الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

وكان ذلك على الذين من قبلنا {أياما معدودات}: وهي دون الأربعين، فإذا كانت فوق الأربعين فلا يقال لهم: {معدودات}.

{فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية}: أي ومن كان يطيق الصوم، وليس بمريض ولا مسافر، فإن شاء صام، وإن شاء أفطر، وعليه فدية {طعام مسكين}: لكل مسكين نصف صاع حنطة.

{فمن تطوع خيرا}: فزاد على مسكين فأطعم مسكينين أو ثلاثة مكان كل يوم.

{فهو خير له}: من أن يطعم مسكينا واحدا.

{وأن تصوموا خير}: ولأن تصوموا خير {لكم} من الطعام.

{إن كنتم تعلمون}: وكان المؤمنون قبل رمضان يصومون عاشوراء ولا يصومون غيره، ثم أنزل الله عز وجل صوم رمضان بعد، فنسخ الطعام، وثبت الصوم، إلا على من لا يطيق الصوم، فليفطر وليطعم مكان كل يوم مسكينا نصف صاع حنطة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"كتب عليكم "أيها الذين آمنوا الصيام أياما معدودات. ونصب «أياما» بمضمر من الفعل، كأنه قيل: كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم أن تصوموا أياما معدودات.

{كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: من الصيام، كأنه قيل: كتب عليكم الذي هو مثل الذي كتب على الذين من قبلكم أن تصوموا أياما معدودات.

ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى الله جل وعز بقوله: {أيّاما مَعْدُودَاتٍ} فقال بعضهم: الأيام المعدودات: صوم ثلاثة أيام من كل شهر... وكان ذلك الذي فرض على الناس من الصيام قبل أن يفرض عليهم شهر رمضان. ثم نسخ ذلك بالذي أنزل من صيام رمضان، فهذا الصوم الأول من العتمة.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم أنزل الله جل وعز فرض شهر رمضان، فأنزل الله: {يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكم الصّيامُ كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} حتى بلغ: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ}.

وقال آخرون: بل الأيام الثلاثة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومها قبل أن يفرض رمضان كان تطوّعا صومهن، وإنما عنى الله جل وعز بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ كمَا كُتِبَ على الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ... أيّاما مَعْدُوداتٍ} أيام شهر رمضان، لا الأيام التي كان يصومهن قبل وجوب فرض صوم شهر رمضان.

وأولى ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى الله جل ثناؤه بقوله: {أيّاما مَعْدُودَاتٍ}: أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوما فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وأن الله تعالى قد بين في سياق الآية أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات بإبانته، عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها بقوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ} فمن ادعى أن صوما كان قد لزم المسلمين فرضه غير صوم شهر رمضان الذين هم مجمعون على وجوب فرض صومه ثم نسخ ذلك، سئل البرهان على ذلك من خبر تقوم به حجة، إذ كان لا يعلم ذلك إلا بخبر يقطع العذر. وإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا للذي بينا، فتأويل الآية: كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات، هي شهر رمضان.

وجائز أيضا أن يكون معناه: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ": كتب عليكم شهر رمضان.

وأما "المعدودات ": فهي التي تعد مبالغها وساعات أوقاتها، ويعني بقوله "معدودات: "محصيات.

{فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضا أوْ على سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ، وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين.}: من كان منكم مريضا ممن كلف صومه أو كان صحيحا غير مريض وكان على سفر "فعدة من أيام أخر": فعليه صوم عدّة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره من أيام أخر، يعني من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره.

{وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين" فإن قراءة كافة المسلمين:"وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ "وعلى ذلك خطوط مصاحفهم، وهي القراءة التي لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافها لنقل جميعهم تصويب ذلك قرنا عن قرن. وكان ابن عباس يقرأها فيما رُوِي عنه: «وعلى الّذِينَ يُطَوّقُونَهُ».

ثم اختلف قرّاء ذلك:"وعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ "في معناه، فقال بعضهم: كان ذلك في أوّل ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينا حتى نسخ ذلك.

وقال آخرون: بل كان قوله: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين} حكما خاصا للشيخ الكبير والعجوز اللذين يطيقان الصوم كان مرخصا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله: {فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب إلا أن يعجزا عن الصوم فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتا لهما حينئذ بحاله... وللحبلى والمرضع إذا خافتا.

وقال آخرون ممن قرأ ذلك: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبت من لدن نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة. وقالوا: إنما تأويل ذلك: على الذين يطيقونه في حال شبابهم وحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم إذا مرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم فدية طعام مسكين لا أن القوم كان رخص لهم في الإفطار وهم على الصوم قادرون إذا افتدوا...

وقرأ ذلك آخرون: {وَعلى الّذِينَ يُطَوّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين} وقالوا: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم أفطراه مسكينا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت لم تنسخ، وأنكروا قول من قال إنها منسوخة.

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامِ مِسْكِين} منسوخ بقول الله تعالى ذكره: "فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" لأن الهاء التي في قوله: وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ من ذكر الصيام. ومعناه: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين، كان معلوما أن الآية منسوخة. هذا مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: {فَمَنْ شَهدَ مِنْكُمُ الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فألزموا فرض صومه، وبطل الخيار والفدية.

فإن قال قائل: وكيف تدعي إجماعا من أهل الإسلام على أن من أطاق صومه وهو بالصفة التي وصفت فغير جائز له إلا صومه، وقد علمت قول من قال: الحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما لهما الإفطار، وإن أطاقتا الصوم بأبدانهما، مع الخبر الذي رُوي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي:

حدثنا به هناد بن السري، قال: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغدى فقال: «تَعالَ أُحدّثْكَ، إن اللّهَ وَضَعَ عَنِ المُسافِرِ وَالحامِلِ وَالمُرْضِعِ الصّوْمَ وَشَطْرَ الصّلاة».

قيل: إنا لم نّدع إجماعا في الحامل والمرضع، وإنما ادعينا في الرجال الذين وصفنا صفتهم. فأما الحامل والمرضع فإنما علمنا أنهنّ غير معنيات بقوله: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} وخلا الرجال أن يكونوا معنيين به لأنهنّ لو كنّ معنيات بذلك دون غيرهن من الرجال لقيل: وعلى اللواتي يطقنه فدية طعام مسكين لأن ذلك كلام العرب إذا أفرد الكلام بالخبر عنهن دون الرجال فلما قيل: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ} كان معلوما أن المعنيّ به الرجال دون النساء، أو الرجال والنساء. فلما صحّ بإجماع الجميع على أن من أطاق من الرجال المقيمين الأصحاء صوم شهر رمضان فغير مرخص له في الإفطار والافتداء، فخرج الرجال من أن يكونوا معنيين بالآية، وعلم أن النساء لم يردن بها لما وصفنا من أن الخبر عن النساء إذا انفرد الكلام بالخبر عنهن وعلى اللواتي يطقنه، والتنزيل بغير ذلك.

وأما الخبر الذي رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه إن كان صحيحا، فإنما معناه أنه وضع عن الحامل والمرضع الصوم ما دامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا، كما وضع عن المسافر في سفره حتى يقيم فيقضيه، لا أنهما أمرتا بالفدية والإفطار بغير وجوب قضاء، ولو كان في قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ اللّهَ وَضَعَ عَنِ المُسافِرِ وَالمُرْضِعِ وَالحامِلِ الصّوْمَ» دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عنى أن الله تعالى ذكره وضع عنهم بقوله: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين،} لوجب أن لا يكون على المسافر إذا أفطر في سفره قضاء، وأن لا يلزمه بإفطاره ذلك إلا الفدية لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حكمه وبين حكم الحامل والمرضع، وذلك قول إن قاله قائل خلاف لظاهر كتاب الله ولما أجمع عليه جميع أهل الإسلام.

وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله: {وَعلى الّذِينَ يُطِيقُونَه} وعلى الذين يطيقون الطعام، وذلك لتأويل أهل العلم مخالف.

وأما قراءة من قرأ ذلك: «وَعلى الّذِينَ يُطَوّقُونَه» فقراءة لمصاحف أهل الإسلام خلاف، وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم نقلاً ظاهرا قاطعا للعذر، لأن ما جاءت به الحجة من الدين هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله، ولا يعترض على ما قد ثبت وقامت به حجة أنه من عند الله بالآراء والظنون والأقوال الشاذة.

وأما معنى «الفدية» فإنه الجزاء من قولك: فديت هذا بهذا: أي جزيته به، وأعطيته بدلاً منه.

ومعنى الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام جزاء طعام مسكين لكل يوم أفطره من أيام صيامه الذي كتب عليه.

"فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين": فإن القرّاء مختلفة في قراءته، فبعض يقرأ بإضافة الفدية إلى الطعام، وخفض الطعام وذلك قراءة معظم قرّاء أهل المدينة بمعنى: وعلى الذين يطيقونه أن يفدوه طعام مسكين، فلما جعل مكان أن يفديه الفدية أضيف إلى الطعام، كما يقال: لزمني غرامة درهم لك بمعنى لزمني أن أغرم لك درهما، وآخرون يقرؤونه بتنوين الفدية ورفع الطعام بمعنى الإبانة في الطعام عن معنى الفدية الواجبة على من أفطر في صومه الواجب، كما يقال لزمني غرامةُ درهمٍ لك، فتبين بالدرهم عن معنى الغرامة ما هي وما حدّها، وذلك قراءة عُظْم قرّاء أهل العراق.

وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: «فِديةُ طعَام» بإضافة الفدية إلى الطعامِ، لأن الفدية اسم للفعل، وهي غير الطعام المفدى به الصوم. وذلك أن الفدية مصدر من قول القائل: فديت صوم هذا اليوم بطعام مسكين، أفديه فدية، كما يقال: جلست جلسة، ومشيت مشية، والفدية فعل والطعام غيرها. فإذا كان ذلك كذلك، فبَيّنٌ أن أصحّ القراءتين إضافة الفدية إلى الطعام، وواضح خطأ قول من قال: إن ترك إضافة الفدية إلى الطعام أصحّ في المعنى من أجل أن الطعام عنده هو الفدية. فيقال لقائل ذلك: قد علمنا أن الفدية مقتضية مفديّا ومفديّا به وفدية، فإن كان الطعام هو الفدية والصوم هو المفدى به، فأين اسم فعل المفتدى الذي هو فدية؟ إن هذا القول خطأ بين غير مشكل.

وأما الطعام فإنه مضاف إلى المسكين والقراء في قراءة ذلك مختلفون، فقرأه بعضهم بتوحيد المسكين بمعنى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين واحد لكل يوم أفطره... عن أبي عمرو: أنه قرأ «فديةٌ» رفع منون «طعامُ» رفع بغير تنوين «مسكين». وقال: عن كل يوم مسكين. وعلى ذلك عُظْم قرّاء أهل العراق. وقرأه آخرون بجمع المساكين: «فِدْيَةٌ طَعامُ مَساكِين» بمعنى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين عن الشهر إذا أفطر الشهر كله.

وأعجب القراءتين إليّ في ذلك قراءة من قرأ "طعامُ مِسكين" على الواحد بمعنى: وعلى الذين يطيقونه عن كل يوم أفطروه فدية طعام مسكين لأن في إبانة حكم المفطر يوما واحدا وصولاً إلى معرفة حكم المفطر جميع الشهر، وليس في إبانة حكم المفطر جميع الشهر وصول إلى إبانة حكم المفطر يوما واحدا وأياما هي أقل من أيام جميع الشهر، وأن كل واحد يترجم عن الجميع وأن الجميع لا يترجم به عن الواحد، فلذلك اخترنا قراءة ذلك بالتوحيد.

واختلف أهل العلم في مبلغ الطعام الذي كانوا يطعمون في ذلك إذا أفطروا، فقال بعضهم: كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم الواحد نصف صاع من قمح.

وقال بعضهم: كان الواجب من طعام المسكين لإفطار اليوم مدّا من قمح ومن سائر أقواتهم.

وقال بعضهم: كان ذلك نصف صاع من قمح أو صاعا من تمر أو زبيب.

وقال بعضهم: ما كان المفطر يتقوّته يومه الذي أفطره.

وقال بعضهم: كان ذلك سحورا وعشاء يكون للمسكين إفطارا.

{فَمِنْ تَطَوّعَ خَيْرا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.}: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم:... عن ابن عباس: {فَمَنْ تَطَوّعَ خَيْرا} فزاد طعام مسكين آخر فهو خير له. {وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ.}

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تطوّع خيرا فصام مع الفدية.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن تطوّع خيرا فزاد المسكين على قدر طعامه.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره عمم بقوله: "فَمَنْ تَطَوّعَ خَيْرا" فلم يخصص بعض معاني الخير دون بعض، فإن جمع الصوم مع الفدية من تطوّع الخير وزيادة مسكين على جزاء الفدية من تطوّع الخير.

وجائز أن يكون تعالى ذكره عنى بقوله: {فَمَنْ تَطَوّعَ خَيْرا} أيُّ هذه المعاني تطوّع به المفتدي من صومه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ لأن كل ذلك من تطوّع الخير ونوافل الفضل.

{وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.}: وأنْ تَصُومُوا ما كتب عليكم من شهر رمضان فهو خير لكم من أن تفطروه وتفتدوا.

{إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: إن كنتم تعلمون خير الأمرين لكم أيها الذين آمنوا من الإفطار والفدية أو الصوم على ما أمركم الله به.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز، والقول بالجواز أرجح، وأما سفر المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

أما قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فالمراد منه أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر

قال القفال رحمه الله: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمة المتقدمة والغرض منه ما ذكرنا أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت، ثم ثانيا بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف،

ثم ثالثا: بين أنه مختص بأيام معدودة، فإنه لو جعله أبدا أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين رابعا: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامسا: إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيرا...

أما قوله: {إن كنتم تعلمون} أي أن الصوم عليكم فاعلموا صدق قولنا وأن تصوموا خير لكم.

الثاني: أن آخر الآية متعلق بأولها والتقدير كتب عليكم الصيام وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون أي أنكم إذا تدبرتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للتقوى وغيرها مما ذكرناه في صدر هذه الآية.

الثالث: أن العالم بالله لا بد وأن يكون في قلبه خشية الله على ما قال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فذكر العلم والمراد الخشية، وصاحب الخشية يراعي الاحتياط، والاحتياط في فعل الصوم، فكأنه قيل: إن كنتم تعلمون الله حتى تخشونه كان الصوم خيرا لكم.

لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن 741 هـ :

يقال: إن فريضة رمضان نزلت في السنة الثانية من الهجرة وذلك قبل غزوة بدر بشهر وأيام،... وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة...

تفسير ابن عرفة 803 هـ :

قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً...} [عن] ابن عطية: قال قوم: متى صدق على المكلف أنه مريض صحّ له الفطر، وقاله ابن سيرين فيمن وجعته أصبعه، فأفطر، وحكاه عنه ابن رشد في مقدماته.

والمراد عند الجمهور] المرض الذي يشق معه الصوم. قال ابن عرفة: سبب الخلاف ما يحكيه المازري وابن بشير من الاختلاف في الأخذ بأوائل الأسماء أو بأواخرها، فظاهر الآية عندي حجة للجمهور لقول الله {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً} ولم يقل: فمن مرض، فظاهره أنه لا يفطر بمطلق المرض بل مرض محقق ثابت يصدق أن يقال في صاحبه كان مريضا لأن « كان» تقتضي الدوام...

الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي 875 هـ :

وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:184]. يقتضي الحضَّ على الصوْمِ، أي: فاعلموا ذلك وصوموا...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ومندوبها مساق الغيبة وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته تنفيراً عنه، جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذاناً بما له من الشرف على ذلك كله ترغيباً فيه وحضاً عليه فقال: {وأن تصوموا} أيها المطيقون {خير لكم} من الفدية وإن زادت.

قال الحرالي: ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في الآخرة، كما أشار إليه الحديث القدسي:"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي" وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالاً وإنفاقاً وسيراً وأحوالاً مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له، ولما كان الصوم ليس من شأنه لم يكن له، فالصلاة مثلاً أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق وذلك من شأنه، والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه أن لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدى عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم، فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته إذبال جسمه وإضعاف نفسه وإماتته، ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل، فكان في الصوم تنقص ذات الصائم فلذلك قال تعالى: "فإنه لي "حين لم يكن من جنس عمل الآدمي، قال سبحانه وتعالى: "وأنا أجزي به" ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كل ذلك في مضمون قوله {إن كنتم تعلمون}

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{أَوْ على سَفَرٍ} مستمرّين عليه، وفيه تلويحٌ ورمزٌ إلى أن من سافر في أثناء اليوم لم يُفطر...

{إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي ما في صومِكم مع تحقّق المبيحِ للإفطار من الفضيلة، والجوابُ محذوفٌ ثقةً بظهوره أي اخترتموه أو سارعتم إليه، وقيل: معناه إن كنتم من أهلِ العلمِ والتدبُّر علمتم أن الصومَ خيرٌ من ذلك...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم حببهم في اختيار الصوم مع المشقة -في غير سفر ولا مرض -: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون).. لما في الصوم من خير في هذه الحالة. يبدو منه لنا عنصر تربية الإرادة، وتقوية الاحتمال، وإيثار عبادة الله على الراحة. وكلها عناصر مطلوبة في التربية الإسلامية. كما يبدو لنا منه ما في الصوم من مزايا صحية- لغير المريض -حتى ولو أحس الصائم بالجهد...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

والإطاقة كما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: الطاقة: اسم لمقدار ما يمكن الإنسان أن يفعله بمشقة..، فقوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به... 286} [البقرة]؛ معناه: ما يصعب علينا مزاولته، وليس معناه لا تحملنا ما لا قدرة لنا...

{فمن تطوع} الفاء هنا للإفصاح، أي إذا كان كتب عليكم الصوم ويسر الله تعالى عليكم بالرخص التي رخص بها فمن تطوع خيرا، أي فمن قصد الطاعة، وتكلفها قاصدا الخير فهو خير يدخره له يوم القيامة، فالتطوع هنا ليس النافلة كما قال الفقهاء فإن ذلك اصطلاح فقهي لا تخضع له عبارات القرآن في دلالاتها، بل تخضع للغة، والآثار النبوية فقط، والتطوع هنا هو المبالغة في الطاعة قاصدا أو طالبا خيرا، فهو خير له...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

"وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تعْلَمُونَ": الظاهر منها بقرينة السياق هو أنها خطاب للذين يجهدهم القضاء، فتباح لهم الفدية، لإعلامهم بأنَّ الفدية، وإن كانت جائزة، إلاَّ أنَّ الصوم خيرٌ لهم إن كانوا يعلمون لما فيه من النتائج الروحية والعملية. وهناك احتمال بأنَّ الفقرة واردة في الحديث عن الصوم، بأنه خير للنّاس في ذاته بحسب فلسفة الصوم في تشريعه من حيث المنافع الكثيرة العائدة إلى النّاس،

وقد جرى أسلوب القرآن على الإتيان بهذه الفقرة بعد كلّ تشريع، لما ورد في قوله سبحانه بعد ذكر وجوب صلاة الجمعة:] يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللّه وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [[الجمعة: 9] وقوله تعالى:] وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللّه وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [[العنكبوت: 16].

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

السادسة : قوله تعالى : " أياما معدودات " " أياما " مفعول ثان " بكتب " ، قاله الفراء . وقيل : نصب على الظرف " لكتب " ، أي كتب عليكم الصيام في أيام . والأيام المعدودات : شهر رمضان ، وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ ، واللّه أعلم .

قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " فيه ست عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى :{ مريضا } للمريض حالتان : إحداهما : ألا يطيق الصوم بحال ، فعليه الفطر واجبا . الثانية : أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة ، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل . قال ابن سيرين : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر ، قياسا على المسافر لعلة السفر ، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة . قال طريف بن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل ، فلما فرع قال : إنه وجعت أصبعي هذه . وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر . قال ابن عطية : وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون . وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به . وقال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر ، فقال مرة : هو خوف التلف من الصيام . وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة . وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر ؛ لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض ، إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرضى اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام . وقال الحسن : إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر ، وقاله النخعي . وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر ، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر . وهذا قول الشافعي رحمه اللّه تعالى .

قلت : قول ابن سيربن أعدل شيء في هذا الباب إن شاء اللّه تعالى . قال البخاري : اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان ، فعادني إسحاق بن راهويه نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبدالله ؟ فقلت نعم . فقال : خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة . قلت : حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من أي المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان ، كما قال اللّه تعالى : " فمن كان منكم مريضا " قال البخاري : وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق . وقال أبو حنيفة : إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر .

الثانية : قوله تعالى : " أو على سفر " اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر ، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد ، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري . أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة ، والقول بالجواز أرجح . وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع ، والقول بالمنع أرجح ، قاله ابن عطية . ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة واختلف العلماء في قدر ذلك ، فقال مالك : يوم وليلة ، ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا قال ابن خويز منداد : وهو ظاهر مذهبه ، وقال مرة : اثنان وأربعون ميلا وقال مرة ستة وثلاثون ميلا وقال مرة : مسيرة يوم وليلة ، وروى عنه يومان ، وهو قول الشافعي . وفصل مرة بين البر والبحر ، فقال في البحر مسيرة يوم وليلة ، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا ، وفي المذهب ثلاثون ميلا ، وفي غير المذهب ثلاثة أميال . وقال ابن عمرو وابن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام ، حكاه ابن عطية .

قلت : والذي في البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا .

الثالثة : اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر ؛ لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم ، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض ، والمقيم لا يفتقر إلى عمل ، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين ؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا . ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج ، فإن أفطر فقال ابن حبيب : إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه ، وحكى ذلك عن أصبغ وابن الماجشون ، فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة ، وحسبه أن ينجو إن سافر . وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم ، لأنه متأول في فطره . وقال أشهب : ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر . وقال سحنون : عليه الكفارة سافر أو لم يسافر ، وهو بمنزلة المرأة تقول : غدا تأتيني حيضتي ، فتفطر لذلك ، ثم رجع إلى قول عبدالملك وأصبغ وقال : ليس مثل المرأة ، لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء ، والمرأة لا تحدث الحيضة .

قلت : قول ابن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن ، لأنه فعل ما يجوز له فعله ، والذمة بريئة ، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف ، ثم إنه مقتضى قوله تعالى : " أو على سفر " . وقال أبو عمر : هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة ، لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأول ، ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه ، فتأمل ذلك تجده كذلك ، إن شاء اللّه تعالى . وقد روى الدارقطني : حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل بمصر قال حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم قال : أخبرني محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس ، فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب . فقلت له : سنة ؟ قال : نعم . وروي عن أنس أيضا قال : قال لي أبو موسى : ألم أنبئنك إذا خرجت خرجت صائما ، وإذا دخلت دخلت صائما ، فإذا خرجت فاخرج مفطرا ، وإذا دخلت فادخل مفطرا . وقال الحسن البصري : يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج . وقال أحمد : يفطر إذا برز عن البيوت . وقال إسحاق : لا ، بل حين يضع رجله في الرحل . قال ابن المنذر : قول أحمد صحيح ، لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل : إنه يفطر بقية يومه ، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر . وقالت طائفة : لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره ، كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي . واختلفوا إن فعل ، فكلهم قال يقضي ولا يكفر . قال مالك : لأن السفر عذر طارئ ، فكان كالمرض يطرأ عليه . وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر ، وهو قول ابن كنانة والمخزومي ، وحكاه الباجي عن الشافعي ، واختاره ابن العربي وقال به ، قال : لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض ، لأن المرض يبيح له الفطر ، والحيض يحرم عليها الصوم ، والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته . قال أبو عمر : وليس هذا بشيء ؛ لأن اللّه سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة . وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة اللّه كان عليه القضاء ، وأما الكفارة فلا وجه لها ، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه اللّه ولا رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة : ( يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا ) وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق .

قلت : وقد ترجم البخاري رحمه اللّه على هذه المسألة [ باب من أفطر في السفر ليراه الناس ] وساق الحديث عن ابن عباس قال : ( خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان{[1550]} ، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان . وأخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس وقال فيه : ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة ) . وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه ، وباللّه التوفيق . وفيه أيضا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السفر . روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر . قال ابن عمر : ( من صام في السفر قضى في الحضر ) وعن عبد الرحمن بن عوف : ( الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ) وقال به قوم من أهل الظاهر ، واحتجوا بقوله تعالى : " فعدة من أيام أخر " على ما يأتي بيانه ، وبما روى كعب بن عاصم قال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( ليس من البر الصيام في السفر ) . وفيه أيضا حجة على من يقول : إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر ، وإليه ذهب مطرف ، وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث . وكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر ، فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم يكن له الفطر ، فإن أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة . وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه ، وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر ، لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له ، لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوى بذلك على سفره . وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز : إنه لا كفارة عليه ، منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة ، قاله أبو عمر .

الرابعة : واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر ، فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما : الصوم أفضل لمن قوي عليه . وجل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي . قال الشافعي ومن اتبعه : هو مخير ، ولم يفصل ، وكذلك ابن علية ، لحديث أنس قال : ( سافرنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) خرجه مالك والبخاري ومسلم . وروي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهما قالا : ( الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه ) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه . وروي عن ابن عمر وابن عباس : الرخصة أفضل ، وقال به سعيد بن المسيب والشعبي وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق . كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل ، لقول اللّه تعالى : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " [ البقرة :185 ]

الخامسة : قوله تعالى : " فعدة من أيام أخر " في الكلام حذف ، أي من يكن منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض . والجمهور من العلماء على أن أهل البلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوما وفي البلد رجل مريض لم يصح فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما . وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حي : إنه يقضي شهرا بشهر من غير مراعاة عدد الأيام . قال الكيا الطبري : وهذا بعيد ، لقوله تعالى : " فعدة من أيام أخر " ولم يقل فشهر من أيام أخر . وقوله : " فعدة " يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه ، ولا شك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده ، كذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في اعتبار عدده .

السادسة : قوله تعالى : " فعدة " ارتفع " عدة " على خبر الابتداء ، تقديره فالحكم أو فالواجب عدة ، ويصح فعليه عدة . وقال الكسائي : ويجوز فعدة ، أي فليصم عدة من أيام . وقيل : المعنى فعليه صيام عدة ، فحذف المضاف وأقيمت العدة مقامة . والعدة فعلة من العد ، وهي بمعنى المعدود ، كالطحن بمعنى المطحون ، تقول : أسمع جعجعة ولا أرى طحنا{[1551]} . ومنه عدة المرأة . " من أيام أخر " لم ينصرف " أخر " عند سيبوبه ؛ لأنها معدولة عن الألف واللام ، لأن سبيل فعل من هذا الباب أن يأتي بالألف واللام ، نحو الكبر والفضل . وقال الكسائي : هي معدولة عن آخر ، كما تقول : حمراء وحمر ، فلذلك لم تنصرف . وقيل : منعت من الصرف لأنها على وزن جمع وهي صفة لأيام ، ولم يجيء أخرى لئلا يشكل بأنها صفة للعدة . وقيل : إن " أخر " جمع أخرى كأنه أيام أخرى ثم كثرت فقيل : أيام أخر . وقيل : إن نعت الأيام يكون مؤنثا فلذلك نعتت بأخر .

السابعة : اختلف الناس في وجوب تتابعها على قولين ذكرهما الدار قطني في " سننه " ، فروي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : نزلت " فعدة من أيام أخر متتابعات " فسقطت{[1552]} " متتابعات " قال هذا إسناد صحيح . وروي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( من كان عليه صوم من رمضان فليسرده{[1553]} ولا يقطعه ) في إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم ضعيف الحديث . وأسنده عن ابن عباس في قضاء رمضان " صمه كيف شئت " . وقال ابن عمر : " صمه كما أفطرته " . وأسند عن أبي عبيدة بن الجراح وابن عباس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص . وعن محمد بن المنكدر قال : بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن تقطيع صيام رمضان فقال : ( ذلك إليك أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاه فاللّه أحق أن يعفو ويغفر ) . إسناده حسن إلا أنه مرسل ولا يثبت متصلا . وفي موطأ مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : يصوم رمضان متتابعا من أفطره متتابعا من مرض أو في سفر{[1554]} . قال الباجي في المنتقى : يحتمل أن يريد الإخبار عن الوجوب ، ويحتمل أن يريد الإخبار عن الاستحباب ، وعلى الاستحباب جمهور الفقهاء . وإن فرقه أجزأه ، وبذلك قال مالك والشافعي . والدليل على صحة هذا قوله : " فعدة من أيام أخر " ولم يخص متفرقة من متتابعة ، وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر ، فوجب أن يجزيه " . ابن العربي : إنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا ، وقد عدم التعيين في القضاء فجاز التفريق .

الثامنة : لما قال تعالى : " فعدة من أيام أخر " دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان ؛ لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض . وفي الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : يكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان ، الشغل{[1555]} من رسول اللّه ، أو برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . في رواية : وذلك لمكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهذا نص وزيادة بيان للآية . وذلك يرد على داود قوله : إنه يجب عليه قضاؤه ثاني شوال . ومن لم يصمه ثم مات فهو آثم عنده ، وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة فوجد رقبة تباع بثمن فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها ؛ لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها . ولو كانت عنده رقبة فلا يجوز له أن يشتري غيرها ، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق ، كما يبطل فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره ، وذلك يفسد قوله . وقال بعض الأصوليين : إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصي على شرط العزم . والصحيح أنه غير آثم ولا مفرط ، وهو قول الجمهور ، غير أنه يستحب له تعجيل القضاء لئلا تدركه المنية فيبقى عليه الفرض .

التاسعة : من كان عليه قضاء أيام من رمضان فمضت عليه عدتها من الأيام بعد الفطر أمكنه فيها صيامه فأخر ذلك ثم جاءه مانع منعه من القضاء إلى رمضان آخر فلا إطعام عليه ، لأنه ليس بمفرط حين فعل ما يجوز له من التأخير . هذا قول البغداديين من المالكيين ، ويرونه قول ابن القاسم في المدونة .

العاشرة : فإن أخر قضاءه عن شعبان الذي هو غاية الزمان الذي يقضى فيه رمضان فهل يلزمه لذلك كفارة أو لا ، فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق : نعم . وقال أبو حنيفة والحسن والنخعي وداود : لا .

قلت : وإلى هذا ذهب البخاري لقوله ، ويذكر عن أبي هريرة مرسلا وابن عباس أنه يطعم ، ولم يذكر اللّه الإطعام ، إنما قال : " فعدة من أيام أخر " . قلت : قد جاء عن أبي هريرة مسندا فيمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر قال : ( يصوم هذا مع الناس ، ويصوم الذي فرط فيه ويطعم لكل يوم مسكينا ) خرجه الدارقطني وقال : إسناد صحيح . وروي عنه مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في رجل أفطر في شهر رمضان من مرض ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر قال : ( يصوم الذي أدركه ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه ويطعم لكل يوم مسكينا ) . في إسناده ابن نافع وابن وجيه ضعيفان .

الحادية عشرة : فإن تمادى به المرض فلم يصح حتى جاء رمضان آخر ، فروى الدارقطني عن ابن عمر ( أنه يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة ، ثم ليس عليه قضاء ) وروي أيضا عن أبي هريرة أنه قال : ( إذا لم يصح بين الرمضانين صام عن هذا وأطعم عن الثاني ولا قضاء عليه ، وإذا صح فلم يصم حتى إذا أدركه رمضان آخر صام عن هذا وأطعم عن الماضي ، فإذا أفطر قضاه ) إسناد صحيح . قال علماؤنا : وأقوال الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها . وروي عن ابن عباس أن رجلا جاء إليه فقال : مرضت رمضانين ؟ فقال له ابن عباس : ( استمر بك مرضك ، أو صححت بينهما ؟ ) فقال : بل صححت ، قال : ( صم رمضانين وأطعم ستين مسكينا ) وهذا بدل من قوله : إنه لو تمادى به مرضه لا قضاء عليه . وهذا يشبه مذهبهم في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما ، على ما يأتي{[1556]} .

الثانية عشرة : واختلف من أوجب عليه الإطعام في قدر ما يجب أن يطعم ، فكان أبو هريرة والقاسم بن محمد ومالك والشافعي يقولون : يطعم عن كل يوم مدا . وقال الثوري : يطعم نصف صاع عن كل يوم .

الثالثة عشرة : واختلفوا فيمن أفطر أو جامع في قضاء رمضان ماذا يجب عليه ، فقال مالك : من أفطر يوما من قضاء رمضان ناسيا لم يكن عليه شيء غير قضائه ، ويستحب له أن يتمادى فيه للاختلاف ثم يقضيه ، ولو أفطره عامدا أثم ولم يكن عليه غير قضاء ذلك اليوم ولا يتمادى ؛ لأنه لا معنى لكفه عما يكف الصائم ههنا إذ هو غير صائم عند جماعة العلماء لإفطاره عامدا . وأما الكفارة فلا خلاف عند مالك وأصحابه أنها لا تجب في ذلك ، وهو قول جمهور العلماء . قال مالك : ليس على من أفطر يوما من قضاء رمضان بإصابة أهله أو غير ذلك كفارة ، وإنما عليه قضاء ذلك اليوم . وقال قتادة : على من جامع في قضاء رمضان القضاء والكفارة . وروى ابن القاسم عن مالك أن من أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان ، وكان ابن القاسم يفتي به ثم رجع عنه ثم قال : إن أفطر عمدا في قضاء القضاء كان عليه مكانه صيام يومين ، كمن أفسد حجه بإصابة أهله ، وحج قابلا فأفسد حجه أيضا بإصابة أهله كان عليه حجتان . قال أبو عمر : قد خالفه في الحج ابن وهب وعبدالملك ، وليس يجب القياس على أصل مختلف فيه . والصواب عندي - واللّه أعلم - أنه ليس عليه في الوجهين إلا قضاء يوم واحد ، لأنه يوم واحد أفسده مرتين .

قلت : وهو مقتضى قوله تعالى : " فعدة من أيام أخر " فمتى أتى بيوم تام بدلا عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى بالواجب عليه ، ولا يجب عليه غير ذلك ، واللّه أعلم .

الرابعة عشرة : والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته تلك ، أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شيء عليه . وقال طاوس وقتادة في المريض يموت قبل أن يصح : يطعم عنه .

الخامسة عشرة : واختلفوا فيمن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه ، فقال مالك والشافعي والثوري : لا يصوم أحد عن أحد . وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور والليث وأبو عبيد وأهل الظاهر : يصام عنه ، إلا أنهم خصصوه بالنذر ، وروي مثله عن الشافعي . وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان : يطعم عنه . احتج من قال بالصوم بما رواه مسلم عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) . إلا أن هذا عام في الصوم ، يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن ابن عباس قال : جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه ، إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر - وفي رواية صوم شهر - أفأصوم عنها ؟ قال : ( أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها ) قالت : نعم ، قال : ( فصومي عن أمك ) . احتج مالك ومن وافقه بقول سبحانه : " ولا تزر وازرة وزر أخرى{[1557]} " [ الأنعام : 164 ] وقوله : " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى{[1558]} " [ النجم : 39 ] وقوله : " ولا تكسب كل نفس إلا عليها{[1559]} " [ الأنعام : 164 ] وبما خرجه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان يوم مدا من حنطة ) .

قلت : وهذا الحديث عام ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله : ( لا يصوم أحد عن أحد ) صوم رمضان . فأما صوم النذر فيجوز ، بدليل حديث ابن عباس وغيره ، فقد جاء في صحيح مسلم أيضا من حديث بريدة نحو حديث ابن عباس ، وفي بعض طرقه : صوم شهرين أفأصوم عنها ؟ قال : ( صومي عنها ) قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها ؟ قال : ( حجي عنها ) . فقولها : شهرين ، يبعد أن يكون رمضان ، واللّه أعلم . وأقوى ما يحتج به لمالك أنه عمل أهل المدينة ، ويعضده القياس الجليّ ، وهو أنه عبادة بدنية لا مدخل للمال فيها فلا تفعل عمن وجبت عليه كالصلاة . ولا ينقض هذا بالحج لأن للمال فيه مدخلا .

السادسة عشرة : استدل بهذه الآية من قال : إن الصوم لا ينعقد في السفر وعليه القضاء أبدا ، فإن اللّه تعالى يقول : " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " أي فعليه عدة ، ولا حذف في الكلام ولا إضمار [ وبقوله عليه الصلاة والسلام : ( ليس من البر الصيام في السفر ) .

قال : ما لم يكن من البر فهو من الإثم ، فيدل ذلك على أن صوم رمضان لا يجوز في السفر ]{[1560]} . والجمهور يقولون : فيه محذوف فأفطر ، كما تقدم . وهو الصحيح ، لحديث أنس قال : ( سافرنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) رواه مالك عن حميد الطويل عن أنس . وأخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : ( غزونا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لست عشرة مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) .

قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون } فيه خمس مسائل :

قوله تعالى : " وعلى الذين يطيقونه " قرأ الجمهور بكسر الطاء وسكون الياء ، وأصله يطوقونه نقلت الكسرة إلى الطاء وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . وقرأ حميد على الأصل من غير اعتلال ، والقياس الاعتلال . ومشهور قراءة ابن عباس " يطوقونه " بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو بمعنى يكلفونه . وقد روى مجاهد " يطيقونه " بالياء بعد الطاء على لفظ " يكيلونه " وهي باطلة ومحال ، لأن الفعل مأخوذ من الطوق ، فالواو لازمة واجبة فيه ولا مدخل للياء في هذا المثال . قال أبو بكر الأنباري : وأنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لأبي ذؤيب :

فقيل تحمل فوق طوقك إنها *** مُطَبَّعَةٌ{[1561]} من يأتها لا يَضِيرها

فأظهر الواو في الطوق ، وصح بذلك أن واضع الياء مكانها يفارق الصواب . وروى ابن الأنباري عن ابن عباس " يطيقونه " بفتح الياء وتشديد الطاء والياء مفتوحتين بمعنى يطيقونه ، يقال : طاق وأطاق وأطيق بمعنى . وعن ابن عباس أيضا وعائشة وطاوس وعمرو بن دينار " يطوقونه " بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة ، وهي صواب في اللغة ، لأن الأصل يتطوقونه فأسكنت التاء وأدغمت في الطاء فصارت طاء مشددة ، وليست من القرآن ، خلافا لمن أثبتها قرآنا ، وإنما هي قراءة على التفسير . وقرأ أهل المدينة والشام " فدية طعام " مضافا " مساكين " جمعا . وقرأ ابن عباس " طعام مسكين " بالإفراد فيما ذكر البخاري وأبو داود والنسائي عن عطاء عنه . وهي قراءة حسنة ، لأنها بينت الحكم في اليوم ، واختارها أبو عبيد ، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي . قال أبو عبيد : فبينت أن لكل يوم إطعام واحد ، فالواحد مترجم عن الجميع ، وليس الجميع بمترجم عن واحد . وجمع المساكين لا يدري كم منهم في اليوم إلا من غير الآية . وتخرج قراءة الجمع في " مساكين " لما كان الذين يطيقونه جمع وكل واحد منهم يلزمه مسكين فجمع لفظه ، كما قال تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة{[1562]} " [ النور : 4 ] أي اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة ، فليست الثمانون متفرقة في جميعهم ، بل لكل واحد ثمانون ، قال معناه أبو عليّ . واختار قراءة الجمع النحاس قال : وما اختاره أبو عبيد مردود ؛ لأن هذا إنما يعرف بالدلالة ، فقد علم أن معنى " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين " أن لكل يوم مسكينا ، فاختيار هذه القراءة لترد جمعا على جمع . قال النحاس : واختار أبو عبيد أن يقرأ " فدية طعام " قال : لأن الطعام هو الفدية ، ولا يجوز أن يكون الطعام نعتا لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل ، وأبين من أن يقرأ " فدية طعام " بالإضافة ؛ لأن " فدية " مبهمة تقع للطعام وغيره ، قصار مثل قولك : هذا ثوب خز .

الثانية : واختلف العلماء في المراد بالآية ، فقيل : هي منسوخة . روى البخاري : " وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم : نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها " وأن تصوموا خير لكم " . وعلى هذا قراءة الجمهور " يطيقونه " أي يقدرون عليه ؛ لأن فرض الصيام هكذا : من أراد صام ومن أراد أطعم مسكينا . وقال ابن عباس : نزلت هده الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، ثم نسخت بقوله " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " [ البقرة : 185 ] فزالت الرخصة إلا لمن عجز منهم . قال الفراء : الضمير في " يطيقونه " يجوز أن يعود على الصيام ، أي وعلى الذين يطيقون الصيام أن يطعموا إذا أفطروا ، ثم نسخ بقوله : " وأن تصوموا " . ويجوز أن يعود على الفداء ، أي وعلى الذين يطيقون الفداء فدية . وأما قراءة " يطوقونه " على معنى يكلفونه مع المشقة اللاحقة لهم ، كالمريض والحامل فإنهما يقدران عليه لكن بمشقة تلحقهم في أنفسهم ، فإن صاموا أجزأهم وإن افتدوا فلهم ذلك . ففسر ابن عباس - إن كان الإسناد عنه صحيحا - " يطيقونه " بيطوقونه ويتكلفونه فأدخله بعض النقلة في القرآن . روى أبو داود عن ابن عباس " وعلى الذين يطيقونه " قال : أُثبتت للحبلى والمرضع . وروي عنه أيضا " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " قال : كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا ، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا . وخرج الدارقطني عنه أيضا قال : رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه ، هذا إسناد صحيح . وروي عنه أيضا أنه قال : " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام " ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعما مكان كل يوم مسكينا ، وهذا صحيح . وروي عنه أيضا أنه قال لأم ولد له حبلى أو مرضع : أنت من الذين لا يطيقون الصيام ، عليك الجزاء ولا عليك القضاء ، وهذا إسناد صحيح . وفي رواية : كانت له أم ولد ترضع - من غير شك - فأجهدت فأمرها أن تفطر ولا تقضي ، هذا صحيح . قلت : فقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست بمنسوخة وأنها محكمة في حق من ذكر . والقول الأول صحيح أيضا ، إلا أنه يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص ، فكثيرا ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه ، واللّه أعلم . وقال الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والضحاك والنخعي والزهري وربيعة والأوزاعي وأصحاب الرأي : الحامل والمرضع يفطران ولا إطعام عليهما ، بمنزلة المريض يفطر ويقضي ، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور . وحكى ذلك أبو عبيد عن أبي ثور ، واختاره ابن المنذر ، وهو قول مالك في الحبلى إن أفطرت ، فأما المرضع إن أفطرت فعليها القضاء والإطعام . وقال الشافعي وأحمد : يفطران ويطعمان ويقضيان ، وأجمعوا على أن المشايخ والعجائز الذين لا يطيقون الصيام أو يطيقونه على مشقة شديدة أن يفطروا . واختلفوا فيما عليهم ، فقال ربيعة ومالك : لا شيء عليهم ، غير أن مالكا قال : لو أطعموا عن كل يوم مسكينا كان أحب إليّ . وقال أنس وابن عباس وقيس بن السائب وأبو هريرة : عليهم الفدية . وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، اتباعا لقول الصحابة رضي اللّه عن جميعهم ، وقوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " ثم قال : " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " وهؤلاء ليسوا بمرضى ولا مسافرين ، فوجبت عليهم الفدية . والدليل لقول مالك : أن هذا مفطر لعذر موجود فيه وهو الشيخوخة والكبر فلم يلزمه إطعام كالمسافر والمريض . وروي هذا عن الثوري ومكحول ، واختاره ابن المنذر .

الثالثة : واختلف من أوجب الفدية على من ذكر في مقدارها ، فقال مالك : مد بمد النبي صلى اللّه عليه وسلم عن كل يوم أفطره ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : كفارة كل يوم صاع تمر أو نصف صاع بر . وروي عن ابن عباس نصف صاع من حنطة ، ذكره الدارقطني . وروي عن أبي هريرة قال : من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم فعليه لكل يوم مد من قمح . وروي عن أنس بن مالك أنه ضعف عن الصوم عاما فصنع جفنة من طعام ثم دعا بثلاثين مسكينا فأشبعهم .

الرابعة : قوله تعالى : " فمن تطوع خيرا فهو خير له " قال ابن شهاب : من أراد الإطعام مع الصوم . وقال مجاهد : من زاد في الإطعام على المد . ابن عباس : " فمن تطوع خيرا " قال : مسكينا آخر فهو خير له . ذكره الدارقطني وقال : إسناد صحيح ثابت . و " خير " الثاني صفة تفضيل ، وكذلك الثالث و " خير " الأول . وقرأ عيسى بن عمرو ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي " يطوع خيرا " مشددا وجزم العين على معنى يتطوع . الباقون " تطوع " بالتاء وتخفيف الطاء وفتح العين على الماضي .

الخامسة : قوله تعالى : " وأن تصوموا خير لكم " أي والصيام خير لكم . وكذا قرأ أبيّ ، أي من الإفطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ . وقيل : " وأن تصوموا " في السفر والمرض غير الشاق واللّه أعلم . وعلى الجملة فإنه يقتضي الحض على الصوم ، أي فاعلموا ذلك وصوموا .


[1550]:عسفان (بضم العين وسكون السين المهملتين): قرية بينها وبين مكة ثمانية وأربعون ميلا.
[1551]:مثل يضرب للرجل الذي يكثر الكلام ولا يعمل، والذي يعد ولا يفعل.
[1552]:قال الزرقاني في شرح الموطأ: "معنى "سقطت" نسخت قال: وليس بين اللوحين "متتابعات" أي ليس في المصحف كلمة "متتابعات" وقال الدارقطني: إن كلمة "سقطت" انفرد بها عروة.
[1553]:أي يتابعه.
[1554]:عبارة الموطأ: "يصوم قضاء رمضان متتابعا من أفطره من مرض أو سفر".
[1555]:قال النووي: هو مرفوع على أنه فاعل لفعل مقدر؛ أي: يمنعني الشغل.
[1556]:راجع ص 288 من هذا الجزء.
[1557]:راجع ج 7 ص 156، 157
[1558]:راجع ج 17 ص 114
[1559]:راجع ج 7 ص 156، 157
[1560]:ما بين المربعين في ج وساقط من سائر الأصل.
[1561]:مطبعة: مملوءة.
[1562]:راجع ج 12 ص 171
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (184)

وقوله ( أياما معدودات ) ( أياما ) مفعول به ثان للفعل المبني للمجهول ( كتب ) وقيل : منصوب على الظرفية الزمانية . أما الأيام المعدودات فالمراد بها شهر رمضان . وقيل هي الثلاثة أيام من كل شهر . والقول الأول الراجح .

وقوله : ( فمن كان منكم مريضا أو على صفر فعدة من أيام أخر ) .

اختلفت كلمة العلماء في تحديد مستوى المرض الذي يرخص معه للمريض أن يفطر . فقد قال جمهور من أهل العلم : إذا كان المرض مؤلما ومؤذيا ويخشى تماديه وازدياده جاز للمريض أن يفطر .

وذهب الإمام مالك إلى أن المرض الذي يشق على الإنسان ويرهقه عسرا فإنه يُباح معه للمريض بموجب هذا الوصف أن يفطر .

وقال الشافعي : إنه ليس للمريض أن يفطر إلا إذا ألمت به ضرورة تضطره إلى ترك الصيام ، فإن كان كذلك أبيح للمريض أن يفطر ، لكنه إذا كان في مقدوره أن يحتمل الضرورة فليس له أن يفطر . وفي تقديري أن هذا القول لا يخلو من إعنات وتعسير ترفضهما شريعتنا السمحة .

وقال ابن سيرين : متى كان الإنسان في حال يستحق معها اسم المرض فقد جاز له أن يفطر ، وذلك قياسا على المسافر لعلة السفر .

وفي ضوء هذه الأقوال التفصيلية يمكن أن نتصور المرض بالنسبة لرخصة الإفطار أو عدمها على أربعة ضروب .

الضرب الأول : وهو المرض الشديد الذي لا يطاق والذي يؤدي فيه الصوم إلى الهلاك غالبا ، فإنه في مثل هذا الحال يصبح الإفطار بالنسبة للمريض واجبا ، وليس له إذن أن يصوم مخافة أن يهلك ؛ لقوله تعالى : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) .

الضرب الثاني : وهو المرض الذي لا يحتمله الصائم إلا بضرر محقق أو بمشقة عسيرة مؤذية والصوم وإن كان لا يخلو من مشقة ، لكنه ليس الأصل فيه أن يحتمل إعناتا وتعسيرا ؛ لما في ذلك من حرج . ومن أصول الشريعة أن الحرج مرفوع ؛ لقوله سبحانه : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) والمريض في مثل هذه الحال يستحب له أن يفطر . وذلك على سبيل الندب لا الإيجاب . وبذلك فإن الإفطار في حق المريض في الحال الأول واجب ، لكنه في حقه في الحال الثاني مندوب ندبا .

الضرب الثالث : مريض لا يخلو من ألم أو إيجاع ، لكنه يحتمله دون أن يلحق به ضرر أو عنت . وفي مثل هذا فإن المريض مباح له الإفطار ، فلا الإفطار واجب ولا هو مستحب استحبابا كالحكمين السابقين ، ولكنه لا يتجاوز حد الإباحة التي يستوي فيها الحكم بين الفعل وتركه .

الضرب الرابع : أن يكون المرض هينا يسيرا عابرا كنوبة من صداع بسيط أو حمى خفيفة تمر الإنسان ، فلا ترهقه عسرا ، ولا تؤثر في عافيته إذا صام أدنى تأثير ، وفي مثل هذا المرض الهين اليسير خير للمرء أن يصوم . أو أن الصوم في حقه في هذه الحال أفضل . والله تعالى أعلم{[217]} .

وقوله : ( أو على سفر ) للعلماء في مسألة السفر اختلاف وتفصيل . مع أنهم أجمعوا على رخصة الإفطار في سفر الطاعات كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب الرزق للعيش ، أما سفر المباحات كالتجارة والنكاح فهو موضع خلاف ، لكن الراجح جواز الإفطار ، وأما سفر المعصية كالسرقة وقطع الطريق والزنا فمختلف فيه كذلك مع أن الراجح عدم جواز الرخصة بالإفطار فيه .

أما مسافة السفر التي يباح فيها الإفطار فهي موضع خلاف كذلك . فقد ذكر عن الإمام مالك أنها يوم وليلة ، وهي عند الشافعي مقدرة بيومين ، وذكر عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس والثوري أنها ثلاثة أيام ، وقيل غير ذلك{[218]} .

هل يجوز للمسافر أن يبيت النية بالإفطار ؟

اتفق العلماء على أنه ليس له أن يبيت النية بالفطر . وتوجيه ذلك أن المسافر لا يكون أصلا مسافرا بالنية ، بل يكون مسافرا بالممارسة الفعلية وهي السفر نفسه ، وذلك بخلاف المقيم فإنه تتحقق إقامته بمجرد النية ولا يفتقر ذلك إلى عمل . فالمقيم إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحال .

أما الذي يأمل أن يكون مسافرا فإنه لا يجوز له أن يفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر ، لكنه إن نهض للسفر فعلا بعد الأمل جاز له الإفطار ؛ لوجود الممارسة الفعلية وهي اسلفر .

وإن أفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر ، فذلك موضع خلاف وتفصيل للفقهاء لا مجال لذكره هنا{[219]} .

وثمة خلاف آخر بين الفقهاء في أيهما أفضل في السفر الإفطار أم الصوم ؟

فقد ذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل في السفر لمن يقوى على ذلك ، ولا يشق عليه كثيرا . أما إن خشي الضرر والمشقة الكبيرة فالإفطار أفضل . وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل : إن الفطر أفضل : عملا بالرخصة المشروعة ، كما جاء في الحديث : " إن الله يحب أن تؤتى عزائمه " وبقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) . وقال آخرون إن المسافر مخير بين الصوم والإفطار ، فهما بذلك من حيث الحكم سيان في حقه ؛ وذلك لحديث أنس –رضي الله عنه- قال : سافرنا مع النبي ( ص ) في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم .

وذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوب الإفطار للمسافر في رمضان . وقد احتجوا في ذلك بقوله تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) فهم يقولون : إن ذلك يفيد الوجوب للإفطار في السفر ثم يقضي بدلا منه لعدة أيام أخر خارج رمضان . واحتجوا كذلك بالحديث : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " وكذلك بقوله ( ص ) : " ليس من البر أن تصوموا في السفر ، وعليكم برخصة الله لكم فاقبلوا " .

وفي تقديرنا أن قول الجمهور هو الراجح ؛ وذلك لما يعززه من أدلة واضحة مستفيضة . وهي أدلة بعيدة الاحتمال ، وجليّة من حيث الاستدلال ، لكن ما استدل به الآخرون من أدلة ، فهي غالبا ما ترد واقعة معينة لا تشبهها الوقائع الأخرى ، أو أن الدليل ربما جاء مطابقا لموقف دون غيره من المواقف المتعددة الناجمة أثناء السفر ، وذلك تبعا لمستوى الضيق والمشقة اللذين يكونان في السفر{[220]} .

وقوله : ( فعدة من أيام أخر ) عدة خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره الواجب أو الحكم . والعادة بمعنى المعدود . و ( أخر ) صفة الأيام . وهي معدولة عن آخر . وقيل : جمع أخرى ، كأنه أيام أخر ثم كثرت فقيل : أيام أخر . وقيل غير ذلك{[221]} . والمعنى أن من أفطر يوما أو بعض أيام أو أفطر الشهر كله لعذر من سفر أو مرض فعليه أن يقضي بدلا من ذلك في غير رمضان حتى يؤدي المعذور ما في ذمته من حق لله بما يعدل الأيام التي أفطرها في رمضان .

وإذا أفطر المرء في رمضان لعلة من مرض ثم مات في مرضه أو كان مسافرا فمات أثناء السفر ، فما من شيء عليه وتبرأ بذلك ذمته ، وذلك قول الجمهور . وذهب آخرون إلى أن المريض يموت من مرضه في رمضان ، فإنه يجب الإطعام عنه مقابل أيامه التي أفطر فيها .

وثمة خلاف في الذي يموت وعليه صوم من رمضان لم يقضه ، فهل لأحد أن يصوم أو يطعن عنه ؟ فقد ذهب مالك والشافعي والثوري إلى أنه ليس لأحد أن يصوم عن أحد . استنادا إلى قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) وقوله سبحانه : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) وكذلك ما روي عن النبي ( ص ) : " لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدّاً من حنطة " .

وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثر والليث وأهل الظاهر إلى أنه يجوز أن يصام عنه ، لكنهم خصصوا ذلك بالنذر . فإن كان قد نذر صوما ثم مات ولم يصم جاز أن يصام عنه ، أما صوم رمضان فلا . وقد استدل هؤلاء على ذلك بما روي عن ابن عباس قال : جاءت امرأة إلى رسول الله ( ص ) فقالت : يا رسول الله ! إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر . أفأصوم عنها ؟ قال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته ، أكان يؤدي ذلك عنها " قالت : نعم . قال : " فصومي عن أمك " .

وثمة قول ثالث لآخرين أجازوا فيه أن يصام عنه بإطلاق ، سواء كان ذلك في رمضان أو في النذر ، احتجاجا بما روي عن الرسول ( ص ) : " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " .

وفي تقديرينا أن هذا الاحتجاج عام في الصوم كله إلا أنه مخصص بحديث النذر الذي رواه ابن عباس في المرأة التي جاءت تسأل النبي ( ص ) عن أمها التي ماتت وعليها صوم نذر . ويمكن القول كذلك أن حديث النذر مخصص ؛ لعموم الحديث : " لا يصوم أحد عن أحد " أو أن هذا الحديث متعلق بصوم رمضان .

أما في الإطعام عن الذي مات ولم يصم فقد ذهب إلى جوازه أحمد وإسحاق استدلالا بقوله ( ص ) في الحديث السابق : " ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة " {[222]}

وقوله تعالى : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ( وعلى الذين ) في محل رفع خبر مقدم ( يطيقونه ) جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل ومفعول به ، وهي صلة الموصول لا محل لها من الإعراب وتعني يحتملونه أو يقدرون عليه . ( فدية ) مبتدأ مؤخر مرفوع ( طعام ) بدل من فدية ( مسكين ) مجرور على الإضافة .

وهذه الآية قد جاء في تفسيرها عدة أقوال مختلفة ، لكننا نستخلص منها ما نراه أصوب وهو قول ابن عباس : نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة وذلك إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، أي يقدرون عليه دون أذية أو ضرر يقع عليهم ، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فزالت الرخصة عن هؤلاء الشيوخ والعجزة ، إلا لمن عجز منهم عن الصوم إن كان معذورا . وعلى العموم فقد جاء في تفسير هذه الآية عدة أقوال مختلفة يمكن أن نوجزها في الأقوال الثلاثة التالية :

القول الأول : لما شُرع صيام رمضان شق ذلك على الناس ، فصام فيهم من صام وأفطر من أفطر ، فكان من أفطر أطعم عن كل يوم مسكينا بدل إفطاره . وكان قد رخص لهم في ذلك حتى نسخت هذه الآية بالآية بعدها : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .

القول الثاني : وهو مروي عن ابن عباس ، وهو أن هذه الآية نزلت رخصة للشيوخ والعجزة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ، ثم نسخت هذه الآية بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فزالت الرخصة بالإفطار بعد النسخ إلا لمن كان عاجزا لا يقوى على الصوم . وذلك القول المعتمد كما بينا .

القول الثالث : وهو مروي عن ابن عباس أيضا وابن مسعود وآخرين من علماء السلف ، وهو أن هذه الآية ليست منسوخة ولكنها نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة الذين لا يستطيعان الصوم فيطعمان بدلا عن كل يوم يفطران فيه مسكينا . فقد ذكر عن أنس- رضي الله عنه- أنه بعدما كبر أطعم عاما أو عامين عن كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر . وذكر عنه أيضا لما ضعف عن الصوم صنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم . وفي قول آخر وهو أن ثمة " لا نافية " مقدرة . وتقدير الكلام هكذا " وعلى الذين لا يطيقونه فدية طعام مسكين " وهذا القول وإن كان يعنيه القول الثالث ، إلا أنه قول بغير دليل .

ويمكن أن يلحق بالشيوخ والعجزة كل من المرأة الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما من جراء الصيام ، فلهما بذلك أن تفطرا وتطعما فدية بقدر ما أفطرتا . كذلك الذي يكون في ساحة الجهاد فإن الإفطار في حقه واجب ؛ وذلك لئلا يضعف بالصوم عن فريضة الجهاد فيميل العدو على المسلمين ميلة واحدة{[223]} .

أما غير هؤلاء المعذورين من النار فليس لهم إلا أن يصوموا .

وقوله : ( فمن تطوع خيرا فهو خير له ) نختار في تسفيرها ما قاله ابن عباس وهو أن الذي يبتغي الإفطار من الشيوخ والعجزة وقدم بدلا من ذلك فدية من طعام لمسكين ، فإنه من الخير له أن يقدم فدية أخرى لمسكين آخر . وقيل : المراد ، من تطوع خيرا فصام مع الفدية . وقيل : من تطوع خيرا فزاد المسكين على قدر طعامه{[224]} .

وقوله : ( وأن تصوموا كخير لكم إن كنتم تعلمون ) هؤلاء الذين يتجشمون الصيام وهم يقدرون عليه والذين أبيح لهم أني فطروا ويقدموا عن كل يوم فدية- إن هؤلاء خير لهم أن يصوموا بدلا من الإفطار والإطعام . كان ذلك قبل ورود النسخ بقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) والمراد على الجملة التحضيض على الصوم ، فإنه خير من الإفطار مع الفدية . والمصدر من جملة أن تصوموا في محل رفع مبتدأ . ( خير ) خبر مرفوع .


[217]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 252 والكشاف جـ 1 ص 335 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 276.
[218]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 251، والمغني جـ 3 ص 149 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 214.
[219]:تفسير القرطبي جـ 2 ص 278.
[220]:- بداية المجنهد جـ 1 ص 251 والمغني جـ 3 ص 150.
[221]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 143.
[222]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 285.
[223]:- المغني جـ 3 ص 139-140 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 215 وتفسير الطبري جـ 2 ص 79- 81
[224]:- تفسير الطبري جـ 2 ص 83 ، 84 والكشاف جـ 1 ص 335.