الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قل ما يعبؤا بكم} يقول: ما يفعل بكم {ربي لولا دعاؤكم} يقول: لولا عبادتكم {فقد كذبتم} النبي صلى الله عليه وسلم، يعد كفار مكة {فسوف يكون لزاما} يلزمكم العذاب ببدر، فقتلوا وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجل الله تعالى بأرواحهم إلى النار، فيعرضون عليها طرفي النهار.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ ربّي" يقول جلّ ثناؤه لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: أيّ شيء يَعُدّكم، وأيّ شيء يصنع بكم ربي؟ يقال منه: عبأت به أعبأ عبئا، وعبأت الطيب أعبؤه: إذا هيأته...

وقوله: "لَوْلا دُعاؤُكُمْ "يقول: لولا عبادة من يعبده منكم، وطاعة من يطيعه منكم... عن مجاهد، قوله "لَوْلا دُعاؤُكُمْ" قال: لولا دعاؤكم إياه لتعبدوه وتطيعوه.

وقوله: "فَقَدْ كَذّبْتُمْ" يقول تعالى ذكره لمشركي قريش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد كذّبتم أيها القوم رسولكم الذي أرسل إليكم وخالفتم أمر ربكم الذي أمر بالتمسك به، لو تمسكتم به، كان يعبأ بكم ربي، فسوف يكون تكذيبكم رسول ربكم وخلافكم أمر بارئكم عذابا لكم ملازما، قتلاً بالسيوف وهلاكا لكم مفنيا يلحق بعضكم بعضا... ففعل الله ذلك بهم، وصدقهم وعده، وقتلهم يوم بدر بأيدي أوليائه، وألحق بعضهم ببعض، فكان ذلك العذاب اللزام...

وقال آخرون: معنى اللزام: القتال... عن ابن عباس "فَسَوْفَ يكُونُ لِزَاما" قال: موتا.

وقال بعض أهل العلم بكلام العرب: معنى ذلك: فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شرّ.

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

أحسن الأقاويل فيه أن معناه: ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤكم أي: لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد، وهي في معنى قوله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم)... (فقد كذبتم) أي: كذبتم أيها الكافرون، ومعناه: قد دعوتكم إلى الإيمان فلم تؤمنوا. وقوله: (فسوف يكون إلزاما) وعيد معناه: سوف يكون العذاب لزاما.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

لما وصف عبادة العباد، وعدّد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها، ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة: أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث لأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم، لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن يصرّح للناس، ويجزم لهم القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو للعبادة وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتدّ بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به...

والدعاء: العبادة...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يخاطب بذلك... و {ما} تحتمل النفي وتحتمل التقرير والكلام في نفسه يحتمل تأويلات أحدها أن تكون الآية إلى قوله {لولا دعاؤكم} خطاباً لجميع الناس... ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، والثاني أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة أي {ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} الأصنام آلهة دونه فإن ذلك يوجب تعذيبكم،...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

فاعلم أنه سبحانه لما شرح صفات المتقين، وشرح حال ثوابهم أمر رسوله أن يقول: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} فدل بذلك على أنه تعالى غني عن عبادتهم، وأنه تعالى إنما كلفهم لينتفعوا بطاعتهم... ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما ثبت أمر الرحمانية، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن، وعن الاعتراف والإيمان، ليرجعوا عن العصيان، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان: إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم، فقال: {قل ما يعبأ} أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن -على أن "ما "نافية {بكم} أي أيها الكافرون {ربي} أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته، المخصص لي بالإحسان برحيميته، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم {لولا دعاؤكم} أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار {فقد كذبتم} أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها، بسب أنكم قد كذبتم، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لأنكم قد كذبتم، فكنتم شراً من البهائم، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب،

والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء، لأنكم مكذبون، وإنما قلت: "الآن" لأن "ما" لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس "لا" {فسوف} أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم، بل {يكون} جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال، وكل بعيد عندكم قريب عنده، وكل آتٍ قريب، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم {لزاماً} أي لازماً لكم لزوماً عظيماً لا انفكاك له عنكم بحال، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم، وذلهم وقهرهم، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان، لمن أنكر حقيقة الرحمن- والله ولي التوفيق بالإيمان...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والآن وقد صور عباد الرحمن. تلك الخلاصة الصافية للبشرية. يختم السورة بهوان البشرية على الله لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء. فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام. (قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما).. وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها؛ ومساقها للتسرية عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم، وتطاولهم عليه، وهم يعرفون مقامه؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون.. فما قومه؟ وما هذه البشرية كلها، لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله. وتتضرع إليه. كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون؟ من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل. والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض. والأمة واحدة من أمم هذه الأرض. والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا الله؟ وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا؛ ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه! وهو هين هين، ضعيف ضعيف، قاصر قاصر. إلا أن يتصل بالله فيستمد منه القوة والرشاد، وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان الله؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان. فضلا من الله الذي كرم هذا الإنسان وأسجد له الملائكة، ليعرفه ويتصل به ويتعبد له، فيحفظ بذلك خصائصه التي سجدت له معها الملائكة؛ وإلا فهو لقي ضائع، لو وضع نوعه كله في الميزان ما رجحت به كفة الميزان! (قل: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم).. وفي التعبير سند للرسول [صلى الله عليه وسلم] وإعزاز: (قل: ما يعبأ بكم ربي). فأنا في جواره وحماه. هو ربي وأنا عبده. فما أنتم بغير الإيمان به، والانضمام إلى عباده؟ إنكم حصب جهنم (فقد كذبتم فسوف يكون لزاما).

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن، وما تضمنته من توحيد الله، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعلّلاتهم، وأحوال المؤمنين، وأقيمت الحجج الدامغة للمعْرضين، ختمت بأمر الله رسولَه عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يُزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شَفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتورّكهم في مجادلته؛ فبيّن لهم حقارتهم عند الله تعالى وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمةً منه بهم لإصلاح حالهم وقطعاً لعذرهم فإذْ كذّبوا فسوف يحلّ بهم العذاب.

و {ما} من قوله: {ما يعبؤا بكم} نافية. وتركيب: ما يعبأ به، يدل على التحقير، وضده عَبأ به يفيد الحفَاوة.

ومعنى {ما يعبأ}: ما يبالي وما يهتمّ، وهو مضارع عَبَأ مثل: ملأ يَملأ مشتقّ من العِبء بكسر العين وهو الحِمل بكسر الحاء وسكون الميم، أي الشيء الثقيل الذي يحمل على البعير ولذلك يطلق العِبء على العِدْل بكسر فسكون، ثم تشعبت عن هذا إطلاقات كثيرة. فأصل {ما يعبأ}: ما يحْمِل عِبئاً، تمثيلاً بحالة المُتعَب من الشيء، فصار المقصود: ما يهتمّ وما يكترث، وهو كناية عن قلة العناية.

والباء فيه للسببية، أي بسببكم وهو على حذف مضاف يدل عليه مقام الكلام. فالتقدير هنا: ما يعبأ بخطابكم.

والدعاء: الدعوة إلى شيء، وهو هنا مضاف إلى مفعوله، والفاعل يدل عليه {ربّي} أي لولا دعاؤه إياكم، أي لولا أنه يدعوكم. وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله: {فقد كذبتم}، أي الداعي وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام. والمعنى: أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم. وهذا كقوله تعالى: {وما خلقت الجنّ والإنس إلا لِيَعْبُدون ما أُريد منهم مِن رزق وما أُريد أن يُطْعِمُون} [الذاريات: 56، 57].

وضمير الخطاب في قوله: {دعاؤكم} موجّه إلى المشركين بدليل تفريع {فقد كَذّبتم} عليه وهو تهديد لهم، أي فقد كذبتم الداعي وهو الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى، ويؤيده قول مجاهد والكلبي والفراء. وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجهاً إلى المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتمادُ المعنى الصحيح فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها.

وتفريع {فقد كذبتم} على قوله: {لولا دعاؤكم}، والتقدير: فقد دعاكم إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه.

والضمير في {يكون} عائد إلى التكذيب المأخوذ من {كذبتم}، أي سوف يكون تكذيبهم لزاماً لكم، أي لازماً لكم لا انفكاك لكم منه. وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديداً مهولاً بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني: قد فعلتَ كذا فسوف تتحمل ما فعلت.

ودخل في هذا الوعيد ما يحلّ بهم في الدنيا من قتل وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب.

واللِّزام: مصدر لازم، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم، أي عدم المفارقة، قال تعالى: {ولولا كلمة سبقت من ربّك لكان لزاماً} في سورة طه (129). والضميرُ المستتر في (كان) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله: {ولعذَاب الآخرة أشدّ وأبقَى} [طه: 127]، فالإخبار باللزام من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة. وقد اجتمع فيه مبالغتان: مبالغة في صيغته تفيد قوة لزومه، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف.

وعن ابن مسعود وأُبَيّ بن كعب: اللِّزام: عذاب يوم بَدر. ومرادهما بذلك أنه جزئيّ من جزئيات اللِّزام الموعود لهم. ولعلّ ذلك شاع حتى صار اللزام كالعَلم بالغلبة على يوم بدر. وفي الصحيح عن ابن مسعود: خمس قد مضَين: الدخان والقمر، والروم، والبطشة، واللزام، يعني أن اللِّزام غير عذاب الآخرة.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ثم ينهي الحق سبحانه سورة الفرقان بقوله تعالى:

{قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما}

بعد أن تحدث الحق –تبارك وتعالى- عن عباد الرحمن، وذكر أوصافهم وجزاءهم توجه إلى الآخرين الذين لم يتصفوا بهذه الصفات، ولن ينالهم شيء من هذا النعيم، يقول لهم: إياكم أن تظنوا أن الله تعالى سيبالي بكم، أو يهتم، أو يكون في معونتكم؛ لأن الله تعالى لا يبالي إلا بعباده الذين عبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وأنتم خالفتم الأصل الأصيل من إيجاد الخلق، ولم تحققوا معنى الاستخلاف في الأرض الذي خلقكم الله تعالى من أجله.

فكما أنكم انصرفتم عن منهج الله ولم تعبئوا به ولم تعبدوه، ولم يكن على بالكم، فكذلك لا يعبأ الله بكم، ولن تكونوا على ذكر منه سبحانه، وسوف يهملكم.

وقوله تعالى: {لولا دعاؤكم} يعني: لولا عبادتكم، حيث إنها لم تقع {فقد كذبتم} أي: بالأصل الأصيل، وهو أنكم مخلوقون للعبادة {فسوف يكون لزاما} كما لازمتم أنتم الكفر بي ولم تعبدوني وأصررتم على الكفر، كذلك يكون الجزاء من جنس العمل لزاما لكم، فلا يفارقكم أبدا.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

قوله تعالى : " قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم " هذه آية مشكلة تعلقت بها الملحدة . يقال : ما عبأت بفلان أي ما باليت به ؛ أي ما كان له عندي وزن ولا قدر . وأصل يعبأ من العبء وهو الثقل . وقول الشاعر{[12181]} :

كأن بصدره وبجانبيه *** عبيرا بات يَعْبُؤُهُ عَرُوسُ

أي يجعل بعضه على بعض . فالعبء الحمل الثقيل ، والجمع أعباء . والعبء المصدر . وما استفهامية ، ظهر في أثناء كلام الزجاج ، وصرح به الفراء . وليس يبعد أن تكون نافية ؛ لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفي خرج مخرج الاستفهام ؛ كما قال تعالى : " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " [ الرحمن : 60 ] قال ابن الشجري : وحقيقة القول عندي أن موضع " ما " نصب ، والتقدير : أي عبء يعبأ بكم ؛ أي أي مبالاة يبالي ربي بكم لولا دعاؤكم ، أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه ، فالمصدر الذي هو الدعاء على هذا القول مضاف إلى مفعوله ، وهو اختصار الفراء . وفاعله محذوف وجوابه لولا محذوف كما حذف في قوله : " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " [ الرعد : 31 ] تقديره : لم يعبأ بكم . ودليل هذا القول قوله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " [ الذاريات : 56 ] فالخطاب لجميع الناس ، فكأنه قال لقريش منهم : أي ما يبال الله بكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت ، وذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله . ويؤيد هذا قراءة ابن الزبير وغيره . " فقد كذب الكافرون " فالخطاب بما يعبأ لجميع الناس ، ثم يقول لقريش : فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون التكذيب هو سبب العذاب لزاما . وقال النقاش وغيره : المعنى ، لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك . بيانه : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين " [ العنكبوت : 65 ] ونحو هذا . وقيل : " ما يعبأ بكم " أي بمغفرة ذنوبكم ولا هو عنده عظيم " لولا دعاؤكم " معه الآلهة والشركاء . بيانه : " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " [ النساء : 147 ] . قال الضحاك . وقال الوليد بن أبي الوليد : بلغني فيها أي ما خلقتكم ولي حاجة إليكم إلا تسألوني فأغفر لكم وأعطيكم . وروى وهب بن منبه أنه كان في التوراة : " يا ابن آدم وعزتي ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلا من كل شيء فأنا خير لك من كل شيء " . قال ابن جني : قرأ ابن الزبير وابن عباس " فقد كذب الكافرون " . قال الزهراوي والنحاس : وهي قراءة ابن مسعود وهي على التفسير ؛ للتاء والميم في " كذبتم " . وذهب القتبي والفارسي إلى أن الدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف . الأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه ، وجواب " لولا " محذوف تقديره في هذا الوجه : لم يعذبكم . ونظير قوله : لولا دعاؤكم آلهة قوله : " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " [ الأعراف : 194 ] . " فقد كذبتم " أي كذبتم بما دعيتم إليه ، هذا على القول الأول ، وكذبتم بتوحيد الله على الثاني . " فسوف يكون لزاما " أي يكون تكذيبكم ملازما لكم . والمعنى : فسوف يكون جزاء التكذيب كما قال : " ووجدوا ما عملوا حاضرا " [ الكهف : 49 ] أي جزاء ما عملوا وقوله : " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " [ الأنعام : 30 ] أي جزاء ما كنتم تكفرون . وحسن إضمار التكذيب لتقدم ذكر فعله ؛ لأنك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره ، كما قال : " ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم " [ آل عمران : 110 ] أي لكان الإيمان . وقوله : " وإن تشكروا يرضه لكم " [ الزمر : 7 ] أي يرضى الشكر . ومثله كثير . وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر ، وهو قول عبد الله ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم . وفي صحيح مسلم عن عبدالله : وقد مضت البطشة والدخان واللزام . وسيأتي مبينا في سورة " الدخان " إن شاء الله تعالى . وقالت فرقة : هو توعد بعذاب الآخرة . وعن ابن مسعود أيضا : اللزام التكذيب نفسه ، أي لا يعطون التوبة منه ؛ ذكره الزهراوي ، فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي يلزمونه . وقال أبو عبيدة : لزاما فيصلا أي فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين . والجمهور من القراء على كسر اللام ، وأنشد أبو عبيدة لصخر :

فإما يَنْجُوَا من خسفِ أرض *** فقد لقيا حُتُوفَهُمَا لزامَا

ولزاما وملازمة واحد . وقال الطبري : " لزاما " يعني عذابا دائما لازما ، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض ؛ كقول أبي ذؤيب :

ففاجأه بعاديةٍ{[12182]} لزام *** كما يتفجر الحوض اللَّقِيفُ

يعني باللزام الذي يتبع بعضه بعضا ، وباللقيف المتساقط الحجارة المتهدم . النحاس : وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال سمعت قعنبا أبا السمال يقرأ : " لزاما " بفتح اللام . قال أبو جعفر : يكون مصدر لزم والكسر أولى ، يكون مثل قتال ومقاتلة ، كما أجمعوا على الكسر في قوله عز وجل : " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " [ طه : 129 ] . قال غيره : اللزام بالكسر مصدر لازم لزاما مثل خاصم خصاما ، واللزام بالفتح مصدر لزم مثل سلم سلاما أي سلامة ، فاللزام بالفتح اللزوم ، واللزام الملازمة ، والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل . فاللزام وقع موقع ملازم ، واللزام وقع موقع لازم . كما قال تعالى : " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا " [ الملك : 30 ] أي غائرا . قال النحاس : وللفراء قول في اسم يكون . قال : يكون مجهولا وهذا غلط ؛ لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة ، كما قال تعالى : " إنه من يتق ويصبر " [ يوسف : 90 ] وكما حكى النحويون كان زيد منطلق يكون في كان مجهول ويكون المبتدأ وخبره خبر المجهول ، التقدير : كان الحديث ، فأما أن يقال كان منطلقا ، ويكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه . وبالله التوفيق وهو المستعان والحمد لله رب العالمين .


[12181]:هو أبو زبيد يصف أسدا، كما في اللسان مادة "عبأ". ورواه هكذا: كأن بنحره وبمنكبيه *** عبيرا بات يعبؤه عروس
[12182]:العادية: القوم يعدون على أرجلهم، أي فحملتهم لزام كأنهم لزموه لا يفارقون ما هم فيه. وشبه حملتهم بتهدم الحوض إذا تهدم. ويروى: * فلم ير غير عادية لزاما*
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

قوله : ( قل ما يبعؤا بكم ربي لولا دعاؤكم ) ( يبعؤا ) ، يبالي . ما عبأ به ؛ أي ما بالى به . وهو من العبء وهو الثقل{[3362]} ، و ( ما ) ، نافية . أي لا يبالي الله ولا يكترث بكم لولا عبادتكم إياه . فهم بذلك لولا عبادتهم لله ، لم يعتدّ بهم الله البتة ، ولم يساووا عنده شيئا . والدعاء ، بمعنى العبادة . وقيل : ( ما ) ، للاستفهام . فيكون المعنى : أي وزن يكون لكم عند ربكم لولا عبادتكم إياه . فأنتم لا تستأهلون شيئا من التكريم لولا عبادتكم .

قوله : ( فقد كذبت فسوف يكون لزاما ) الخطاب لمشركي قريش ؛ أي كذبتم رسولكم الذي جاءكم بالحق وخالفتم ما أمركم به الله على لسان رسوله الأمين وفي آياته البينات . فسوف يكون تكذيبكم هذا هلاكا ملازما لكم في الدنيا والآخرة{[3363]} .


[3362]:- مختار الصحاح ص 407.
[3363]:- تفسير الطبري جـ 19 ص 34- 36 والكشاف جـ 3 ص 103 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 3 ص 1419.