وفساد التصرف . فما دام الولي قد قبل الدية فليس له بعد ذلك أن يقتاد من القاتل ، وإلا كان في زمرة الكاذبين الذين يخفون للناس مكرا وخداعا وليس ذلك من أخلاق المؤمنين الصادقين ، بل هو من أخلاق المنافقين أو الجاهليين كما وصفهم الحسن البصري في هذه القضية فقال : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيصالحون بالدية ، فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية حتى يأمن القاتل ويخرج فيقتله ويرمي إليهم بالدية .
وقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ( ص ) قال : " من أصيب بقتل أو خبْل{[204]} فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص ، وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية ، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها " .
وثمة مسألة اختلف فيها العلماء وهي فيما إذا أقدم ولي القتيل على قتل القاتل بعد أخذ الدية . ففي ذلك تفصيل للعلماء نبينه في التالي :
ذهب فريق من العلماء ومن بينهم الإمامان مالك والشافعي إلى أن الولي المعتدي يكون شأنه في هذه الحالة كمن قتل ابتداء . وبذلك فإن ولي القتيل الثاني بالخيار ، فإن شاء قتل القاتل أو عفا عنه ، وهو في الآخرة من المعذبين بسبب اعتدائه بعد قبوله للدية .
وقال آخرون : جزاء القاتل الثاني المعتدي أن يقتل البته فلا دية ولا عفو ، وذلك لما قارف من عدوان بالقتل بعد الدية . وفي ذلك روى أبو دوود عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا أعفى{[205]} من قتل بعد أخذ الدية " وفي رواية : : " لا أعافي " .
وقيل : عذاب المعتدي القاتل أن يرد الدية التي أخذها وعذابه في الآخرة . وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يراه ملائما .
والراجح عندي هو القول الأول وهو أن يكون شأن الولي المعتدي كمن قتل ابتداء . ونستند في ذلك إلى ظاهر الآية في القتل العمد . فمن أخذ الدية أسقط حقه في القود وعاد به الأمر إلى حاله ابتداء . فإذا وقع بعد ذلك قتل وجب القضاء بالخيارات الثلاثة من جديد وهي : القود أو العفو أو الدية{[206]} .