الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}: من يوم يموت زوجها. {فإذا بلغن أجلهن}: إذا مضى الأجل مما ذكر في هذه الآية. {فلا جناح عليكم} في قراءة ابن مسعود:"لا حرج عليهن". {فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف}، يعني لا حرج على المرأة إذا نقضت عدتها أن تتشوف وتتزين وتلتمس الأزواج. {والله بما تعملون خبير} من أمر العدة...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني تعالى ذكره بذلك: والذين يتوفون منكم من الرجال أيها الناس، فيموتون ويذرون أزواجا يتربص أزواجهن بأنفسهن.

فإن قال قائل: فأين الخبر عن الذين يتوفون؟ قيل: متروك لأنه لم يقصد قصد الخبر عنهم، وإنما قصد قصد الخبر عن الواجب على المعتدات من العدة في وفاة أزواجهنّ، فصرف الخبر عن الذين ابتدأ بذكرهم من الأموات إلى الخبر عن أزواجهم والواجب عليهن من العدة، إذ كان معروفا مفهوما معنى ما أريد بالكلام. وكذلك الأزواج اللواتي عليهنّ التربص لما كان إنما ألزمهنّ التبرص بأسباب أزواجهن صرف الكلام عن خبر من ابتدئ بذكره إلى الخبر عمن قصد قصد الخبر عنه...

"يَتَرَبصْنَ بأنْفُسِهِنّ": يحتبسن بأنفسهن معتدّات عن الأزواج والطيب والزينة والنقلة عن المسكن الذي كن يسكنه في حياة أزواجهن أربعة أشهر وعشرا، إلا أن يكن حوامل، فيكون عليهن من التربص كذلك إلى حين وضع حملهن، فإذا وضعن حملهن انقضت عددهن حينئذٍ.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم مثل ما قلنا فيه.

وإنما قلنا: عنى بالتربص ما وصفنا لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع وأبو أسامة، عن شعبة، وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حميد بن نافع، قال: سمعت زينب ابنة أم سلمة تحدّث قال أبو كريب: قال أبو أسامة، عن أم سلمة أن امرأة توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، فأتت النبيّ صلى الله عليه وسلم تستفتيه في الكحل، فقال: «لَقَدْ كانَتْ إحْدَاكُنّ تَكُونَ فِي الجاهِلِيّةِ فِي شَرّ أحْلاسِها، فَتَمْكُثُ فِي بَيْتِها حَوْلاً إذَا تُوُفي عَنْها زَوْجُها، فَيَمُرّ عَلَيْها الكَلبُ فَترْمِيهِ بالبَعْرَةِ أفَلا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا».

حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت نافعا، عن صفية ابنة أبي عبيد أنها سمعت حفصة ابنة عمر زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم تحدّث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَحِلّ لامْرأةٍ تُؤْمِنُ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ أنْ تُحِدّ فَوْقَ ثَلاثٍ إلاّ على زَوْجٍ فإنها تُحِدّ عَلَيْهِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا».

قال يحيى: والإحداد عندنا أن لا تطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا بورس ولا زعفران، ولا تكتحل ولا تزّيّن.

قال يحيى: فسألت حميدا عن رميها بالبعرة، قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها عمدت إلى شرّ بيتها، فقعدت فيه حولاً، فإذا مرّت بها سنة ألقت بعرة وراءها.

وقال آخرون: إنما أمرت المتوفى عنها زوجها أن تربص بنفسها عن الأزواج خاصة، فأما عن الطيب والزينة والمبيت عن المنزل فلم تنه عن ذلك، ولم تؤمر بالتربص بنفسها عنه.

واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الله تعالى ذكره إنما أمر المتوفى عنها بالتربص عن النكاح، وجعلوا حكم الآية على الخصوص... عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَسَلّبِي ثَلاثا ثُم اصْنَعِي ما شِئْتِ».

قالوا: فقد بين هذا الخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا إحداد على المتوفى عنها زوجها، وأن القول في تأويل قوله: "يَتَرَبّصْنَ بأنْفُسِهِنّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرا "إنما هو يتربصن بأنفسهن عن الأزواج دون غيره.

وأما الذين أوجبوا الإحداد على المتوفى عنها زوجها، وترك النقلة عن منزلها الذي كانت تسكنه يوم توفي عنها زوجها، فانهم اعتلوا بظاهر التنزيل وقالوا: أمر الله المتوفى عنها أن تربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا، فلم يأمرها بالتربص بشيء مسمى في التنزيل بعينه، بل عمّ بذلك معاني التربص. قالوا: فالواجب عليها أن تربص بنفسها عن كل شيء، إلا ما أطلقته لها حجة يجب التسليم لها. قالوا: فالتربص عن الطيب والزينة والنقلة مما هو داخل في عموم الآية كما التربص عن الأزواج داخل فيها. قالوا: وقد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر بالذي قلنا في الزينة والطيب... قالوا: وأما الخبر الذي روى عن أسماء ابنة عميس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره إياها بالتسلّب ثلاثا، ثم أن تصنع ما بدا لها، فإنه غير دالّ على أن لا إحداد على المرأة، بل إنما دلّ على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم إياها بالتسلب ثلاثا، ثم العمل بما بدا لها من لبس ما شاءت من الثياب مما يجوز للمعتدة لبسه مما لم يكن زينة ولا تطيبا لأنه قد يكون من الثياب ما ليس بزينة ولا ثياب تسلب. وذلك كالذي أذن صلى الله عليه وسلم للمتوفى عنها أن تلبس من ثياب العَصْب وبرود اليمن، فإن ذلك لا من ثياب زينة ولا من ثياب تسلّب، وكذلك كل ثوب لم يدخل عليه صبغ بعد نسجه مما يصبغه الناس لتزيينه، فإن لها لبسه، لأنها تلبسه غير متزينة الزينة التي يعرفها الناس.

فإن قال لنا قائل: وكيف قيل "يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا "ولم يقل وعشرة؟ وإذ كان التنزيل كذلك، أفبالليالي تعتدّ المتوفى عنها العشر أم بالأيام؟ قيل: بل تعتدّ بالأيام بلياليها. فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك فكيف قيل وعشرا ولم يقل وعشرة، والعشر بغير الهاء من عدد الليالي دون الأيام؟ فإن أجاز ذلك المعنى فيه ما قلت، فهل تجيز عندي عشر وأنت تريد عشرة من رجال ونساء؟ قلت: ذلك جائز في عدد الليالي والأيام، وغير جائز مثله في عدد بني آدم من الرجال النساء وذلك أن العرب في الأيام والليالي خاصة إذا أبهمت العدد غلبت فيه الليالي، حتى إنهم فيما رُوي لنا عنهم ليقولون: صمنا عشرا من شهر رمضان، لتغليبهم الليالي على الأيام وذلك أن العدد عندهم قد جرى في ذلك بالليالي دون الأيام، فإذا أظهروا مع العدد مفسره أسقطوا من عدد المؤنث الهاء، وأثبتوها في عدد المذكر، كما قال تعالى ذكره: "سَخّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثمانِيَةَ أيَامٍ حُسُوما" فأسقط الهاء من سبع، وأثبتها في الثمانية. وأما بنو آدم، فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء ثم أبهمت عددها أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث، وذلك أن الذكران من بني آدم موسوم واحدهم وجمعه بغير سمة إناثهم، وليس كذلك سائر الأشياء غيرهم، وذلك أن الذكور من غيرهم ربما وسم بسمة الأنثى، كما قيل للذكر والأنثى شاة، وقيل للذكور والإناث من البقر بقر، وليس كذلك في بني آدم.

فإن قال: فما معنى زيادة هذه العشرة الأيام على الأشهر؟ قيل:

عن أبي العالية قال: لأنه ينفخ فيه الروح في العشر.

"فإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنّ بالمَعْرُوفِ": فإذا بلغن الأجل الذي أبيح لهنّ فيه ما كان حظر عليهن في عددهن من وفاة أزواجهنّ، وذلك بعد انقضاء عددهن، ومضيّ الأشهر الأربعة والأيام العشرة، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف. يقول: فلا حرج عليكم أيها الأولياء -أولياء المرأة- فيما فعل المتوفي عنهنّ حينئذٍ في أنفسهن من تطيب وتزين ونقلة من المسكن الذي كنّ يعتددن فيه ونكاح من يجوز لهن نكاحه بالمعروف يعني بذلك: على ما أذن الله لهنّ فيه وأباحه لهن. وقد قيل: إنما عنى بذلك النكاح خاصة. وقيل: إن معنى قوله بالمَعْرُوفِ إنما هو النكاح الحلال... "وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ": والله بما تعملون أيها الأولياء في أمر من أنتم وليه من نسائكم من عضلهن وإنكاحهنّ ممن أردن نكاحه بالمعروف، ولغير ذلك من أموركم وأمورهم، خبير يعني ذو خبرة وعلم، لا يخفى عليه منه شيء.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}؛ قيل: هي ناسخة لقوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف} [البقرة: 240] إنها وإن [كانت] مقدمة في الذكر، وتلك مؤخرة، ف: {أربعة أشهر وعشرا} ناسخة لتلك. إلى هذا يذهب عامة أهل التأويل. ألا ترى إلى ما جاء في الخبر أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن ابنتها توفي عنها زوجها، واشتكت عينها، وهي تريد أن تكحلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد كانت] إحداكن في الجاهلية تجلس حولا في منزلها، ثم تخرج عند رأس الحول، فترمي بالبعيرة، وإنما هي أربعة أشهر وعشرا [مسلم: 1488]؟ فثبت أن ما كان ذلك، مما تقدم الأمر به، نسخ بالثاني. وقال آخرون: إنه قد أثبت في الآية متاعا أو وصية، ثم ورد النسخ على كل وصية كانت للوارث بقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) [الترمذي: 2121]، وإلا كان الاعتداد الواجب اللازم هو أربعة أشهر وعشرا. وأمكن أن يستدل بقوله: {فإن خرجن} إذ كان على إثر قوله: {غير إخراج} [البقرة: 241]؛ {فإن خرجن} كان النهي على الإخراج دون الخروج، وهذا أصل في الوصايا بالمتاع؛ ألا يمنع الرد، وإن أجبر على التسليم.

وفي الآية دلالة جواز الوصية بالسكنى إذا بطلت بحق الميراث لا بحق الوصية، والله الموفق، وهو جائز في من لم تنسخ له الوصية.

وأمكن الاستدلال بالآية على عدة الوفاة بالحبل إذا ثبت ما روي أنه يكون [أربعين يوما نطفة، و] أربعين يوما علقة، وأربعين يوما مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في العشر. فإذا كان ما ذكر أمرت بتربص أربعة أشهر وعشر ليتبين الحبل إن كان بها. وإذا كان بهذا معنى العدة، فإذا ولدت بدونه انقضت العدة، والله أعلم... ثم الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا المرأة على زوجها، فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا) [البخاري: 5334] فإن قيل: أليس وجب ذلك على المطلقة؟ والخبر إنما جاء في الموت، وهو فوت النعمة في الدين، وذلك الفوت في الطلاق كهو في الموت. [قيل] ألا ترى أنه لم يجب ذلك في موت أبيها ولا في موت ولدها؟ دل أنه لم يجب للموت نفسه، ولكن لفوت النعمة في الدين. ألا ترى أنه روي في الخبر: (أن المرأة الصالحة مفتاح الجنة) [بنحوه مسلم 1467] فأمرت بإظهار الحزن على ما فات منها من النعمة بترك الزينة والتشوف؟ إذ النكاح نعمة، ثم الدخول بها سواء في وجوب المهر والعدة وترك الزينة وإظهار الحزن على فوت النعمة. وأما المطلقة قبل الدخول بها لم يلزمك ذلك، لأن العدة لم تلزمها، فتتجدد لها النعمة لما لها أن [تنكح] للحال، فتكسب نعمة، والله أعلم. ألا ترى أن الصبي الصغير إذا مات عن امرأته تلزمها أربعة أشهر وعشر؟ دل هذا أن وجوبها لفوت النعمة، والله أعلم. [وقوله: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلتم في أنفسكم بالمعروف والله بما تعلمون خبير}؛ قوله: {فيما فعلن في أنفسهم} أي] في الأكفاء بمهر مثلهن...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أيها الأئمة وجماعة المسلمين {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} من التعرّض للخطاب {بالمعروف} بالوجه الذي لا ينكره الشرع. والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن. وإن فرّطوا كان عليهم الجناح.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} وأصل التوفي: أخذ الشيء وافيا كاملا، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كاملا، ويقال: توفي فلان، وتوفي إذا مات، فمن قال: توفي. كان معناه قبض وأخذ. ومن قال: توفى؛ كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء.

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{والله بما تعملون خبير} وعيد يتضمن التحذير، وخبير للمبالغة، وهو العلم بما لطف والتقصي له...

تفسير ابن عرفة 803 هـ :

قوله تعالى: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ...}... فإن قلت: ما فائدة قوله: « بِأَنْفُسِهِنَّ»؟ قلت: فائدته التنبيه على مجاهدة النفس بمنعها شهواتها وتحملها الصبر على النكاح حتى تنقضي العدة... فإن قلت: ظاهر الآية أن يكون التربص مقصودا لها. والمذهب على أنها إذا لم تعلم بوفاة زوجها إلاّ بعد مضي العدة فإنّها تجزيها تلك ولا تستأنف عدة أخرى بوجه؟ قلنا: الأغلب في النساء معرفة -وكذلك المذهب- في الأربعة أشهر وعشرا أنها تكفي بشرط أن تحيض فيها حيضة وهو الأعم الأغلب في النساء فإن لم تحض واسترابت رفعت إلى تسعة أشهر فإن زالت عنها الرّيبة فقد انقضت عدتها وإن استرابت بحس بطن فإنّها تمكث أقصى أمد الحمل...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

قال الحرالي: لما ذكر عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة، انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأساً لها متصلان متصل بالرأس النظير لها المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما...

{والذين} أي وأزواج الذين {يتوفون منكم} أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي أعارهم إياها.

قال الحرالي: من الوفاة وهو استخلاص الحق من حيث وضع، إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفياً تفعلاً من الوفاء وهو أداء الحق {ويذرون} من الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه {أزواجاً} بعدهم.

ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظاً لقلوب الأقارب واحتياطاً للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وتمّ فقال:

{يتربصن} أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة.

ولما كان الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه بالتعريض قال معبراً بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاويا على البعد عنها: {بأنفسهن} فلا يبذلنها لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو إلى النكاح كما بينت ذلك السنّة {أربعة أشهر وعشراً} إن كن حرائر ولم يكن حمل سواء [أكانت] صغيرة [أم] كبيرة تحيض [أم] لا، ابتداؤها من حين الوفاة لأنها السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل.

{فإذا بلغن أجلهن} ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله: {فلا جناح عليكم} أي يا أهل الدين {فيما} ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال: {فعلن في أنفسهن} أي من النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد، ولا يحمل هذا على المباشرة ليكون دليلاً على -إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية {ولا تعضلوهن} المتأيدة بالسنّة.

ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال: {بالمعروف} لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة، فإن فعلن ما ينكر كان على الناس الجناح بترك الأمر كما عليهن بالفعل؛ وأجمع الفقهاء غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب النزول...

ولما كان التقدير: فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف عليه قوله محذراً من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق غيرهم: {والله} أي الذي له صفات الكمال {بما تعملون} من سر وعلانية.

ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح وإن قيد بالمعروف باطناً ختم بقوله

{خبير} أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا مخالفته وأطيعوا أمره.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبعد استيفاء التشريع للمطلقات وللآثار المتخلفة عن الطلاق يأخذ في بيان حكم المتوفى عنها زوجها.. عدتها. وخطبتها بعد انقضاء العدة. والتعريض بالخطبة في أثنائها... والمتوفى عنها زوجها كانت تلقى الكثير من العنت من الأهل وقرابة الزوج والمجتمع كله.. وعند العرب كانت إذا مات زوجها دخلت مكانا رديئا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا مدة سنة، ثم تخرج فتقوم بعدة شعائر جاهلية سخيفة تتفق مع سخف الجاهلية، من أخذ بعرة وقذفها ومن ركوب دابة: حمار أو شاة... إلخ..

فلما جاء الإسلام خفف عنها هذا العنت، بل رفعه كله عن كاهلها؛ ولم يجمع عليها بين فقدان الزوج واضطهاد الأهل بعده.. وإغلاق السبيل في وجهها دون حياة شريفة، وحياة عائلية مطمئنة. جعل عدتها أربعة أشهر وعشر ليال -ما لم تكن حاملا فعدتها عدة الحامل- وهي أطول قليلا من عدة المطلقة، تستبرئ فيها رحمها، ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها. وفي أثناء هذه العدة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزين للخطاب. فأما بعد هذه العدة فلا سبيل لأحد عليها. سواء من أهلها أو من أهل الزوج. ولها مطلق حريتها فيما تتخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود المعروف من سنة الله وشريعته، فلها أن تأخذ زينتها المباحة للمسلمات، ولها أن تتلقى خطبة الخطاب، ولها أن تزوج نفسها ممن ترتضي. لا تقف في سبيلها عادة بالية، ولا كبرياء زائفة. وليس عليها من رقيب إلا الله: {والله بما تعملون خبير}...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

انتقال إلى بيان عدة الوفاة بعد الكلام عن عدة طلاق وما اتصل بذلك من أحكام الإرضاع عقب الطلاق، تقصيا لما به إصلاح أحوال العائلات، فهو عطف قصة على قصة.

ويتوفون مبني للمجهول، وهو من الأفعال التي التزمت العرب فيها البناء للمجهول مثل عني واضطر، وذلك في كل فعل قد عرف فاعله ما هو، أو لم يعرفوا له فاعلاً معيناً. وهو من توفاه الله أو توفاه الموت فاستعمال التوفي منه مجاز، تنزيلاً لعمر الحي منزلة حق للموت، أو لخالق الموت، فقالوا: توفى فلان كما يقال: توفى الحق ونظيره قبض فلان، وقبض الحق فصار المراد من توفى: مات، كما صار المراد من قبض وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية وجاء الإسلام فقال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس} [الزمر: 42] وقال: {حتى يتوفاهن الموت} [النساء: 15] وقال: {قل يتوفاكم ملك الموت} [السجدة: 11] فظهر الفاعل المجهول عندهم في مقام التعليم أو الموعظة، وأبقي استعمال الفعل مبنياً للمجهول فيما عدا ذلك إيجازاً وتبعاً للاستعمال...

فإن قلت: كيف لا تلتفت الشريعة على هذا إلى ما في طباع النساء من الحزن على وفاة أزواجهن؟ وكيف لا تبقى بعد نسخ حزن الحول الكامل مدة ما يظهر فيها حال المرأة؟ وكيف تحل الحامل للأزواج لو وضعت حملها وزوجها لما يوضع عن سريره كما وقع في قول عمر؟

قلت: كان أهل الجاهلية يجعلون إحداد الحول فرضاً على كل متوفى عنها، والأزواج في هذا الحزن متفاوتات، وكذلك هن متفاوتات في المقدرة على البقاء في الانتظار لقلة ذات اليد في غالب النساء، فكن يصبرن على انتظار الحول راضيات أو كارهات، فلما أبطل الشرع ذلك فيما أبطل من أوهام الجاهلية، لم يكترث بأن يشرع للنساء حكماً في هذا الشأن، ووكله إلى ما يحدث في نفوسهن وجِدَتهن، كما يوكل جميع الجبليات والطبيعيات إلى الوجدان؛ فإنه لم يعين للناس مقدار الأكلات والأسفار والحديث ونحو هذا، وإنما اهتم بالمقصد الشرعي وهو حفظ الأنساب، فإذا قضى حقه فقد بقي للنساء أن يفعلن في أنفسهن ما يشأن من المعروف، كما قال: {فلا جناح عليكم فيما فعلن} فإذا شاءت المرأة بعد انقضاء العدة أن تحبس نفسها فلتفعل...

والحكمة من الإحداد سد ذريعة كل ما يوسوس إلى الرجال من رؤية محاسن المرأة المعتدة، حتى يبتعدوا عن الرغبة في التعجل بما لا يليق، ولذلك اختلف العلماء في الإحداد على المطلقة، فقال مالك والشافعي وربيعة وعطاء: لا إحداد على مطلقة، أخذاً بصريح الحديث، وبأن المطلقة يرقبها مطلقها ويحول بينها وبين ما عسى أن تتساهل فيه، بخلاف المتوفى عنها...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

في الآيات السابقة بين سبحانه إنشاء الزواج، و ما ينبغي أن يكون في الاختيار وما يجب، ثم بين العشرة الزوجية، ثم بين الفراق بين الزوجين والأحكام التي تتبع عند الافتراق، وأن الزواج إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأنه إذا لم يكن واحدا منهما فهو الكفر في الإسلام، أو الجهل بأحكامه أو الزيغ عن قانونه.

و الخروج من ربقته ونظامه، ثم أشار سبحانه إلى حقوق ثمرة الزواج في حالي الوفاق والخلاف، وأنها حقوق مقرة في الحالين. و بعد ذلك بين الحكم إذا فرق بين الزوجين الموت، فذكر القيود المعقولة التي تقيد بها المرأة، وبعدها تكون الحرية التي يكون من آثارها اختيار الزوج الكفء، فقد قال تعالى: {و الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} في هذه الآية الكريمة يتبين عدة المتوفى عنها زوجها، وهي أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام.

وعبر سبحانه عن العشر بما يدل على أن المعدود مؤنث، إذ إنه حذف التاء، فدل على أن المراد عشر ليال والمؤدى واحد، ولكن التعبير بالليالي فيه فائدة أكبر من التعبير بالأيام؛ لأن فيه إشارة إلى أن تقدير الأشهر بالقمرية... لأن الليالي هي التي تعرف فيها أحوال القمر وأدواره، فكان التعبير بها توجيها لما يكون فيها، وهو القمر بأطواره وأحواله...

و "يتربصن "هي خبر في معنى الطلب فالمعنى ليتربصن، كقوله تعالى: {و الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} (البقرة 233) وفي ذلك إشارة إلى أن التربص أمر نظري يتلاقى مع الأمر الشرعي، فإن الحرة الكريمة لا ترضى لنفسها ولا ترضى معها أسرتها أن تتزوج فور وفاة زوجها، أو بعدها بمدة قليلة، فإن ذلك أمر مستهجن في الفطرة السليمة، وفي الشرع الحكيم، وفي عرف الناس، ولا ترضى العقول به والمدارك الصحيحة.

و كان من ذلك التعبير قوله تعالى: {بأنفسهن} فيه إشارة إلى أن ذلك التربص فيه صيانة لأنفسهن، وحفظ لكرامتهن، ودفع لمعنى الامتهان والعار الذي يلحق المرأة من أن يموت ضجيعها، فلا تلبث إلا قليلا بعد أن يسجى ويدفن، حتى تعرض نفسها طالبة الأزواج، كأنه ليس المتوفى عشيرا أليفا يستحق الحداد. و قد حد الشارع للمتوفى عنها زوجها عدة هي في جملتها أكثر من عدة المطلقات، لأن تلك ثلاثة قروء تجيء عادة في نحو ثلاثة أشهر.

وهنا يرد سؤالان: أولهما: لماذا كانت العدة في المتوفى عنها زوجها بالأشهر دون الحيض، فلم تجعل أربع حيضات بدل ثلاثة؟ ولماذا كانت الزيادة؟

و لم نجد أحدا تصدى لبيان الحكمة في جعلها بالأشهر، ويبدو لنا أن الحكمة التي تدركها عقولنا – وإن كانت الحكمة الشرعية السامية قد تعلو على مداركنا – هي أن عدة الوفاة تكون للمدخول بها وغير المدخول بها، وللصغيرة والكبيرة، والأساس فيها هو الحداد على الزواج السابق الذي انتهى بوفاة أحد ركنيه، فلزم أن يكون بأمر يشترك فيه الجميع مادام السبب واحدا في الجمع، وفوق ذلك إن العدة في الوفاة لو قدرت بالحيض، وهو أمر لا يعلم إلا من جهة المرأة، فربما تدفعها الرغبة في الزواج إلى الكذب فتدعيه وهو لم يقع، وفي المطلقات العدة حق للمطلق فيستطيع أن ينكر عليها، أو يظهر كذبها، وهي تخشى صولته، فتبتعد ما أمكن من المراء، أما في حال الوفاة فصاحب الحق الأول قد مات وصار الحق لله خاصا، فحد ذلك الحق بالأشهر والأيام حتى لا يكون مساغا للكذب وادعاء ما لم يحصل، لأن الأيام والأشهر تعرف بالكتاب والحساب، وليست أمرا يعرف من جهتها فقط...

أما الجواب عن الأمر الثاني وهو: لماذا كانت العدة بالوفاة أكثر في الجملة من العدة الناشئة عن الطلاق؟ فيبدو بادي الرأي، من الفرق بين حال الطلاق وحال الوفاة، أن الطلاق نتيجة شقاق، فالحداد على الزوج الذي ينشئه ليس قويا، ومعنى براءة الرحم وإعطاء الزوج فرصة للرجعة يكون أوضح في معنى العدة، ويكفي لذلك نحو ثلاثة أشهر، أما حال الموت، فإن مرارة الفراق فيها أوضح وأشد، ومعنى الحداد يغلب فيها معنى براءة الرحم، ولذلك تجب على المدخول بها وغير المدخول بها، وإن الشارع قد جعلها لذلك أطول من عدة الطلاق، وإن الشارع الحكيم قد خفف من حدة ما كانت تعمله النسوة الجاهلية... و قد يرد سؤال آخر: لماذا حد العدد بأربعة أشهر وعشرا؟ وإن تقدير الأعداد كما يقرر الفقهاء أمر توفيقي خالص لا يجري فيه القياس، ولكن ليس معنى ذلك أنه لا حكمة فيه، وإن الحكمة يقررها العلماء في أمرين:

أولهما – أن الأشهر الأربعة هي التي يظهر فيها الحمل ويستبين، وقد جعلت العشر بعدها للاحتياط، وتعرف أعراضه وظواهره، وذلك لأنه لما وكل أمر براءة الرحم إلى مدة، لوحظ فيه المدة التي فيها يعرف ويستبين وتظهر أعراضه.

ثانيهما – أن مدة أربعة الأشهر هي المدة التي قررها الشارع أقصى مدة للحرمان من الرجال، ولذلك جعل الإيلاء مدته أربعة أشهر... فكان من التنسيق بين الأحكام الشرعية أن تجعل مدة الإحداد على الزواج في حدود هذه المدة، ومقاربة لها في الجملة، وليس من المعقول أن يعاقب الشارع الرجل إذا أصر على هجر زوجه بالفراق إذا أصر عليه أربعة أشهر، وفي الوقت نفسه يلزمها بالحداد مدة أطول من ذلك، بل ينبغي أن تكون مدة الإحداد حول هذه المدة أيضا...

{فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} بينت الجملة السامية السابقة مدة العدة للمتوفى عنهن أزواجهن، وفي هذه الجملة الكريمة يبين سبحانه وتعالى انتهاءها وما يترتب على الانتهاء، والمعنى: إذا انتهت المدة المقررة للتربص، فلا إثم على الناس فيما يفعلن في أنفسهن من زينة واستعداد للزواج والزواج بالفعل، ونرى في التعبير الفعل المباح منسوبا لهن، ونفي الإثم عن الناس المتصلين بهؤلاء المتوفى عنهن أزواجهن، وفي ذلك دلالة على أمرين:

أحدهما: أن المرأة تباح لها الزينة بالمعروف، أي بالأمر المعقول الذي تقره العقول، وتدركه الأفهام، وتعرفه أهل المدارك السليمة والأذواق الدقيقة المحكومة بشكائم الأخلاق، يدخل فيما يفعلن بأنفسهن الزواج، فلها اختيار الزوج، وتولي العقد، بشرط أن يكون ذلك في دائرة العرف والتقيد بالكفاءة، وألا تجلب عارا على أسرتها وذويها.

وثانيهما: أن نفي الإثم عن الجماعة فيما يفعلن بأنفسهن بالمعروف غير المستنكر، دليل على أن الجماعة الإسلامية متعاونة متآزرة متماسكة بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، وأن على كل امرئ أن يصلح من شأن أخيه، ويقومه بالمعروف، ويبين له أوامر الشرع وحكم الله تعالى، و لا تذهب عنه هذه المسؤولية حتى يكون عمل من يكون ذا صلة به في دائرة الشرع والخلق القويم...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

[الملاحظ] في الآية وفي غيرها من الآيات، وهي اختتام الجملة المتضمنة للتشريع بالتأكيد على رقابة اللّه على الإنسان من خلال خبرته المطلقة بكلّ خفاياه وقضاياه، تمثّل أسلوباً تربوياً في ربط المكلّف بالحكم الشرعي على أساس الوعي لموقعه من ربه وموقع ربه منه، حتى لا يكون التكليف مجرّد مادة قانونية جامدةٍ يتلقاها الإنسان بشكل عادي، بحيث لا تثير في نفسه أي معنى يربط الإلزام بالخطّ الإيماني الروحي المنفتح على إشراف اللّه عليه. وقد يكون من الضروري أن ينطلق الدعاة والمبلغون للأخذ بهذا الأسلوب في نطاق التبليغ للأحكام الشرعية الإسلامية، والدعوة إلى الالتزام بها في حياة المسلمين...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

فيه خمس وعشرون مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " والذين يتوفون منكم " لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع ، ذكر عدة الوفاة أيضا ؛ لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق . " والذين " أي والرجال الذين يموتون منكم . " ويذرون أزواجا " أي يتركون أزواجا ، أي ولهم زوجات ، فالزوجات " يتربصن " ، قال معناه الزجاج واختاره النحاس . وحذف المبتدأ في الكلام كثير ، كقوله تعالى : " قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار " {[2163]} [ الحج : 72 ] أي هو النار . وقال أبو علي الفارسي : تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم ؛ وهو كقولك : السمن منوان بدرهم ، أي منوان منه بدرهم . وقيل : التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن ، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى : وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون . وقال بعض نحاة الكوفة : الخبر عن " الذين " متروك ، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن ، وهذا اللفظ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدم .

الثانية : هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها ، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص . وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " {[2164]} [ الطلاق : 4 ] . وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " [ البقرة :240 ] لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام{[2165]} إذا توفى الرجل وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج ، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث . وقال قوم : ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول ؛ كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخا . وهذا غلط بين ؛ لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة إذا لم تخرج ، فإن خرجت لم تمنع ، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشرا . وهذا هو النسخ ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء . وقد قالت عائشة رضي الله عنها : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر بحالها ، وسيأتي{[2166]} .

الثالثة : عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء . وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين ، واختاره سحنون من علمائنا وقد روي عن{[2167]} ابن عباس أنه رجع عن هذا . والحجة لما روي عن على وابن عباس روم الجمع بين قوله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " وبين قوله : " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " [ الطلاق : 4 ] وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين ، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة ، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول . وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال ، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج ؛ أخرجه في الصحيح . فبين الحديث أن قوله تعالى : " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن ، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين ، ويعتضد هذا بقول ابن مسعود : ومن شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة . قال علماؤنا : وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده . والله أعلم . وإنما يعني أنها مخصصة لها ، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها . وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدة الوفاة ؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع ، وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدرا ، توفي بمكة حينئذ وهي حامل ، وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة ، وولدت بعده بنصف شهر . وقال البخاري : بأربعين ليلة . وروى مسلم من حديث عمر بن عبدالله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت : فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ، وأمرني بالتزوج إن بدا لي . قال ابن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها ، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر ؛ وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء . وقال الحسن والشعبي والنخعي وحماد : لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها . فاشترطوا شرطين : وضع الحمل ، والطهر من دم النفاس . والحديث حجة عليهم ، ولا حجة لهم في قوله : ( فلما تَعَلَّتْ{[2168]} من نفاسها تجملت للخطاب ) كما في صحيح مسلم وأبي داود ؛ لأن ( تعلت ) وإن كان أصله ، طهرت من دم نفاسها على ما قاله الخليل - فيحتمل أن يكون المراد به ههنا تعلت من آلام نفاسها ، أي استقلت من أوجاعها . ولو سلم أن معناه ما قال الخليل فلا حجة فيه ، وإنما الحجة في قوله عليه السلام لسبيعة : ( قد حللت حين وضعت ) فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه ، ولم يقل إذا انقطع دمك ولا إذا طهرت ، فصح ما قاله الجمهور .

الرابعة : ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أو لا يملك ، حرة كانت أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها . واختلفوا في أجل الحامل المتوفى عنها كما تقدم ، وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم أن رجلا لو توفي وترك امرأة حاملا فانقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا تحل حتى تلد ، فعلم أن المقصود الولادة .

الخامسة : قوله تعالى : " يتربصن " التربص : التأني والتصبر عن النكاح ، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا . ولم يذكر الله تعالى السكنى للمتوفى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله تعالى : " أسكنوهن " وليس في لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على الإحداد ، وإنما قال : " يتربصن " فبينت السنة جميع ذلك . والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن التربص في الوفاة إنما هو بإحداد ، وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه ، وهذا قول جمهور العلماء . وقال الحسن بن أبي الحسن : ليس الإحداد بشيء ، إنما تتربص عن الزوج ، ولها أن تتزين وتتطيب ، وهذا ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان وكانت متوفى عنها : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا ، وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، رواه عنه مالك والثوري ووهيب{[2169]} بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وابن عيينة والقطان وشعبة ، وقد رواه مالك عن ابن شهاب ، وحسبك ، قال الباجي : لم يرو عنه غيره ، وقد أخذ به عثمان بن عفان . قال أبو عمر : وقضى به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها ، وهو حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج عنه ، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر . وكان داود يذهب إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت ؛ لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات ، ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف . قالوا : وهذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم ؛ وإيجاب السكنى إيجاب حكم ، والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع . قال أبو عمر : أما السنة فثابتة بحمد الله ، وأما الإجماع فمستغنى عنه بالسنة ؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة ، وبالله التوفيق : وروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة مثل قول داود ، وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصري . قال ابن عباس : إنما قال الله تعالى : " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ولم يقل يعتددن في بيوتهن ، ولتعتد حيث شاءت ؛ وروي عن أبي حنيفة . وذكر عبدالرزاق قال : حدثنا{[2170]} معمر عن الزهري عن عروة قال : خرجت عائشة بأختها أم كلثوم - حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيدالله - إلى مكة في عمرة ، وكانت تفتي المتوفى عنها زوجها{[2171]} بالخروج في عدتها . قال :{[2172]}وحدثنا الثوري عن عبيدالله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول : أبى الناس ذلك عليها . قال : و{[2173]}حدثنا معمر عن الزهري قال : أخذ المترخصون في المتوفى عنها زوجها بقول عائشة ، وأخذ أهل الورع والعزم بقول ابن عمر . وفي الموطأ : أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج . وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد ؛ لأنه كان يرى اعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفى عنها لازما لها ؛ وهو مقتضى القرآن والسنة ، فلا يجوز لها أن تخرج في حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها . وقال مالك : ترد ما لم تحرم .

السادسة : إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدة فيه ، وعليه أكثر الفقهاء : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لحديث الفريعة . وهل يجوز بيع الدار ، إذا كانت ملكا للمتوفى وأراد ذلك الورثة ، فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز ، ويشترط فيه العدة للمرأة . قال ابن القاسم : لأنها أحق بالسكنى من الغرماء . وقال محمد بن الحكم : البيع فاسد ؛ لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها . وجه قول ابن القاسم : أن الغالب السلامة ، والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد العقود ، فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فارتابت ، قال مالك في كتاب محمد : هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة ، وأحب إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ولا يرجع بشيء ؛ لأنه دخل على العدة المعتادة ، ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا . وقال سحنون : لا حجة للمشترى وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين ؛ لأنه دخل على العدة والعدة قد تكون خمس سنين ، ونحو هذا روى أبو زيد عن ابن القاسم .

السابعة : فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة ، فلها السكنى في مدة العدة ، خلافا لأبي حنيفة والشافعي ؛ لقوله عليه السلام للفريعة - وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن - : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) . لا يقال إن المنزل كان لها ، فلذلك قال لها : ( امكثي في بيتك ) فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها قتل ، وأنه تركها في مسكن ليس لها واستأذنته ، وذكر الحديث . ولنا من جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه فيه ، فلزم أن تعتد الزوجة فيه ؛ أصل ذلك إذا ملك رقبتها .

الثامنة : وهذا إذا كان قد أدى الكراء ، وأما إذا كان لم يؤد الكراء فالذي في المدونة : إنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا ؛ لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما ، وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما ، وإنما ملك العوض الذي بيده ، ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى ؛ لأن ذلك مال وليس بسكنى . وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله .

التاسعة : قوله صلى الله عليه وسلم للفريعة : ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن ، أو كان أسكن فيه إلى وفاته ، أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو غير كراء ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لازم لها فيه حتى تنقضي عدتها .

العاشرة : واختلفوا في المرأة يأتيها نعي زوجها وهي في بيت غير بيت زوجها ، فأمرها بالرجوع إلى مسكنه وقراره مالك بن أنس ، وروى ذلك عن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه{[2174]} . وقال سعيد بن المسيب والنخعي : تعتد حيث أتاها الخبر ، لا تبرح منه حتى تنقضي العدة . قال ابن المنذر : قول مالك صحيح ، إلا أن يكون نقلها الزوج إلى مكان فتلزم ذلك المكان .

الحادية عشرة : ويجوز لها أن تخرج في حوائجها من وقت انتشار الناس بكرة إلى وقت هدوئهم بعد العتمة ، ولا تبيت إلا في ذلك المنزل . وفي البخاري ومسلم عن أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب{[2175]} ، ولا تكتحل ، ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة{[2176]} من قُسْط أو أَظْفَار ) . وفي حديث أم حبيبة : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا . . . ) الحديث . الإحداد : ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي والكحل والخضاب بالحناء ما دامت في عدتها ؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج ، فنهيت عن ذلك قطعا للذرائع ، وحماية لحرمات الله تعالى أن تنتهك ، وليس دهن المرأة رأسها بالزيت والشَّيرج من الطيب في شيء . يقال : امرأة حَادٌّ ومُحِدٌّ . قال الأصمعي : ولم نعرف ( حدت ) . وفاعل ( لا يحل ) المصدر الذي يمكن صياغته من ( تحد ) مع ( أن ) المرادة ، فكأنه قال : الإحداد .

الثانية عشرة : وصفه عليه السلام المرأة بالإيمان يدل على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفى عنها زوجها أنها لا إحداد عليها ، وهو قول ابن كنانة وابن نافع ، ورواه أشهب عن مالك ، وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر ، وروي عن ابن القاسم أن عليها الإحداد ، كالمسلمة ، وبه قال الليث والشافعي وأبو ثور وعامة أصحابنا ؛ لأنه حكم من أحكام العدة فلزمت الكتابية للمسلم كلزوم المسكن والعدة .

الثالثة عشرة : وفي قوله عليه السلام : ( فوق ثلاث إلا على زوج ) دليل على تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث ، وإباحة الإحداد عليهم ثلاثا تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها ، فإن مات حميمها في بقية يوم{[2177]} أو ليلة ألغته وحسبت من الليلة القابلة .

الرابعة عشرة : هذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن المتوفى عنهن أزواجهن ، فيدخل فيه الإماء والحرائر والكبار والصغار ، وهو مذهب الجمهور من العلماء . وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا إحداد على أمة ولا على صغيرة ؛ حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي . قال ابن المنذر : أما الأمة الزوجة فهي داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار ، وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ، ولا أحفظ في ذلك عن أحد خلافا ، ولا أعلمهم يختلفون في الإحداد على أم الولد إذا مات سيدها ؛ لأنها ليست بزوجة ، والأحاديث إنما جاءت في الأزواج . قال الباجي : الصغيرة إذا كانت ممن تعقل الأمر والنهي وتلتزم ما حد لها أمرت بذلك ، وإن كانت لا تدرك شيئا من ذلك لصغرها فروى ابن مزين عن عيسى يجنبها أهلها جميع ما تجتنبه الكبيرة ، وذلك لازم لها . والدليل على وجوب الإحداد على الصغيرة ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته امرأة عن بنت لها توفي عنها زوجها فاشتكت عينها أفتكحلها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ) مرتين أو ثلاثا ؛ كل ذلك يقول ( لا ) ولم يسأل عن سنها ، ولو كان الحكم يفترق بالصغر والكبر لسأل عن سنها حتى يبين الحكم ، وتأخير البيان في مثل هذا لا يجوز ، وأيضا فإن كل من لزمتها العدة بالوفاة لزمها الإحداد كالكبيرة .

الخامسة عشرة : قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا أن الخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها . وأجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس الثياب المصبغة والمعصفرة ، إلا ما صبغ ، بالسواد فإنه رخص فيه عروة بن الزبير ومالك والشافعي ، وكرهه الزهري . وقال الزهري : لا تلبس ثوب عَصْب ، وهو خلاف الحديث . وفي المدونة قال مالك : لا تلبس رقيق عَصْب اليمن ، ووسع في غليظه . قال ابن القاسم : لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة وتلبس رقيق الثياب وغليظه من الحرير والكتان والقطن . قال ابن المنذر : ورخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض . قال القاضي عياض : ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة لا تمسه الحاد رقيقا كان أو غليظا . ونحوه للقاضي عبدالوهاب قال : كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن فلتمتنع منه الحاد . ومنع بعض مشايخنا المتأخرين جيد البياض الذي يتزين به ، وكذلك الرفيع من السواد . وروى ابن المواز عن مالك : لا تلبس حليا وإن كان حديدا ، وفي الجملة أن كل ما تلبسه المرأة على وجه ما يستعمل عليه الحلي من التجمل فلا تلبسه الحاد . ولم ينص أصحابنا على الجواهر واليواقيت والزمرد وهو داخل في معنى الحلي . والله أعلم .

السادسة عشرة : وأجمع الناس على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها ، إلا الحسن فإنه قال : ليس بواجب ، واحتج بما رواه عبدالله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت : لما أصيب جعفر بن أبي طالب قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسلبي{[2178]} ثلاثا ثم اصنعي ما شئت ) . قال ابن المنذر : كان الحسن البصري من بين سائر أهل العلم لا يرى الإحداد ، وقال : المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتختضبان وتصنعان ما شاءا . وقد ثبتت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإحداد ، وليس لأحد بلغته إلا التسليم ، ولعل الحسن لم تبلغه ، أو بلغته فتأولها بحديث أسماء بنت عميس أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تحد على جعفر وهى امرأته ، فأذن لها ثلاثة أيام ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام أن تطهري واكتحلي . قال ابن المنذر : وقد دفع أهل العلم هذا الحديث بوجوبه ، وكان أحمد بن حنبل يقول : هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به ، وقاله إسحاق .

السابعة عشرة : ذهب مالك والشافعي إلى أن لا إحداد على مطلقة رجعية كانت أو بائنة واحدة . أو أكثر ، وهو قول ربيعة وعطاء . وذهب الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي ، وأبو ثور وأبو عبيد : أن المطلقة ثلاثا عليها الإحداد ، وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن سيرين والحكم بن عيينة . قال الحكم : هو عليها أوكد وأشد منه على المتوفى عنها زوجها ، ومن جهة المعنى أنهما جميعا في عدة يحفظ بها النسب . وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة . قال ابن المنذر : وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) دليل على أن المطلقة ثلاثا والمطلِق حيُّ لا إحداد عليها .

الثامنة عشرة : أجمع العلماء على أن من طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها ثم توفي قبل انقضاء العدة أن عليها عدة الوفاة وترثه . واختلفوا في عدة المطلقة ثلاثا في المرض ، فقالت طائفة تعتد عدة الطلاق ، هذا قول مالك والشافعي ويعقوب وأبي عبيد وأبي ثور . قال ابن المنذر : وبه نقول ؛ لأن الله تعالى جعل عدة المطلقات الأقراء ، وقد أجمعوا على المطلقة ثلاثا لو ماتت لم يرثها المطلق ، وذلك لأنها غير زوجة ، وإذا كانت غير زوجة فهو غير زوج لها . وقال الثوري : تعتد بأقصى العدتين . وقال النعمان ومحمد : عليها أربعة أشهر وعشر تستكمل في ذلك ثلاث حيض .

التاسعة عشرة : واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها أو طلاقه ، فقالت طائفة : العدة في الطلاق والوفاة من يوم يموت أو يطلق ، هذا قول ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ، وبه قال مسروق وعطاء وجماعة من التابعين ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد والثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر . وفيه قول ثان وهو أن عدتها من يوم يبلغها الخبر ، روي هذا القول عن علي ، وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء الخراساني وجلاس بن عمرو . وقال سعيد بن المسيب وعمر بن عبدالعزيز : إن قامت بينة فعدتها من يوم مات أو طلق ، وإن لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر ، والصحيح الأول ؛ لأنه تعالى علق العدة بالوفاة أو الطلاق ، ولأنها لو علمت بموته فتركت الإحداد انقضت{[2179]} العدة ، فإذا تركته مع عدم العلم فهو أهون ، ألا ترى أن الصغيرة تنقضي عدتها ولا إحداد عليها . وأيضا فقد أجمع العلماء على أنها لو كانت . حاملا لا تعلم طلاق الزوج أو وفاته ثم وضعت حملها أن عدتها منقضية . ولا فرق بين هذه المسألة وبين المسألة المختلف فيها . ووجه من قال بالعدة من يوم يبلغها الخبر ، أن العدة عبادة بترك الزينة وذلك لا يصح إلا بقصد ونية ، والقصد لا يكون إلا بعد العلم . والله أعلم .

الموفية عشرين : عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض ، والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية - دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل - وعدة{[2180]} جميعهن إلا الأمة أربعة أشهر وعشرة أيام ؛ لعموم الآية في قوله تعالى : " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " . وعدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران وخمس ليال . قال ابن العربي : نصف عدة الحرة إجماعا ، إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوى فيها بين الحرة والأمة وقد سبقه الإجماع ، لكن لصممه لم يسمع . قال الباجي : ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين ، وليس بالثابت عنه أنه قال : عدتها عدة الحرة .

قلت : قول الأصم صحيح من حيث النظر ، فإن الآيات الواردة في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة ، فعدة الحرة والأمة سواء على هذا النظر ، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة ، وكما استوت الأمة والحرة في النكاح فكذلك تستوي معها في العدة . والله أعلم .

قال ابن العربي : وروي عن مالك أن الكتابية تعتد بثلاث حيض إذ يبرأ الرحم ، وهذا منه فاسد جدا ؛ لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة وهي منها وأدخلها في عموم آية الطلاق وليست منها{[2181]} .

قلت : وعليه بناء ما في المدونة لا عدة عليها إن كانت غير مدخول بها ؛ لأنه قد علم براءة رحمها ، هذا يقتضي أن تتزوج مسلما أو غيره إثر وفاته ؛ لأنه إذا لم يكن عليها عدة للوفاة ولا استبراء للدخول فقد حلت للأزواج .

الحادية والعشرون : واختلفوا في عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها ، فقالت طائفة : عدتها أربعة أشهر وعشر . قاله جماعة من التابعين منهم سعيد والزهري والحسن البصري وغيرهم ، وبه قال الأوزاعي وإسحاق . وروى أبو داود والدارقطني عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال : لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ، يعني في أم الولد ، لفظ أبي داود . وقال الدارقطني : موقوف . وهو الصواب ، وهو مرسل ؛ لأن قبيصة لم يسمع من عمرو . قال ابن المنذر : وضعف أحمد وأبو عبيد هذا الحديث . وروي عن علي وابن مسعود أن عدتها ثلاث حيض ، وهو قول عطاء وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأصحاب الرأي ، قالوا : لأنها عدة تجب في حال الحرية ، فوجب أن تكون عدة كاملة ، أصله عدة الحرة . وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور : عدتها حيضة ، وهو قول ابن عمر . وروي عن طاوس أن عدتها نصف عدة الحرة المتوفى عنها ؛ وبه قال قتادة . قال ابن المنذر : وبقول ابن عمر أقول ؛ لأنه الأقل مما قيل فيه وليس فيه سنة تتبع ولا إجماع يعتمد عليه . وذكر اختلافهم في عدتها في العتق كهو في الوفاة سواء ، إلا أن الأوزاعي جعل عدتها في العتق ثلاث حيض .

قلت : أصح هذه الأقوال قول مالك ، لأن الله سبحانه قال : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " [ البقرة : 228 ] فشرط في تربص الأقراء أن يكون عن طلاق ، فانتفى بذلك أن يكون عن غيره . وقال : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " فعلق وجوب ذلك بكون المتربصة زوجة ، فدل على أن الأمة بخلافها . وأيضا فإن هذه أمة موطوءة بملك اليمين فكان استبراؤها بحيضة ، أصل ذلك الأمة .

الثانية والعشرون : إذا ثبت هذا فهل عدة أم الولد استبراء محض أو عدة ؟ فالذي ذكره أبو محمد في معونته أن الحيضة استبراء وليست بعدة . وفي المدونة أن أم الولد عليها العدة ، وأن عدتها حيضة كعدة الحرة ثلاث حيض . وفائدة الخلاف أنا إذا قلنا هي عدة فقد قال مالك : لا أحب أن تواعد أحدا ينكحها حتى تحيض حيضة . قال ابن القاسم : وبلغني عنه أنه قال : لا تبيت إلا في بيتها ، فأثبت لمدة استبرائها حكم العدة .

الثالثة والعشرون : أجمع أهل العلم على أن نفقة المطلقة ثلاثا أو مطلقة للزوج عليها رجعة وهي حامل واجبة ؛ لقوله تعالى : " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " {[2182]} [ الطلاق : 6 ] .

واختلفوا في وجوب نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها ، فقالت طائفة : لا نفقة لها ، كذلك قال جابر بن عبدالله وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة وعبدالملك بن يعلى ويحيى الأنصاري وربيعة ومالك وأحمد وإسحاق ، وحكى أبو عبيد ذلك عن أصحاب الرأي . وفيه قول ثان وهو أن لها النفقة من جميع المال ، وروي هذا القول عن علي وعبدالله وبه قال ابن عمرو وشريح وابن سيرين والشعبي وأبو العالية والنخعي وجلاس بن عمرو وحماد بن أبي سليمان وأيوب السختياني وسفيان الثوري وأبو عبيد . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ؛ لأنهم أجمعوا على أن نفقة كل من كان يجبر على نفقته وهو حي مثل أولاده الأطفال وزوجته{[2183]} ووالديه تسقط عنه ، فكذلك تسقط عنه نفقة الحامل من أزواجه . وقال القاضي أبو محمد : لأن نفقة الحمل ليست بدين ثابت فتتعلق بماله بعد موته ، بدليل أنها تسقط عنه بالإعسار فبأن تسقط بالموت أولى وأحرى .

الرابعة والعشرون : قوله تعالى : " أربعة أشهر وعشرا " اختلف العلماء في الأربعة الأشهر والعشر التي جعلها الله ميقاتا لعدة المتوفى عنها زوجها ، هل تحتاج فيها إلى حيضة أم لا ؟ فقال بعضهم : لا تبرأ إذا كانت ممن توطأ إلا بحيضة تأتي بها في الأربعة الأشهر والعشر ، وإلا فهي مسترابة . وقال آخرون : ليس عليها أكثر من أربعة أشهر وعشر ، إلا أن تستريب نفسها ريبة بينة ؛ لأن هذه المدة لا بد فيها من الحيض في الأغلب من أمر النساء إلا أن تكون المرأة ممن لا تحيض أو ممن عرفت من نفسها أو عرف منها أن حيضتها لا تأتيها إلا في أكثر من هذه المدة .

قوله تعالى : " وعشرا " روى وكيع عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية أنه سئل : لم ضمت العشر إلى الأربعة الأشهر ؟ قال : لأن الروح تنفخ فيها ، وسيأتي في الحج بيان هذا إن شاء الله تعالى{[2184]} . وقال الأصمعي : ويقال إن ولد كل حامل يرتكض في نصف حملها فهي مركض . وقال غيره : أركضت فهي مركضة وأنشد :

ومُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أبوها *** تهان لها الغلامةٌ والغلامُ{[2185]}

وقال الخطابي : قوله " وعشرا " يريد - والله أعلم - الأيام بلياليها . وقال المبرد : إنما أنث العشر لأن المراد به المدة . المعنى وعشر مدد ، كل مدة من يوم وليلة ، فالليلة مع يومها مدة معلومة من الدهر . وقيل : لم يقل عشرة تغليبا لحكم الليالي إذ الليلة أسبق من اليوم والأيام في ضمنها . " وعشرا " أخف في اللفظ ، فتغلب الليالي على الأيام إذا اجتمعت في التاريخ ؛ لأن ابتداء الشهور بالليل عند الاستهلال ، فلما كان أول الشهر الليلة غلب الليلة . تقول : صمنا خمسا من الشهر ، فتغلب الليالي وإن كان الصوم بالنهار . وذهب مالك والشافعي والكوفيون إلى أن المراد بها الأيام والليالي . قال ابن المنذر : فلو عقد عاقد عليها النكاح على هذا القول وقد مضت أربعة أشهر وعشر ليالي كان باطلا حتى يمضي اليوم العاشر . وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليالي حلت للأزواج ، وذلك لأنه رأى العدة مبهمة فغلب التأنيث وتأولها على الليالي . وإلى هذا ذهب الأوزاعي من الفقهاء وأبو بكر الأصم من المتكلمين . وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أربعة أشهر وعشر ليال " .

قوله تعالى : " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير "

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : أضاف تعالى الأجل إليهن إذ هو محدود مضروب في أمرهن ، وهو عبارة عن انقضاء العدة .

الثانية : قوله تعالى : " فلا جناح عليكم " خطاب لجميع الناس ، والتلبس بهذا الحكم هو للحكام والأولياء . " فيما فعلن " يريد به التزوج فما دونه من التزين واطراح الإحداد . " بالمعروف " أي بما أذن فيه الشرع من اختيار أعيان الأزواج وتقدير الصداق دون مباشرة العقد ؛ لأنه حق للأولياء كما تقدم .

الثالثة : وفي هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرج والتشوف للزوج في زمان العدة . وفيها رد على إسحاق في قوله : إن المطلقة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأول ، إلا أنه لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل . وعن شريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة ، قال الله تعالى : " فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن " وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدة بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلا ، فإذا انقضت عدتها حلت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك . والحديث{[2186]} عن ابن عباس لو صح يحتمل أن يكون منه على الاستحباب ، والله أعلم .


[2163]:- راجع جـ12 ص 95.
[2164]:- راجع جـ18 ص 162.
[2165]:- في هـ: برهة من الزمان.
[2166]:- راجع جـ5 ص 351.
[2167]:- في هـ: أن ابن عباس.
[2168]:- قال ابن الأثير: ويروى "تعالت" أي ارتفعت وطهرت، ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ أي خرجت من نفاسها وسلمت. مسلم جـ4 ص 201.
[2169]:- في الأصول: "وهب" والتصويب عن شرح الموطأ وتهذيب التهذيب.
[2170]:- في ب: أخبرنا.
[2171]:- في ب.
[2172]:- في ب وهـ: أخبرنا.
[2173]:- في هـ و ب: أخبرنا.
[2174]:- في هـ.
[2175]:- العصب (بفتح العين وسكون الصاد المهملتين): من برود اليمن يعصب غزلها، أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج مصبوغا فيخرج موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض ولم ينصبغ: وإنما يعصب السدى دون اللحمة.
[2176]:- النبذة: الشيء اليسير، القسط والأظفار: نوعان من البخور، نبذة منصوب على الاستثناء تقدم عليه الظرف (شرح مسلم).
[2177]:- في هـ: يومه أو ليله.
[2178]:- تسلبي: البسي ثياب الحداد السود، وهي السلاب (ككتاب).
[2179]:- في ز: انقصت.
[2180]:- الزيادة عن الباجي.
[2181]:- هذه عبارة ابن العربي كما وردت في أحكام القرآن. وقد وردت مضطربة في الأصول.
[2182]:- راجع جـ18 ص 166.
[2183]:- في ب وهـ: زوجاته.
[2184]:- راع جـ12 ص 6 فما بعد.
[2185]:- البيت لأوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسا. والصريحي: نسبة إلى الصريح وهو فحل من خيل العرب معروف. (عن اللسان).
[2186]:- يشير إلى ما مضى عن ابن عباس من أن المرأة إذا طعنت في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج، وهذا قول إسحاق المتقدم وهو ضعيف راجع ص 117 س 16 من هذا الجزء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ} (234)

قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير ) . التربص معناه الانتظار والتصبر عن النكاح مع عدم مبارحة بيت الزوجية ليلا .

والمعنى أن الأزواج الذين يموتون ولهم زوجات على قيد الحياة فإن عليهن أن يعتددن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام . حتى إذا تمت عدتهن هذه أبيح لهن بعد ذلك أن يتزين للنكاح إن أردن .

ويشمل هذا الحكم جميع الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن ، فإن عليهن جميعا أن يعتددن المدة المبينة استنادا إلى عموم الآية الكريم التي لم تفرق بين مدخول بها وغير مدخول بها ، فضلا عما ورد في ذلك من دليل السنة ، فقد ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن امرأة قالت : يا رسول الله ! إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها ؟ قال : " لا " مرتين أو ثلاثا ثم قال : " إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة " .

أما المرأة المطلقة تكون حاملا فإن تمام عدتها بوضع حملها بغير خلاف ؛ لقوله تعال : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) .

لكن الخلاف في الحامل المتوفى عنها زوجها . فكيف تتم عدتها ؟ فثمة قولان في هذه المسألة :

أولهما : أن الحامل المتوفى عنها زوجها تتم عدتها بوضع حملها . وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء . واحتجوا لذلك بما ثبت في الصحيحين عن سبيعة الأسلمية أنها سألت رسول الله ( ص ) عن ذلك- وهو أنها نفست بعد وفاة زوجها بليال- قالت : فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي . وكذلك يستدل لهذا القول بالآية الكريمة : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فإن هذه الآية محمولة في عمومها على الحوامل المطلقات والحوامل المتوفى عنهن أزواجهن .

ثانيهما : أن تمام عدّتها إنما يتحدد بآخر الأجلين . وهو قول علي بن أبي طالب وابن عباس ، وهما في ذلك يبغيان الجمع بين قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) وقوله تعالى : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فإذا مكثت المرأة حتى أقصى الأجلين تكون قد عملت بمقتضى الآيتين . أما إن اعتدّت بوضع الحمل فذلك يعني أنها تركت العمل بآية عدة الوفاة . ومعلوم أن الجمع بين النصوص المتعارضة أولى من الترجيح بينها .

ذلك الذي ذهب إليه علي وابن عباس ، لكنه معارض بقول الجمهور وما استندوا إليه من دليل ، وهو الذي نعتبره راجحا والله أعلم .

ويستفاد من قوله تعالى : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها . فقد ثبت في الصحيحين أن الرسول ( ص ) قال : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ عل ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " على أن المراد بالإحداد ترك الزينة مثل الطيب والاكتحال ولبس المعصفر أو المصبوغ من الثياب الذي يلبس للزينة . ولا بأس في المصبوغ بالأسود ؛ لأنه لباس الحزن إلا أن يكون زينة قوم فتجتنبه ؛ لما فيه من ترغيب فيها للخاطبين ، فإذا انقضت مدة الإحداد جاز لها أن تتزين بكل مظاهر الزينة في حدود الشرع مادمت راغبة في النكاح ، وذلك هو المعروف الوارد في الآية{[321]} .


[321]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 284- 286 وتفسير الطبري جـ 2 ص 318.