الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا} (77)

قوله تعالى : " قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم " هذه آية مشكلة تعلقت بها الملحدة . يقال : ما عبأت بفلان أي ما باليت به ؛ أي ما كان له عندي وزن ولا قدر . وأصل يعبأ من العبء وهو الثقل . وقول الشاعر{[12181]} :

كأن بصدره وبجانبيه *** عبيرا بات يَعْبُؤُهُ عَرُوسُ

أي يجعل بعضه على بعض . فالعبء الحمل الثقيل ، والجمع أعباء . والعبء المصدر . وما استفهامية ، ظهر في أثناء كلام الزجاج ، وصرح به الفراء . وليس يبعد أن تكون نافية ؛ لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفي خرج مخرج الاستفهام ؛ كما قال تعالى : " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " [ الرحمن : 60 ] قال ابن الشجري : وحقيقة القول عندي أن موضع " ما " نصب ، والتقدير : أي عبء يعبأ بكم ؛ أي أي مبالاة يبالي ربي بكم لولا دعاؤكم ، أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه ، فالمصدر الذي هو الدعاء على هذا القول مضاف إلى مفعوله ، وهو اختصار الفراء . وفاعله محذوف وجوابه لولا محذوف كما حذف في قوله : " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " [ الرعد : 31 ] تقديره : لم يعبأ بكم . ودليل هذا القول قوله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " [ الذاريات : 56 ] فالخطاب لجميع الناس ، فكأنه قال لقريش منهم : أي ما يبال الله بكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت ، وذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله . ويؤيد هذا قراءة ابن الزبير وغيره . " فقد كذب الكافرون " فالخطاب بما يعبأ لجميع الناس ، ثم يقول لقريش : فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون التكذيب هو سبب العذاب لزاما . وقال النقاش وغيره : المعنى ، لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك . بيانه : " فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين " [ العنكبوت : 65 ] ونحو هذا . وقيل : " ما يعبأ بكم " أي بمغفرة ذنوبكم ولا هو عنده عظيم " لولا دعاؤكم " معه الآلهة والشركاء . بيانه : " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " [ النساء : 147 ] . قال الضحاك . وقال الوليد بن أبي الوليد : بلغني فيها أي ما خلقتكم ولي حاجة إليكم إلا تسألوني فأغفر لكم وأعطيكم . وروى وهب بن منبه أنه كان في التوراة : " يا ابن آدم وعزتي ما خلقتك لأربح عليك إنما خلقتك لتربح علي فاتخذني بدلا من كل شيء فأنا خير لك من كل شيء " . قال ابن جني : قرأ ابن الزبير وابن عباس " فقد كذب الكافرون " . قال الزهراوي والنحاس : وهي قراءة ابن مسعود وهي على التفسير ؛ للتاء والميم في " كذبتم " . وذهب القتبي والفارسي إلى أن الدعاء مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف . الأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه ، وجواب " لولا " محذوف تقديره في هذا الوجه : لم يعذبكم . ونظير قوله : لولا دعاؤكم آلهة قوله : " إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم " [ الأعراف : 194 ] . " فقد كذبتم " أي كذبتم بما دعيتم إليه ، هذا على القول الأول ، وكذبتم بتوحيد الله على الثاني . " فسوف يكون لزاما " أي يكون تكذيبكم ملازما لكم . والمعنى : فسوف يكون جزاء التكذيب كما قال : " ووجدوا ما عملوا حاضرا " [ الكهف : 49 ] أي جزاء ما عملوا وقوله : " فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " [ الأنعام : 30 ] أي جزاء ما كنتم تكفرون . وحسن إضمار التكذيب لتقدم ذكر فعله ؛ لأنك إذا ذكرت الفعل دل بلفظه على مصدره ، كما قال : " ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم " [ آل عمران : 110 ] أي لكان الإيمان . وقوله : " وإن تشكروا يرضه لكم " [ الزمر : 7 ] أي يرضى الشكر . ومثله كثير . وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر ، وهو قول عبد الله ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم . وفي صحيح مسلم عن عبدالله : وقد مضت البطشة والدخان واللزام . وسيأتي مبينا في سورة " الدخان " إن شاء الله تعالى . وقالت فرقة : هو توعد بعذاب الآخرة . وعن ابن مسعود أيضا : اللزام التكذيب نفسه ، أي لا يعطون التوبة منه ؛ ذكره الزهراوي ، فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي يلزمونه . وقال أبو عبيدة : لزاما فيصلا أي فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين . والجمهور من القراء على كسر اللام ، وأنشد أبو عبيدة لصخر :

فإما يَنْجُوَا من خسفِ أرض *** فقد لقيا حُتُوفَهُمَا لزامَا

ولزاما وملازمة واحد . وقال الطبري : " لزاما " يعني عذابا دائما لازما ، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض ؛ كقول أبي ذؤيب :

ففاجأه بعاديةٍ{[12182]} لزام *** كما يتفجر الحوض اللَّقِيفُ

يعني باللزام الذي يتبع بعضه بعضا ، وباللقيف المتساقط الحجارة المتهدم . النحاس : وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال سمعت قعنبا أبا السمال يقرأ : " لزاما " بفتح اللام . قال أبو جعفر : يكون مصدر لزم والكسر أولى ، يكون مثل قتال ومقاتلة ، كما أجمعوا على الكسر في قوله عز وجل : " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " [ طه : 129 ] . قال غيره : اللزام بالكسر مصدر لازم لزاما مثل خاصم خصاما ، واللزام بالفتح مصدر لزم مثل سلم سلاما أي سلامة ، فاللزام بالفتح اللزوم ، واللزام الملازمة ، والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل . فاللزام وقع موقع ملازم ، واللزام وقع موقع لازم . كما قال تعالى : " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا " [ الملك : 30 ] أي غائرا . قال النحاس : وللفراء قول في اسم يكون . قال : يكون مجهولا وهذا غلط ؛ لأن المجهول لا يكون خبره إلا جملة ، كما قال تعالى : " إنه من يتق ويصبر " [ يوسف : 90 ] وكما حكى النحويون كان زيد منطلق يكون في كان مجهول ويكون المبتدأ وخبره خبر المجهول ، التقدير : كان الحديث ، فأما أن يقال كان منطلقا ، ويكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد علمناه . وبالله التوفيق وهو المستعان والحمد لله رب العالمين .


[12181]:هو أبو زبيد يصف أسدا، كما في اللسان مادة "عبأ". ورواه هكذا: كأن بنحره وبمنكبيه *** عبيرا بات يعبؤه عروس
[12182]:العادية: القوم يعدون على أرجلهم، أي فحملتهم لزام كأنهم لزموه لا يفارقون ما هم فيه. وشبه حملتهم بتهدم الحوض إذا تهدم. ويروى: * فلم ير غير عادية لزاما*