تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وإن خفتم}: علمتم، {شقاق بينهما}: خلاف بينهما، ولم يتفقا ولم يدر من قبل من منهما النشوز؛ من قبل الرجل أو من قبل المرأة؟ {فابعثوا}، يعني الحاكم، يقول للحاكم: فابعثوا {حكما من أهله وحكما من أهلها}، فينظرون في أمرهما في النصيحة لهما، إن كان من قبل النفقة أو إضرار وعظا الرجل، وإن كان من قبلها وعظاها، لعل الله أن يصلح على أيديهما، فذلك قوله عز وجل: {إن يريدا إصلاحا}، يعني الحكمين، {يوفق الله بينهما} للصلح، فإن لم يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما في دينهما، فرق الحكمان بينهما برضاهما.
{إن الله كان عليما} بحكمهما {خبيرا} بنصيحتهما في دينهما...
{وإن خفتم شقاق بينهما} [النساء: 35].
- ابن العربي: قال مالك: المخاطب- قد يكون السلطان، وقد يكون الوليين إذا كان الزوجان محجورين. {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35].
- يحيى: عن مالك، أنه بلغه أن علي بن أبي طالب قال في الحكمين اللذين قال الله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا}. إن إليهما الفرقة بينهما، والاجتماع. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت من أهل العلم، أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل وامرأته، في الفرقة والاجتماع...
{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}: الله أعلم بما أراد من خوف الشقاق الذي إذا بلغاه أمره أن يبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، [والذي يشبه ظاهر الآية فما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما الآية. وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج أن يصطلحا، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما أن لا يقيما حدود الله بالخلع، ودلت السنة أن ذلك برضى من المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن الشقاق بينه بالحكمين دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج غيرهما، وكان يعرفهما بإباية الأزواج أن يشتبه حالاهما في الشقاق، فلا يفعل الرجل الصلح ولا الفرقة، ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية، أو تكون الفدية لا تجوز من قبل مجاوزة الرجل ماله من أدب المرأة وتباين حالهما في الشقاق، والتباين] هو ما يصيران فيه من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن، ويمتنع كل واحد منهما من الرجعة، ويتماديان فيما ليس لهما، ولا يعطيان حقا، ولا يتطوعان ولا واحد منهما بأمر يصيران به في معنى الأزواج غيرهما، فإذا كان هكذا بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمان إلا مأمونين وبرضى الزوجين، ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك.
عن علي في هذه الآية: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنَ اَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنَ اَهْلِهَآ} ثم قال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي رضي الله عنه كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به... فقول علي رضي الله عنه يدل على ما وصفت، من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضى المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة.
فإن قال قائل: ما دل على ذلك؟ قلنا: لو كان الحكم إلى علي رضي الله عنه دون الرجل والمرأة بعث هو حكمين ولم يقل ابعثوا حكمين. فإن قال قائل: فقد يحتمل أن يقول: ابعثوا حكمين، فيجوز حكمهما بتسمية الله إياهما حكمين، كما يجوز حكم الحاكم الذي يصيره الإمام، فمن سماه الله تبارك وتعالى حاكما أكثر معنى أو يكونا كالشاهدين إذا رفعا شيئا إلى الإمام أنفذه عليهما، أو يقول: ابعثوا حكمين أي دلوني منكم على حكمين صالحين كما تدلوني على تعديل الشهود. قلنا: الظاهر ما وصفناه، والذي يمنعنا من أن نحيله عنه مع ظهوره أن قول علي رضي الله عنه للزوج: كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به، يدل على أنه ليس للحكمين أن يحكما إلا بأن يفوض الزوجان ذلك إليهما، وذلك أن المرأة فوضت وامتنع الزوج من تفويض الطلاق، فقال علي رضي الله عنه: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به، يذهب إلى أنه إن لم يقر لم يلزمه الطلاق، وإن رأياه. ولو كان يلزمه طلاق بأمر الحاكم أو تفويض المرأة لقال له: لا أبالي أقررت أم سكت، وأمر الحكمين أن يحكما بما رأيا. (الأم: 5/115-116. ون الأم: 5/194-195. وأحكام الشافعي: 1/210-212.)...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما}: وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشقّ عليه من الأمور، فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حقّ الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها¹، وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان. والشقاق: مصدر من قول القائل: شاق فلان فلانا: إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشقّ عليه من الأمور، فهو يشاقه مشاقة وشقاقا¹ وذلك قد يكون عداوة...
{فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وحَكَما مِنْ أهْلِها}: أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية، من المأمور ببعثة الحكمين؟
فقال بعضهم: المأمور بذلك: السلطان الذي يرفع ذلك إليه. عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة: يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فأيهما كان الظالم ردّه السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع.
وقال آخرون: بل المأمور بذلك الرجل والمرأة.
ثم اختلف أهل التأويل فيما يبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وجه بعثهما بينهما؟
فقال بعضهم: يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما، وليس لهما أن يعملا شيئا في أمرهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وكل منهما في ذلك. عن عبيدة، قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى عليّ رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال عليّ رضي الله عنه: ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرّقا أن تفرّقا. قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولى. وقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال عليّ رضي الله عنه: كذبتَ، والله لا تنقلب حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت به.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا هشام بن حسان، وعبد الله بن عون، عن محمد: أن عليا رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهما عليّ رضي الله عنه أن يبعثا حكما من أهله وحكما من أهلها لينظرا. فلما دنا منه الحكمان، قال لهما عليّ رضي الله عنه: أتدريان مالكما؟ لكما إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. قال هشام في حديثه: فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعليّ فقال الرجل: أما الفرقة فلا. فقال عليّ: كذبت والله حتى ترضى مثل ما رضيت به. وقال ابن عون في حديثه: كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به.
عن السديّ، قال: إذا هجرها في المضجع وضربها، فأبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها¹ تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت، وإن فرّقت تفرّقنا. وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئا من الأشياء، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق. ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره، ويخبره يقول له حاجته إن كان يريدها، أو لا يريد أن يطلقها، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له: خذ لي منها مالها عليّ وطلقها! فيوليه أمره، فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك. ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله: {فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها إنْ يُرِيدَا إصْلاحا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُما}، فإن بعثت المرأة حكما وأبي الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكما.
وقال آخرون: إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكلّ واحد منهما قِبَل صاحبه لا التفريق بينهما.
وقال آخرون: بل إنما يبعث الحكمين السلطان على أن حكمهما ماض على الزوجين في الجمع والتفريق...
وأولى الأقوال بالصواب في قوله: {فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها} أن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض. وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين وغير السلطان، الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مُقام نفسه.
واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومَن المأمور بالبعثة في ذلك: الزوجان، أو السلطان؟ ولا دلالة في الآية تدلّ على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصا من الآية ما أجمع الجميع على أنه مخصوص منها. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شمله حكم الآية، والأمر بقوله: {فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها} إذ كان مختلفا بينهما هل هما معنيان بالأمر بذلك أم لا؟ وكان ظاهر الآية قد عمهما¹، فالواجب من القول إذ كان صحيحا ما وصفنا أن يقال: إن بعث الزوجان كل واحد منهما حكما من قبله، لينظر في أمرهما، وكان لكل واحد منهما ممن بعثه من قبله في ذلك طاقة على صاحبه ولصاحبه عليه، فتوكيله بذلك من وكل جائز له وعليه، وإن وكله ببعض ولم يوكله بالجميع، كان ما فعله الحكم مما وكله به صاحبه ماضيا جائزا على ما وكله به وذلك أن يوكله أحدهما بماله دون ما عليه، أو لم يوكل كل واحد من الزوجين بماله وعليه، أو بما له، أو بما عليه، فليس للحكمين كليهما إلا ما اجتمعا عليه دون ما انفرد به أحدهما. وإن لم يوكلهما واحدا منها بشيء، وإنما بعثاهما للنظر ليعرفا الظالم من المظلوم منهما ليشهدا عليهما عند السلطان إن احتاجا إلى شهادتهما، لم يكن لهما أن يحدثا بينهما شيئا غير ذلك من طلاق أو أخذ مال أو غير ذلك، ولم يلزم الزوجين ولا واحدا منهما شيء من ذلك.
فإن قال قائل: وما معنى الحكمين إذ كان الأمر على ما وصفت؟ قيل: قد اختلف في ذلك، فقال بعضهم: معنى الحكم: النظر العدل.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنهما القاضيان يقضيان بينها ما فوّض إليهما الزوجان. وأيّ الأمرين كان فليس لهما ولا لواحد منهما الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضا المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حقّ لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله، وذلك ما لزم الرجل لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف إن كان هو الظالم لها. فأما غير ذلك فليس ذلك لهما ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان، ولا غيره¹، وذلك أن الزوج إن كان هو الظالم للمرأة فللإمام السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حقّ، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها الناشزة عليه، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها وجعل إليه طلاقها على ما قد بيناه في سورة البقرة. وإذ كان الأمر كذلك لم يكن لأحد الفرقة بين رجل وامرأة بغير رضا الزوج، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسلم لها من أصل أو قياس. وإن بعث الحكمين السلطانُ، فلا يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضا المرأة¹، يدلّ على ذلك ما قد بيناه قَبْلُ من فعل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك، والقائلين بقوله. ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرّفا الظالم منهما من المظلوم ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما. وإنما قلنا: ليس لهما التفريق للعلة التي ذكرناها آنفا، وإنما يبعث السلطان الحكمين إذا بعثهما إذا ارتفع إله الزوجان، فشكا كل واحد منهما صاحبه، وأشكل عليه المحقّ منهما من المبطل، لأنه إذا لم يشكل المحقّ من المبطل، فلا وجه لبعثة الحكمين في أمر قد عرف الحكم فيه.
{إنْ يُرِيدَا إصْلاحا}: إن يرد الحكمان إصلاحا بين الرجل والمرأة، أعني بين الزوجين المخوف شقاق بينهما، يقول: يوفق الله بين الحكمين، فيتفقا على الإصلاح بينهما، وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه من بعث للنظر في أمر الزوجين.
{إنّ اللّهَ كانَ عَلِيما خَبِيرا}: إن الله كان عليما بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره، خبيرا بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلاّ منهم جزاءه بالإحسان إحسانا، وبالإساءة غفرانا أو عقابا.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
(وإن خفتم) في معناه قولان: أحدهما: إن علمتم. الثاني -الخوف الذي هو خلاف الأمن، وهو الأصح، لأنه لو علم الشقاق يقينا لم يحتج إلى الحكمين، فإن أريد به الظن كان قريبا مما قلناه. والشقاق الخلاف، والعداوة، واشتقاقه من الشق، وهو الجزء البائن، ومنه اسم المتشاقين، لأن كل واحد منهما في شق أي في ناحية، ومنه المشقة في الأمر، لأنه يشق على النفس، فأمر الله متى خيف ذلك بين الزوجين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، والحكم: القيم بما يسند إليه...
جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :
أجمع العلماء على أن معنى قول الله عز وجل-: {وإن خفتم شقاق بينهما}، أن المخاطب بذلك الحكام، والأمراء، وأن الضمير في (بينهما)، للزوجين، فإن قوله: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما}. في الحكمين في الشقاق. (س: 18/110)...
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
{إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما}، جعل النية سبب التوفيق...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} أصله: شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع، كقوله: {بَلْ مَكْرُ اليل والنهار} [سبأ: 33] وأصله: بل مكر في الليل والنهار. أو على أن جعل البين مشاقاً والليل والنهار ماكرين، على قولهم: نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء.
{حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ} رجلاً مقنعاً رضياً يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما، لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه. فإن قلت: فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك؟ قلت: قد اختلف فيه، فقيل: ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين. وقيل: ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما... وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان. وعن الشعبي: ما قضى الحكمان جاز. والألف في {إِن يُرِيدَا إصلاحا} للحكمين. وفي {يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا} للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة. وقيل: الضميران للحكمين، أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. وقيل: الضميران للزوجين. أي: إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح الله بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقا وبالبغضاء مودة. {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63].
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
قسمت هذه الآية النساء تقسيماً عقلياً، لأنها إما طائعة، وإما ناشزة، والنشز إما من يرجع إلى الطواعية، وإما من يحتاج إلى الحكمين، واختلف المتأولون أيضاً في الخوف ها هنا حسب ما تقدم، ولا يبعث الحكمان إلا مع شدة الخوف، و «الشقاق»: مصدر شاق يشاق، وأجري «البين» مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما وصحبتهما، وهذا من الإيجاز الذي يدل فيه الظاهر على المقدر، واختلف من المأمور ب «البعثة»، فقيل: الحاكم، فإذا أعضل على الحاكم أمر الزوجين، وتعاضدت عنده الحجج، واقترنت الشبه، واغتم وجه الإنفاذ على أحدهما، بعث حكمين من الأهل ليباشرا الأمر، وخص الأهل لأنهم مظنة العلم بباطن الأمر، ومظنة الإشفاق بسبب القرابة، وقيل: المخاطب الزوجان وإليهما تقديم الحكمين، وهذا في مذهب مالك، والأول لربيعة وغيره...
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
وَهِيَ مِنْ الْآيَاتِ الْأُصُولِ فِي الشَّرِيعَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}:
هَذَا نَصٌّ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَنَّهُمَا قَاضِيَانِ لَا وَكِيلَانِ، وَلِلْوَكِيلِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، وَلِلْحُكْمِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى، فَإِذَا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَنْبَغِي لِشَاذٍّ -فَكَيْفَ لِعَالَمٍ- أَنْ يُرَكِّبَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَذَلِكَ تَلْبِيسٌ وَإِفْسَادٌ لِلْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا يَسِيرَانِ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُخْلِصَانِ النِّيَّةَ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَيَنْظُرَانِ فِيمَا عِنْدَ الزَّوْجَيْنِ بِالتَّثَبُّتِ، فَإِنْ رَأَيَا لِلْجَمْعِ وَجْهًا جَمَعَا، وَإِنْ وَجَدَاهُمَا قَدْ أَنَابَا تَرَكَاهُمَا... فَإِنْ وَجَدَاهُمَا قَدْ اخْتَلَفَا سَعيا فِي الْأُلْفَةِ، وَذَكَّرَا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِالصُّحْبَةِ؛ فَإِنْ أَنَابَا وَخَافَا أَنْ يَتَمَادَى ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا ظَهَرَ فِي الْمَاضِي، فَإِنْ يَكُنْ مَا طَلَعَا عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي يُخَافُ مِنْهُ التَّمَادِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: تَكُونُ الْفُرْقَةُ كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا لِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي مَقْصُودِ النِّكَاحِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا ظَهَرَ الظُّلْمُ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ فَظُهُورُ الظُّلْمِ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ الظَّالِمِ حَقُّ الْمَظْلُومِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ.
قُلْنَا: هَذَا نَظَرٌ قَاصِرٌ، يُتَصَوَّرُ فِي عُقُودِ الْأَمْوَالِ؛ فَأَمَّا عُقُودُ الْأَبْدَانِ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ وَالتَّآلُفِ وَحُسْنِ التَّعَاشُرِ؛ فَإِذَا فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ وَجْهٌ، وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي الْفُرْقَةِ. وَبِأَيِّ وَجْهٍ رَأَيَاهَا مِنْ الْمُتَارَكَةِ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ، فَخَصَّ الشَّرْعَ هَاتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ بِحَكَمَيْنِ؛ لِيَنْفُذَ حُكْمُهُمَا بِعِلْمِهِمَا، وَتَرْتَفِعَ بِالتَّعْدِيدِ التُّهْمَةُ عَنْهُمَا.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: إذَا كَانَتِ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ائْتَمَنَاهُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا أَصْدَقَهَا، وَلَا يَسْتَوْعِبَانِهِ لَهُ، وَعِنْدَهُ بَعْضُ الظُّلْمِ، رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: الْأَصْلُ فِي الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَكُونَا مِنَ الْأَهْلِ؛ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَهْلَ أَعْرَفُ بِأَحْوَالِ الزَّوْجَيْنِ، وَأَقْرَبُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ الزَّوْجَانِ إلَيْهِمَا؛ فَأَحْكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَمْرَ بِأَهْلِهِ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَهْلٌ، أَوْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَخْتَارُ حَكَمَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا كَيْفَمَا كَانَ عَدَمُ الْحَكَمَيْنِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا جَارَيْنِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَكَمَيْنِ مَعْلُومٌ، وَاَلَّذِي فَاتَ بِكَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِهِمَا يَسِيرٌ، فَيَكُونُ الْأَجْنَبِيُّ الْمُخْتَارُ قَائِمًا مَقَامَهُمَا، وَرُبَّمَا كَانَ أَوْفَى مِنْهُمَا.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: إذَا حَكَمَا بِالْفِرَاقِ فَإِنَّهُ بَائِنٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا كُلِّيٌّ، وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ.
أَمَّا الْكُلِّيُّ فَكُلُّ طَلَاقٍ يُنَفِّذُهُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ بَائِنٌ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ هُوَ الشِّقَاقُ، وَلَوْ شُرِعَتْ فِيهِ الرَّجْعَةُ لَعَادَ الشِّقَاقُ، كَمَا كَانَ أَوَّلَ دُفْعَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا؛ فَامْتَنَعَت الرَّجْعَةُ لِأَجَلِهِ. فَإِنْ أَوْقَعَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؛ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ: يَنْفُذُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدَةً.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ يَنْفُذُ أَنَّهُمَا حَكَمَا فَيُنَفَّذُ مَا حَكَمَا بِهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَهُمَا لَا يَكُونُ فَوْقَ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، كَذَلِكَ الْحَكَمَانِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَرَدُّهُ الْمَسْأَلَةَ إلَى مَسْأَلَةِ خِيَارِ الْأُمَّةِ حَزْمٌ، وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ، وَالْأَدِلَّةُ مُتَدَاخِلَةٌ وَمُتَقَارِبَةٌ فَلْيَطْلُبْ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ الشِّقَاقَ لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمَا حَكَمَيْنِ وَلَا يَنْتَظِرُ ارْتِفَاعَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا يَضِيعُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَثْنَاءَ مَا يَنْتَظِرُ رَفْعُهُمَا إلَيْهِ لَا جَبْرَ لَهُ.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال: {وإن خفتم} أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم {شقاق بينهما} أي الزوجين المفهومين من السياق، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص، وهو أن يكون البين المضاف إليهما -وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر- لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئاً واحداً كما كانا لا بين لهما، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما {فابعثوا} أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم {حكماً من أهله} أي الزوج {وحكماً من أهلها} أي الزوجة، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما، لأنهم أجدر بالإطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبة ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح...
ثم أجاب من كأنه قال: وماذا عسى أن يضيفا؟ بقوله: {إن يريدا} أي الحكمان {إصلاحاً} أي بينهما، وكأنه نكره لأن الإخلاص و وجود الكمال قليل {يوفق الله} الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة {بينهما} أي الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد، وهذا دال على أنه لا يكون شيء إلا بالله، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على الله دونها، ويشقى بها من يجعلها محط قصده، فيعتمد عليها...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} الخلاف بين الزوجين قد يكون بنشوز المرأة وقد يكون بظلم من الرجل فالنشوز يعالجه الرجل بأقرب التأديبات الثلاثة المبينة في الآية التي قبل هذه الآية على ما مر سرده وحلا ورده. وقد يكون بظلم من الرجل فإذا تمادى هو في ظلمه، أو عجز عن إنزالها عن نشوزها، وخيف أن يحول الشقاق بينهما دون إقامتهما لحدود الله تعالى في الزوجية، بإقامة أركانها الثلاثة السكون المودة والرحمة، وجب على المؤمنين المتكافلين في مصالحهم ومنافعهم أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها عارفين بأحواله وأحوالها، ويجب على هذين الحكمين، أو يوجها إرادتهما إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة كان التوفيق الإلهي رفيقها إن شاء الله تعالى، ويجب الخضوع لحكم الحكمين والعمل به. فخوف الشقاق توقعه بظهور أسبابه، والشقاق هو الخلاف الذي يكون به كل من المختلفين في شق أي في جانب والحكم (بالتحريك) من له حق الحكم والفصل بين الخصمين. ويطلق على الشيخ المسن لأن من شأنه أن يتحاكم إليه لرويته وتجربته، والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين لينظرا في شكوى كل منهما، ويتعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما، يسترضوهما بالتحكيم، وإعطائهما حق الجمع والتفريق... والنص إنما هو في وجوب بعث الحكمين، ليجتهدوا في إصلاح ذات البين، وهل هما قاضيان ينفذ حكمهما بكل حال، أم وكيلان ليس لهما إلا ما وكلهما الزوجان به؟ المسألة خلافية والظاهر الأول لأن الحكم في اللغة هو الحاكم.
الخطاب للمؤمنين ولا يتأتى أن يكلف كل واحد أو كل جماعة منهم ذلك ولذلك قال بعض المفسرين إن الخطاب هنا موجه إلى من يمكنه القيام بهذا العمل ممن يمثل المسلمين وهم الحكام، وقال بعضهم إن الخطاب عام ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما فإن قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك. وكلا القولين وجيه فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة والاجتهاد في إصلاح أحوالهم، والثاني: يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض ويعينه على ما تحسن به حاله. واختلفوا في وظيفة الحكمين فقال بعضهم إنهما وكيلان لا يحكمان إلا بما وكلا به وقال بعضهم إنهما حاكمان (وذكر مذهب عليّ وابن عباس بالاختصار وقد ذكرنا الرواية عنهما آنفا) وقوله {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} يشعر بأنه يجب على الحكمين أن لا يدّخرا وسعا في الإصلاح كأنه يقول إن صحت إرادتهما فالتوفيق كائن لا محالة. وهذا يدل على نهاية العناية من الله تعالى في إحكام نظام البيوت الذي لا قيمة له عند المسلمين في هذا الزمان، وانظروا كيف لم يذكر مقابل التوفيق بينهما وهو التفريق عند تعينه، لم يذكره حتى لا يذكر به لأنه يبغضه وليشعر النفوس أنه ليس من شأنه أن يقع.
وظاهر الأمر أن هذا التحكيم واجب لكنهم اختلفوا فيه فقال بعضهم إنه واجب وبعضهم إنه مندوب واشتغلوا بالخلاف فيه عن العمل به، لأن عنايتنا بالدين صارت محصورة في الخلاف والجدل، وتعصب كل طائفة من المسلمين لقول واحد من المختلفين، مع عدم العناية بالعمل به، فهاهم أولاء قد أهملوا هذه الوصية الجليلة لا يعمل بها أحد على أنها واجبة ولا على أنها مندوبة والبيوت يدب فيها الفساد، فيفتك بالأخلاق والآداب، ويسري من الوالدين إلى الأولاد.
{إن الله كان عليما خبيرا} أي إنه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم عليما بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم خبيرا بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة فلا يخفى عليه شيء من وسائل الإصلاح بينهما، وإني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيرا من الخلاف يقع بين الزوجين فيظن أنه مما يتعذر تلافيه هو في الواقع ونفس الأمر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربهما منهما، أن يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما، مهما حسنت النية وصحت الإرادة.
إن الزوجية أقوى رابطة تربط اثنين من البشر أحدهما بالآخر فهي الصلة التي بها يشعر كل من الزوجين بأنه شريك الآخر في كل شيء مادي ومعنوي حتى أن كل واحد منهما يؤاخذ الآخر على دقائق خطرات الحب، وخفايا خلجات القلب، يستشفها من وراء الحجب، أو توحيها إليه حركات الأجفان، أو يستنبطها من فلتات اللسان، إذا لم تصرح بها شواهد الامتحان، فهما يتغايران في أخفى ما يشتركان فيه، ويكتفيان بشهادة الظنة والوهم عليه، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرهما، وأعسر التوقي منها، فكثيرا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والتغاير إلى التدابر، فإن تعاتبا فجدل ومراء، لا استعتاب واسترضاء، حتى يحل الكره والبغضاء، محل الحب والهناء، لذلك يصح لك أن تحكم إن كنت عليما بالأخلاق والطباع، خبيرا بشؤون الاجتماع، بأن تلك الحكمة التي أرسلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) هي القاعدة الثابتة الصحيحة في جميع الأمم وجميع الأعصار، وانها يجب أن تكون في محل الذكرى من الحكمين، اللذين يريدان إصلاح ما بين الزوجين، كما يجب أن يعرفها ولا ينساها جميع الأزواج تلك الحكمة هي قوله للتي صرحت بأنها لا تحب زوجها: إذا كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تخبره بذلك فإن أقل البيوت ما بني على المحبة وإنما يعيش (أو قال يتعاشر) الناس بالحسب والإسلام. أي إن حسب كل من الزوجين وشرفه إنما يحفظ بحسن عشرته للآخر وكذلك الإسلام يأمرهما بأن يتعاشرا بالمعروف (راجع تفسير {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} ) [النساء:19].
قد اهتدى الإفرنج إلى العمل بهذه الحكمة البالغة بعد أن استبحر علم النفس والأخلاق وتدبير المنزل عندهم فربوا نساءهم ورجالهم على احترام رابطة الزوجية وعلى أن يجتهد كل من الزوجين أن يعيشا بالمحبة فإن لم يسعدا بها فليعيشا بالحسب وهو تكريم كل منهما للآخر ومراعاته لشرفه وقيامه بما يجب له من الآداب والأعمال التي جرى عليها عرف أمتهم. ثم يعذره فيما وراء ذلك وإن علم أنه لا يحبه فلا يذكر له ذلك، وقد صرحوا بأن سعادة المحبة الزوجية الخالصة قلما تمتع بها زوجان وإن كانت أمنية كل الأزواج، وإنما يستبدلون بها المودة العملية. ولكنهم بإباحة المخالطة والتبرج قد أفرطوا في إرخاء العنان، حتى صار الأزواج يتسامحون في السفاح أو اتخاذ الأخدان، وهذا ما يعصم مجموع أمتنا منه الإسلام.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ذلك حين لا يستعلن النشوز، وإنما تتقى بوادره. فأما إذا كان قد استعلن، فلا تتخذ تلك الإجراءات التي سلفت. إذا لا قيمة لها إذن ولا ثمرة. وإنما هي إذن صراع وحرب بين خصمين ليحطم أحدهما رأس الآخر! وهذا ليس المقصود، ولا المطلوب.. وكذلك إذا رئي أن استخدام هذه الإجراءات قد لا يجدي، بل سيزيد الشقة بعدًا، والنشوز استعلانًا؛ ويمزق بقية الخيوط التي لا تزال مربوطة. أو إذا أدى استخدام تلك الوسائل بالفعل إلى غير نتيجة.. في هذه الحالات كلها يشير المنهج الإسلامي الحكيم بإجراء أخير؛ لإنقاذ المؤسسة العظيمة من الانهيار. قبل أن ينفض يديه منها ويدعها تنهار:
(وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها. إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما. إن الله كان عليمًا خبيرًا)..
وهكذا لا يدعو المنهج الإسلامي إلى الاستسلام لبوادر النشوز والكراهية؛ ولا إلى المسارعة بفصم عقدة النكاح، وتحطيم مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار -الذين لا ذنب لهم ولا يد ولا حيلة- فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإسلام؛ بقدر خطورتها في بناء المجتمع، وفي إمداده باللبنات الجديدة، اللازمة لنموه ورقية وامتداده.
إنه يلجأ إلى هذه الوسيلة الأخيرة -عند خوف الشقاق- فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلًا.. ببعث حكم من أهلها ترتضيه، وحكم من أهله يرتضيه. يجتمعان في هدوء. بعيدين عن الانفعالات النفسية، والرواسب الشعورية، والملابسات المعيشية، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين. طليقين من هذه المؤثرات التي تفسد جو الحياة، وتعقد الأمور، وتبدو -لقربها من نفسي الزوجين- كبيرة تغطي على كل العوامل الطيبة الأخرى في حياتهما. حريصين على سمعة الأسرتين الأصليتين. مشفقين على الأطفال الصغار. بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما على الآخر -كما قد يكون الحال مع الزوجين في هذه الظروف- راغبين في خير الزوجين وأطفالهما ومؤسستهما المهددة بالدمار.. وفي الوقت ذاته هما مؤتمنان على أسرار الزوجين، لأنهما من أهلهما: لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار. إذ لا مصلحة لهما في التشهير بها، بل مصلحتهما في دفنها ومداراتها!
يجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح. فإن كان في نفسي الزوجين رغبة حقيقية في الإصلاح، وكان الغضب فقط هو الذي يحجب هذه الرغبة، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين، يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق:
إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما..
فهما يريدان الإصلاح، والله يستجيب لهما ويوفق..
وهذه هي الصلة بين قلوب الناس وسعيهم، ومشيئة الله وقدره.. إن قدر الله هو الذي يحقق ما يقع في حياة الناس. ولكن الناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا؛ وبقدر الله -بعد ذلك- يكون ما يكون.
ويكون عن علم بالسرائر وعن خبرة بالصوالح:
وهكذا نرى -في هذا الدرس- مدى الجدية والخطورة في نظرة الإسلام إلى المرأة وعلاقات الجنسين ومؤسسة الأسرة، وما يتصل بها من الروابط الاجتماعية.. ونرى مدى اهتمام المنهج الإسلامي بتنظيم هذا الجانب الخطير من الحياة الإنسانية. ونطلع على نماذج من الجهد الذي بذله هذا المنهج العظيم، وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة -التي التقطها من سفح الجاهلية- في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة على هدى الله. الذي لا هدى سواه..
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
هذه حال ثالثة للحياة الزوجية، وهي حال خوف الشقاق، وهي غير حال خوف النشوز؛ لأن خوف النشوز يكون والزوجة في بيت زوجها له نوع سلطان عليها، وهناك مودة بينهما، فتكون تلك المودة من سبل العلاج، ولذلك كان من العلاج الهجر الجميل، إذ لا يصلح عقابا إلا عند قيام المحبة، أما الشقاق فإنه يكون عندما تنشعب المودة، ويكون كل واحد من الزوجين في شق، وهذه حال لا يتولى إصلاحها الزوج؛ لأن القلوب تنافر ودها، ولهذا كان العلاج لا بد أن يكون من طريق آخر، وقد بينه الله تعالى بقوله: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من اهلها}، والبعث معناه الإثارة، وهو هنا الإثارة مع التخير؛ لأنه ليس كل إنسان يصلح طبيبا معالجا للنفوس المتنافرة، والحكم من له حق الحكم والفصل، وعمل الحكم يتجه إلى أحد أمرين: احدهما الإصلاح بينهما ورد النفوس الشاردة إلى مستقر الحياة الزوجية، وإن ذلك يقتضي ان يكون عند الزوجين نية إزالة الخلاف او على الأقل لا يمانعان فيه، ولذا قال تعالى: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} أي إذا كان كلا الزوجين مع وجود النفرة يرغب في إزالتها. فإن الله موفق بينهما، بأن يجعل كل قلب يلتقي مع الآخر، والتوفيق يقتضي أن يفتح كل واحد جزءا من قلبه ليدخل فيه أو يلتحم معه القلب الثاني...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
في هذه الآية إِشارة إِلى مسألة ظهور الخلاف والنزاع بين الزوجين، فهي تقول: (وإِن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) ليتفاوضا ويقربا من أوجه النظر لدى الزوجين، ثمّ يقول تعالى: (إن يريدا إِصلاحاً يوفق الله بينهما) أي ينبغي أن يدخل الحكمان المندوبان عن الزوجين في التفاوض بنيّة صالحة ورغبة صادقة في الإِصلاح، فإنّهما إن كانا كذلك أعانهما الله ووفق بين الزوجين بسببهما. ومن أجل تحذير (الحكمين) وحثّهما على استخدام حسن النّية، يقول سبحانه في ختام هذه الآية: (إِنّ الله كان عليماً خبيراً). إِنّ محكمة الصلح العائلية التي أشارت إِليها الآية الحاضرة، هي إِحدى مبتكرات الإِسلام العظيمة، فإِن هذه المحكمة تمتاز بميزات تفتقر إِليها المحاكم الأخرى، من جملتها: 1 -إِن البيئة العائلية بيئة عاطفية، ولذلك فإِن المقياس الذي يجب أن يتبع في هذه البيئة، يختلف عن المقاييس المتبعة في البيئات الأخرى، يعني كما أنّه لا يمكن العمل في «المحاكم الجنائية» بمقياس المحبّة والعاطفة، فإِنّه لا يمكن في البيئة العائلية العمل بمقياس القوانين الجافة. والضوابط الصارمة الخالية عن روح العاطفة، فهنا يجب حل الخلافات العائلية بالطرق العاطفية حدّ الإِمكان، ولهذا يأمر القرآن الكريم أن يكون الحكمان في هذه المحكمة ممن تربطهم بالزوجين رابطة النسب والقرابة ليمكنهما تحريك المشاعر والعواطف باتجاه الإِصلاح بين الزوجين، ومن الطبيعي أن تكون هذه الميزة هي ميزة هذا النوع من المحاكم خاصّة دون بقية المحاكم الأخرى...
الأولى : قوله تعالى : " وإن خفتم شقاق بينهما " قد تقدم معنى الشقاق في " البقرة " {[4362]} . فكأن كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه ، أي ناحية غير ناحية صاحبه . والمراد إن خفتم شقاقا بينهما ؛ فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك : يعجبني سير الليلة المقمرة ، وصوم يوم عرفة . وفي التنزيل : " بل مكر الليل والنهار " {[4363]} [ سبأ : 33 ] . وقيل : إن " بين " أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية ؛ إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما ، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبهما " فابعثوا " . و " ختم " على الخلاف المتقدم{[4364]} . قال سعيد بن جبير : الحكم أن يعظها أولا ، فإن قبلت وإلا هجرها ، فإن هي قبلت وإلا ضربها ، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ، فينظران ممن الضرر ، وعند ذلك يكون الخلع . وقد قيل : له أن يضرب قبل الوعظ . والأول أصح لترتيب ذلك في الآية .
الثانية : والجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله : " وإن خفتم " الحكام والأمراء . وأن قول : " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " يعني الحكمين ، في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما . أي إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . وقيل : المراد الزوجان ؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين " يوفق الله بينهما " . وقيل : الخطاب للأولياء . يقول : " إن خفتم " أي علمتم خلافا بين الزوجين " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة ؛ إذ هما أقعد بأحوال الزوجين ، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه{[4365]} . فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل{[4366]} من غيرهما عدلين عالمين ؛ وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما . فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر . ويقال : إن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له : أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك ؟ فإن قال : لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها ، فيعرف أن من قبله النشوز . وإن قال : إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها ، فيعلم أنه ليس بناشز . ويخلو الحكم من جهتها{[4367]} بالمرأة ويقول لها : أتهوين زوجك أم لا ؟ فإن قالت : فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد ، فيعلم أن النشوز من قبلها . وإن قالت : لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي ، علم أن النشوز ليس من قبلها . فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهى ؛ فذلك قوله تعالى : " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " .
الثالثة : قال العلماء : قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا ؛ لأنهن إما طائعة وإما ناشز ، والنشوز إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا . فإن كان الأول تركا ؛ لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول : يا بني هاشم ، والله لا يحبكم قلبي أبدا ! أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة ! ترد أنوفهم قبل شفاههم ، أين عتبة بن ربيعة ، أين شيبة بن ربيعة ؛ فيسكت عنها ، حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له : أين عتبة بن ربيعة ؟ فقال : على يسارك في النار إذا دخلت ؛ فنشرت عليها ثيابها ، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك ، فأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس : لأفرقن بينهما . وقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف . فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما . فإن وجداهما قد اختلفا ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الألفة جهدهما ، وذكرا بالله وبالصحبة . فإن أنابا ورجعا تركاهما ، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرقا بينهما . وتفريقهما جائز على الزوجين ؛ وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه ، وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما . والفراق في ذلك طلاق بائن . وقال قوم : ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك ، وليعرفا الإمام ، وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان . ثم الإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكم بالتفريق . وهذا أحد قولي الشافعي ، وبه قال الكوفيون ، وهو قول عطاء وابن زيد والحسن ، وبه قال أبو ثور . والصحيح الأول ؛ لأن للحكمين التطليق دون توكيل ، وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروي عن عثمان وعلي وابن عباس ، وعن الشعبي والنخعي ، وهو قول الشافعي ؛ لأن الله تعالى قال : " فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان . وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى ، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى ؛ فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ - فكيف لعالم - أن يركب معنى أحدهما على الآخر ! . وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة في هذه الآية " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " قال : جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام{[4368]} من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، وقال للحكمين : هل تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما . فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي . وقال الزوج : أما الفرقة فلا . فقال علي : كذبت ، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به . وهذا إسناد صحيح ثابت روي عن علي من وجوه ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة ، قال أبو عمر : فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما : أتدريان ما عليكما ؟ إنما كان يقول : أتدريان بما وكلتما ؟ وهذا بين . احتج أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج : لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به . فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج ، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه . وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المولى والعنين .
الرابعة : فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما اجتمعا عليه . وكذلك كل حكمين حكما في أمر ، فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر ، أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليسا بشيء حتى يتفقا . وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا قال : تلزم{[4369]} واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة ؛ وهو قول ابن القاسم . وقال ابن القاسم أيضا : تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها ، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ . وقال ابن المواز : إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة . وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء .
الخامسة : ويجزئ إرسال الواحد ؛ لأن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود ، ثم قد أرسل . النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزانية أنيسا وحده وقال له : ( إن اعترفت فأرجمها ) وكذلك قال عبدالملك في المدونة . قلت : وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ ، وهو بالجواز أولى إذا رضيا بذلك ، وإنما خاطب الله بالإرسال الحكام دون الزوجين . فإن أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ حكمهما ؛ لأن التحكيم عندنا جائز ، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة . هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا ، ولو كان غير عدل قال عبدالملك : حكمه منقوض ؛ لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر . قال ابن العربي : والصحيح نفوذه ؛ لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ ، وإن كان تحكيما فقد قدماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل ، وباب القضاء مبني على الغرر كله ، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يؤول إليه الحكم . قال ابن العربي : مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين ، واختلاف ما بينهما . وهي مسألة عظيمة اجتمعت الأمة على أصلها في البعث ، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه . وعجبا لأهل بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا : يجعلان على يدي أمين ، وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم ، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزؤوا . وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد ، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر ، فلما ملكني الله الأمر أجريت السنة كما ينبغي . ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم{[4370]} من الجهالة ، ولكن أعجب لأبي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر ، بل أعجب مرتين للشافعي فإنه قال : الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما . قال : وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة . وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج ، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج ، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها ، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك . وذلك يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين .
قال ابن العربي : هذا منتهى كلام الشافعي ، وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم ، وقد تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر . أما قوله : " الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين " فليس بصحيح بل هو نصه ، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء ، فإن الله تعالى قال : " الرجال قوامون على النساء " [ النساء : 34 ] - ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها ، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع ، فإن ارعوت وإلا ضربها ، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما . وهذا إن لم يكن نصا فليس في القرآن بيان . ودعه لا يكون نصا ، يكون ظاهرا ، فأما أن يقول الشافعي : يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي{[4371]} أشبه الظاهر ؟ . ثم قال : " وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة ، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه " . ثم قال : " فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج ، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق الغيرية . فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغيرية " . وأما قوله " برضى الزوجين وتوكيلهما " فخطأ صراح ، فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين ، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما ، ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه .
هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الرد عليه . وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم ، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لأحد سوى الله تعالى . وهذه كلمة حق ولكن{[4372]} يريدون بها الباطل .
قوله تعالى : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) . خفتم بمعنى : علمتم . والشقاق من الشق وهو يعني الجهة أو الناحية . فكأن كلا من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه أو يكون على ناحية مقابلة ومخالفة للناحية التي انتحاها الآخر . وقد أضيف المصدر إلى الظرف المكاني وذلك كقوله تعالى : ( بل مكر الليل والنهار ) أو كقولنا : " صوم يوم عرقة " .
والمخاطب في الآية هم الولاة والأمراء . وقيل : الخطاب موجه للأولياء . والقول الأول هو الراجح وهو قول الجمهور . أما المخاطب في قوله : ( إن يريدا إصلاحا ) قيل : الحكمان . وقيل : الزوجان . ومعنى الآية : إنكم إذا علمتم بوقوع خلاف وتنافر بين الزوجين فابعثوا حكمين من أجل الإصلاح بينهما بحيث يكون الحكم الأول من أهل الزوج والحكم الثاني من أهل الزوجة على أن تتحروا عدالة هذين الحكمين وأنهما من ذوي السيرة الحسنة الحميدة . وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من تتوفر فيه هذه الأوصاف وجب اصطفاؤهم من غير أولي القربى على أن يكونا من أهل العدل والعلم والتقوى .
أما مهمة هذين الحكمين فإنها الإصلاح بين الزوجين المتناشزين المتنافرين . حتى إذا اجتمع كل حكم بمن يليه في القربى حدثه حديث العظة والتذكير ، ورغّبه في موادّة زوجه ، ونفّره من فداحة التفريق عسى أن يكون في هذا الحديث الحسن الرؤوف ما يؤلف بين القلبين المتباغضين وما يكون سببا في إذهاب النشوز والبغضاء وتحقيق التآلف والمودّة فيعودان زوجين مؤتلفين متحابين .
والحكمان وهما يراوضان الزوجين على التداني والتآلف يستطيعان الوقوف على مقصد كل من الزوجين فان كانا راغبين في العودة إلى حظيرة الزوجية كان به ونعمت . وإن كان غير ذلك من التدابر الذي لا رجعة بعده قدم الحكمان تقريرهما في ذلك إلى القاضي أو الوالي . والحكمان في ذلك كله مؤتمنان تماما بحيث يقع حكمهما موقع الإلزام الحاسم الذي يأخذ القاضي بموجبه ليقضي بما قضيا . وعلى ذلك فإن قضى الحكمان بالتفريق كان ذلك بمثابة طلاق بائن وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين من أهل العلم ، وذلك استنادا إلى قوله تعالى : ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) وهذا نص من الله تعالى أن الحكمين قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان . وقيل : إن الحكمين ليس لهما إيقاع الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك ويطلعا القاضي عليه . وهذا بناء على أن الحكمين رسولان شاهدان ، والإمام يفرق إن أراد ويأمر الحكمين بالتفريق . وهو قول الحنفية ، وأحد قولي الشافعي .
أما إذا اختلف الحكمان فقال أحدهما بما يخالف الآخر بات قولهما غير ذي اعتبار ولا هو بنافذ حتى يتفقا . فلو قضى أحدهما بالتفريق ولم يقض الآخر بذلك لم يؤخذ بقولهما معا . وكذلك لو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليس ذلك بشيء حتى يتفقا{[744]} .