الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}: وذلّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكا تعظمونه تعظيمكم إياه. {وَبالوَالِدَيْنِ إحْسانا}: وأمركم بالوالدين إحسانا، يعني برّا بهما¹ ولذلك نصب الإحسان، لأنه أمر منه جلّ ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالين على وجه الإغراء. وقد قال بعضهم: معناه: واستوصوا بالوالدين إحسانا، وهو قريب المعنى مما قلناه.

{وَبِذِي القُرْبَى}: وأمر أيضا بذي القربى، وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين إحسانا بصلة رحمه. {واليَتَامى}: جمع يتيم، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك.

{وَالمَساكِينِ}: جمع مسكين، وهو الذي قد ركبه ذلّ الفاقة والحاجة فتمسكن لذلك. يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.

{والجارِ ذِي القُرْبَي}؛ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار ذي القرابة والرحم منك... إذا كان له جار له رحم، فله حقان اثنان: حقّ القرابة، وحقّ الجار.

وقال آخرون: بل هو جار ذي قرابتك... الرجل يتوسل إليك بجوار ذي قرابتك.

وهذا القول قول مخالف المعروف من كلام العرب، وذلك أن الموصوف بأنه ذو القرابة في قوله: {والجارِ ذِي القُرْبَي} الجار دون غيره، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة، ولو كان معنى الكلام كما قال، لقيل: وجار ذي القربى، ولم يقل: والجار ذي القربي، فكان يكون حينئذً إذا أضيف الجار إلى ذي القرابة الوصية ببرّ جار ذي القرابة دون الجار ذي القربي. وأما والجار بالألف واللام فغير جائز أن يكوى «ذي القربى» إلا من صفة الجار. وإذا كان ذلك كذلك كانت الوصية من الله في قوله: {والجارِ ذِي القُرْبَي} ببرّ الجار ذي القربى دون جار ذي القرابة.

وقال آخرون: معنى ذلك: والجار ذي القربي منكم بالإسلام...

{والجارِ ذِي القُرْبَي}: المسلم.

وهذا أيضا مما لا معنى له، وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب، الذين نزل بلسانهم القرآن المعروف فيهم دون الأنكر الذي لا تتعارفه، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها. وإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوما أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل فلان ذو قرابة، إنما يعني به: إنه قريب الرحم منه دون القرب بالدين، كان صرفه إلى القرابة بالرحم أولَى من صرفه إلى القرب بالدين.

{والجارِ الجُنُبِ}؛ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: معنى ذلك: والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه.

وقال آخرون: هو الجار المشرك... اليهودي والنصرانيّ.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى الجنب في هذا الموضع: الغريب البعيد، مسلما كان أو مشركا، يهوديا كان أو نصرانيا¹، لما بينا قبل أن الجار ذي القربى: هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران، قريبهم وبعيدهم. وبعد فإن الجُنب في كلام العرب البعيد، ومنه قيل: اجتنب فلان فلانا: إذا بعد منه. وتجنبه غيره: إذا منعه إياه¹ ومنه قيل للجنب: جُنُب، لاعتزاله الصلاة حتى يغتسل. فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة.

{وَالصّاحِب بالجَنْبِ}؛ اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك؛

فقال بعضهم: هو رفيق الرجل في سفره.

وقال آخرون: بل هو امرأة الرجل التي تكون معه إلى جنبه.

وقال آخرون: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك.

والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى: {وَالصّاحِبِ بالجَنْبِ}: الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجنب فلان وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلان فلانا فهو يَجْنُبُهُ جَنْبا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَبَ الخَيْلَ، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض. وقد يدخل في هذا الرفيق في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاء نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريب منه، وقد أوصى الله تعال بجميعهم لوجوب حقّ الصاحب على المصحوب. وقد: حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: حدثنا ابن أبي فديك، عن فلان بن عبد الله، عن الثقة عنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم في غيضة طرفاء، فقطع فصيلين أحدهما معوجّ والاَخر معتدل، فخرج بهما فأعطى صاحبه المعتدل وأخذ لنفسه المعوجّ، فقال الرجل: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنت أحقّ بالمعتدل مني! فقال: «كَلاّ يا فُلانُ، إنّ كُلّ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبا مَسْؤولٌ عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَوْ ساعَةً مِنْ نَهارٍ».

حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن حيوة، قال: ثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: «إنّ خَيْرَ الأصحَابِ عِنْدَ اللّهِ تَبارَكَ وَتَعالى خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِه، وَخَيْرُ الجِيرانَ عِنْدَ اللّه خَيْرُهُمْ لِجارِه».

وإن كان الصاحب بالجنب معناه ما ذكرناه من أن يكون داخلاً فيه كل من جنب رجلاً يصحبه في سفر أو نكاح أو انقطاع إليه واتصال به، ولم يكن الله جلّ ثناؤه خصّ بعضهم مما احتمله ظاهر التنزيل فالصواب أن يقال: جميعهم معنيون بذلك، وبكلهم قد أوصى الله بالإحسان إليه.

{وَابْنِ السّبِيلِ}؛ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛

فقال بعضهم: ابن السبيل: هو المسافر الذي يجتاز مارّا. وقال آخرون: هو الضيف.

والصواب من القول في ذلك: أن ابن السبيل: هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضارب فيه، فله الحقّ على من مرّ به محتاجا منقطعا به إذا كان سفره في غير معصية الله أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.

{وَما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ}: والذين ملكتموهم من أرقائكم. فأضاف الملك إلى اليمين، كما يقال: تكلم فوك، ومشت رجلُك، وبطشت يدُك، بمعنى: تكلمتَ، ومشيتَ، وبطشتَ. غير أن ما وصفت به كل عضو من ذلك، فإنما أضيف إليه ما وصفت به، لأنه بذلك يكون في المتعارف في الناس دون سائر جوارح الجسد، فكان معلوما بوصف ذلك العضو بما وُصف به من ذلك المعنى المراد من الكلام، فكذلك قوله: {وَمَا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ} لأن مماليك أحدنا تحت يده، إنما يَطعم ما تناوله أيماننا ويكتسي ما تكسوه وتصرّفه فيما أحبّ صرفه فيه بها. فأضيف ملكهم إلى الأيمان لذلك.

عن مجاهد: {وَما مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ} مما خوّلك الله كل هذا أوصى الله به.

وإنما يعني مجاهد بقوله: «كل هذا أوصى الله به» الوالدين وذا القربى واليتامى والمساكين والجار ذا القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، فأوصى ربنا جلّ جلاله بجميع هؤلاء عباده إحسانا إليهم، وأمر خلقه بالمحافظة على وصيته فيهم، فحقّ على عباده حفظ وصية الله فيهم ثم حفظ وصية رسوله صلى الله عليه وسلم.

{إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ مُخْتالاً}: إن الله لا يحبّ من كان ذا خيلاء، والمختال المفتعل من قولك: خال الرجل فهو يَخُول خَوْلاً وخَالاً. وأما الفخور: فهو المفتخر على عباد الله بما أنعم الله عليه من آلائه، وبسط له من فضله، ولا يحد على ما أتاه من طوله، ولكنه به مختال مستكبر، وعلى غيره به مستطيل مفتخر... عن مجاهد: {إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ مُخْتالاً} قال: متكبرا فخورا، قال: يعدّ ما أُعطي، وهو لا يشكر الله.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{وَاعْبُدُوا اللهَ}: العبودية معانقة الأمر ومفارقة الزجر.

{وَلاَ تُشْرِكُوا} الشِّركُ جَلِيُّه اعتقادُ معبودٍ سواه، وخفِيُّه: ملاحظةُ موجود سواه، والتوحيد أن تعرف أنَّ الحادثاتِ كلَّها حاصلةٌ بالله، قائمةٌ به؛ فهو مجريها ومنشيها ومبقيها، وليس لأحد ذرة ولا شظية ولا سينة ولا شمة من الإيجاد والإبداع. ودقائق الرياء وخفايا المصانعات وكوامن الإعجاب والعمل على رؤية الخلْق، واستحلاء مدحهم والذبول تحت ردّهم وذمِّهم -كلُّ ذلك من الشِّرْكِ الخَفِّي...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

(وبالوالدين إحسانا) أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ومن الإحسان بالوالدين: لين الجانب، وألا يرفع صوته فوق صوتهما، ولا يجبه بالرد، ويكون لهما كالعبد الذليل لسيده (وبذي القربى) أي: أحسنوا بذي القربى (واليتامى والمساكين (والجار ذي القربى) فيه قولان: أحدهما: انه الجار الذي له قرابة. والثاني: أنه الجار الذي بقرب داره، وهو الملاصق، (والجار الجنب) فيه قولان: أحدهما: أنه الجار الغريب الأجنبي، والثاني: أنه الجار الذي يبعد داره...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{إنّ اللّهَ لا يُحِبّ مَنْ كانَ مُخْتالاً}: ونفي المحبة عمن هذه صفته ضرب من التوعد، وخص هاتين الصفتين هنا إذ مقتضاهما العجب والزهو، وذلك هو الحامل على الإخلال بالأصناف الذين تقدم أمر الله بالإحسان إليهم، ولكل صنف نوع من الإحسان يختص به، ولا يعوق عن الإحسان إليهم إلا العجب أو البخل، فلذلك نفى الله محبته عن المعجبين والباخلين على أحد التأويلين حسبما نذكره الآن بعد هذا، وقال أبو رجاء الهروي: لا تجده سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ولا عاقاً إلا وجدته جباراً شقياً، والفخر عد المناقب تطاولاً بذلك.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما أرشد كل واحد من الزوجين إلى المعاملة الحسنة مع الآخر وإلى إزالة الخصومة والخشونة، أرشد في هذه الآية إلى سائر الأخلاق الحسنة وذكر منها عشرة أنواع...

النوع الأول: قوله: {واعبدوا الله} قال ابن عباس: المعنى وحدوه، واعلم أن العبادة عبارة عن كل فعل وترك يؤتى به لمجرد أمر الله تعالى بذلك، وهذا يدخل فيه جميع أعمال القلوب وجميع أعمال الجوارح، فلا معنى لتخصيص ذلك بالتوحيد، وتحقيق الكلام في العبادة قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم}...

النوع الثاني: قوله: {ولا تشركوا به شيئا} وذلك لأنه تعالى لما أمر بالعبادة بقوله: {واعبدوا الله} أمر بالإخلاص في العبادة بقوله: {ولا تشركوا به شيئا} لأن من عبد مع الله غيره كان مشركا ولا يكون مخلصا، ولهذا قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}.

النوع الثالث: قوله: {وبالوالدين إحسانا} واتفقوا على أن ههنا محذوفا، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا...

النوع الرابع: قوله تعالى: {وبذي القربى} وهو أمر بصلة الرحم كما ذكر في أول السورة بقوله: {والأرحام}. واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا، إلا أن قرابة الولادة لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم...

النوع الخامس: قوله: {واليتامى} واعلم أن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز: أحدهما: الصغر، والثاني: عدم المنفق، ولا شك أن من هذا حاله كان في غاية العجز واستحقاق الرحمة. قال ابن عباس: يرفق بهم ويربيهم ويمسح رأسهم، وإن كان وصيا لهم فليبالغ في حفظ أموالهم...

النوع السادس: قوله: {والمساكين} واعلم أنه وإن كان عديم المال إلا أنه لكبره يمكنه أن يعرض حال نفسه على الغير، فيجلب به نفعا أو يدفع به ضررا، وأما اليتيم فلا قدرة له عليه، فلهذا المعنى قدم الله اليتيم في الذكر على المسكين، والإحسان إلى المسكين إما بالإجمال إليه، أو بالرد الجميل. كما قال تعالى: {وأما السائل فلا تنهر}...

النوع السابع: قوله: {والجار ذي القربى} قيل: هو الذي قرب جواره، والجار الجنب هو الذي بعد جواره. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه ألا وإن الجوار أربعون دارا» وكان الزهري يقول: أربعون يمنة، وأربعون يسرة، وأربعون أماما وأربعون خلفا...

.

النوع التاسع: قوله: {والصاحب بالجنب} وهو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب الجنب: المرأة فأنها تكون معك وتضجع إلى جنبك...

النوع العاشر: قوله: {وابن السبيل} وهو المسافر الذي انقطع عن بلده، وقيل: الضيف. النوع الحادي عشر: قوله: {وما ملكت أيمانكم}...

واعلم أن الإحسان إلى المماليك طاعة عظيمة، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فإن للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله» وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام، والسيد كان يزيده ضربا، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: أعوذ برسول الله فتركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كان أحق أن يجار عائذه» قال يا رسول الله فإنه حر لوجه الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار». واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه: أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به، وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة، وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه. وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن. وقال بعضهم: كل حيوان فهو مملوك، والإحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة. واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال: مشت رجلك، وأخذت يدك، قال عليه الصلاة والسلام: «على اليد ما أخذت» وقال تعالى: {مما عملت أيدينا أنعاما} ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال: {إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} والمختال ذو الخيلاء والكبر. قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد. قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأن المختال يأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء فلا يحسن عشرتهم. وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله: {والخيل المسومة} ومعنى الفخر التطاول، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا. قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع، لأن المختال هو المتكبر، وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق، ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه الحقوق لأجل الرياء والسمعة، بل لمحض أمر الله تعالى...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى: العدل والفضل، والترغيب في نواله، والترهيب من نكاله -إلى أن ختم ذلك بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى، وختم الآية بما هو في الذروة من حسن الختام من صفتي العلم والخبر، وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة بالتقوى من الوصف بالرقيب، اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت السورة بالأمر بها، فكان التقدير حتماً: فاتقوه؛ عطف عليه، أو على نحو

{وسئلوا الله من فضله} [النساء: 32] أو على {اتقوا ربكم} الخُلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة، وهو العبادة الخالصة التي هي الإحسان في معاملة الخالق، وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق فقال: {واعبدوا الله} أي أطيعوا- الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء -طاعة محضة من غير شائبة خلاف مع الذل والانكسار، لأن ملاك ذلك كله التعبد بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر.

ولما كان سبحانه غنياً لم يقبل إلا الخالص، فقال مؤكداً لما أفهمه ما قبله: {ولا تشركوا به شيئاً}.

ولما أمر للواحد الحقيقي بما ينبغي له، وكان لذلك درجتان: أولاهما الإيمان، وأعلاهما الإحسان، فصار المأمور بذلك مخلصاً في عبادته؛ أمره بالإحسان في خلافته، وبدأ بأولى الناس بذلك، وهو من جعله سبباً لإيجاده فقال- مشيراً إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان، وإلى أن من أخلص له أغناه عن كل ما سواه، فلا يزال منعماً على من عداه -: {وبالوالدين} أي وأحسنوا بهما {إحساناً} وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه.

ولما كان مبنى السورة على الصلة لاسيما الذي الرحم، قال مفصلاً لما ذكر أول السورة تأكيداً له: {وبذي القربى} لتأكد حقهم بمزيد قربهم، ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف أعاد الجار، ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله، أو لمعنى تفسد بالإخلال به ذات البين، وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه غيره فقال: {واليتامى والمساكين} أي وإن لم تكن رحمهم معروفة، وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه أضعف، لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره {والجار ذي القربى} أي لأن له حقين {والجار الجنب} أي الذي لا قرابة له، للبلوى بعشرته خوفاً من بالغ مضرته "اللهم! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول "{والصاحب الجنب} أي الملاصق المخالط في أمر من الأمور الموجبة لامتداد العشرة {وابن السبيل} أي المسافر لغربته وقلة ناصره ووحشته {وما ملكت أيمانكم} أي من العبيد والإماء كذلك، فإن الإحسان إليهم طاعة عظيمة "آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم".

ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع والكرم، ختم الآية ترغيباً فيه وتحذيراً من منعه معللاً للأمر به بقوله: {إن الله} أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى {لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب مع {من كان مختالاً} أي متكبراً معجباً بنفسه متزيناً بحليته مرائياً بما آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير، يأنف من أن ينسب إليه أقاربه الفقراء، ويقذر جيرانه إذا كانوا ضعفاء، فلا يحسن إليهم لئلا يلمّوا به فيعيَّر بهم.

ولما كان المختال ربما أحسن رياء، قال معلماً أنه لا يقبل إلا الخالص: {فخوراً} مبالغاً في التمدح بالخصال، يأنف من عشرة الفقراء، وفي ذلك أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان، وهو الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم، فإنه لا مقتضى لذلك لأن الكل من نفس واحدة، والفضل نعمة منه سبحانه، يجب شكرها بالتواضع لتدوم، ويحذر كفرها بالفخار خوفاً من أن تزول.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

الأستاذ الإمام: كل ما تقدم من الأحكام كان خاصا بنظام القرابة والمصاهرة وحال البيوت التي تتكون منها الأمة، ثم إنه تعالى بعد بيان تلك الأحكام الخصوصية، أراد أن ينبهنا إلى بعض الحقوق العمومية، وهي العناية بكل من يستحق العناية وحسن المعاملة من الناس، فبدأ ذلك بالأمر بعبادته تعالى، وعبادته ملاك حفظ الأحكام والعمل بها وهي الخضوع له تعالى وتمكين هيبته وخشيته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، فمتى كان الإنسان على هذا فإنه يقيم هذه الأحكام وغيرها حتى تصلح جميع أعماله ولذلك كانت النية عندنا تجعل الأعمال العادية عبادات كالزارع يزرع ليقيم أمر بيته ويعول من يمونه ويفيض من فضل كسبه على الفقراء والمساكين ويساعد على الأعمال ذات المنافع العامة فعمله بهذه النية يجعل حرثه من أفضل العبادات فليست العبادة في قوله هنا: {واعبدوا الله} خاصة بالتوحيد كما قال المفسر (الجلال) بل هي عامة كما قلنا تشمل التوحيد وجميع ما يمده من الأعمال...

أقول: ثم عقب الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك بالوصية بالوالدين فقال: {وبالوالدين إحسانا} أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا تاما لا تقصروا في شيء منه يقال أحسن به وأحسن له وأحسن إليه، وقيل إذا تعدى الإحسان بالباء يكون متضمنا لمعنى العطف وعندي أن التعدية بالباء أبلغ لإشعارها بإلصاق الإحسان بمن يوجه إليه من غير إشعار بالفرق بينه وبين المحسن، والتعدية ب"إلى" تشعر بطرفين متباعدين يصل الإحسان من أحدهما إلى الآخر...

والإحسان في المعاملة يعرفه كل أحد وهو يختلف باختلاف أحوال الناس وطبقاتهم وإن العامي الجاهل ليدري كيف يحسن إلى والديه ويرضيهما ما لا يدري العالم النحرير إذا أراد أن يحدد له ذلك، وقال بعضهم إن جماع الإحسان المأمور به أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ولا يخشن في الكلام معهما، وأن يسعى في تحصيل مطالبهما والإنفاق عليهما بقدر سعته، وأنت تعلم أن من فعل ذلك وهو لا يلقاهما إلا عابسا مقطبا، أو أدى النفقة التي يحتاجان إليها وهو يظهر الفاقة والقلة فإنه لا يعد محسنا بهما، فالتعليم الحرفي لا يحدد الإحسان المطلوب من كل أحد بل العمدة فيها اجتهاد المرء وإخلاص قلبه في تحري ذلك بقدر طاقته وحسب فهمه لأكمل الإرشاد الإلهي التفصيلي في ذلك بقوله عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا* ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} [الإسراء:23 25] فأنت ترى الرب العليم الحكيم الرحيم قد قفى هذه الوصية البليغة الدقيقة ببيان أن العبرة بما في نفس الولد من قصد البر والإحسان والإخلاص فيه وأن التقصير مع هذا مرجو الغفران، وقد فصل بعض العلماء القول في ذلك كالغزالي في الإحياء وابن حجر في الزواجر...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هناك أكثر من مناسبة واحدة، تربط بين مطلع هذا الدرس؛ وبين محور السورة كلها، وموضوعاتها الأساسية من ناحية؛ وبينه وبين موضوعات الدرس السابق في هذا الجزء من ناحية أخرى. فهذا الدرس بدء جولة في تنظيم حياة المجتمع المسلم؛ وتخليصه من رواسب الجاهلية، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة؛ والتحذير من أهل الكتاب -وهم اليهود بالمدينة- وما جبلوا عليه من شر ونكر؛ وما ينفثونه في المجتمع المسلم، وما يبذلونه من جهود لتعويق نموه وتكامله -وبخاصة من الناحية الأخلاقية، وناحية التكافل والتعاون، اللتين هما موضع القوة النامية في هذا المجتمع الجديد.. ولأن الدرس الجديد جولة جديدة، فقد بدأ بالقاعدة الأولية التي يقوم عليها المجتمع المسلم- قاعدة التوحيد الخالص -التي تنبثق منها حياته؛ وينبثق منها منهج هذه الحياة، في كل جانب، وفي كل اتجاه. وقد سبق هذا الدرس أشواط منوعة في التنظيم العائلي، والتنظيم الاجتماعي. وكان الحديث في الدرس السابق عن الأسرة وتنظيمها ووسائل صيانتها، والروابط التي تشدها وتوثق بناءها.. فجاء هذا الدرس يتناول علاقات إنسانية- في المجتمع المسلم -أوسع مدى من علاقات الأسرة؛ ومتصلة بها كذلك. متصلة بها بالحديث عن الوالدين. ومتصلة بها في توسعها بعد علاقة الوالدين، لتشمل علاقات أخرى؛ ينبع الشعور بها من المشاعر الودود الطيبة التي تنشأ في جو الأسرة المتحابة؛ حتى تفيض على جوانب الإنسانية الأخرى؛ ويتعلمها الإنسان- أول من يتعلمها -في جو الأسرة الحاني ومحضنها الرفيق. ومن هناك يتوسع في علاقاته بأسرة الإنسانية كلها؛ بعدما بذرت بذورها في حسه أسرته الخاصة القريبة. ولأن في الدرس الجديد توجيهات إلى رعاية الأسرة القريبة- العائلة -والأسرة الكبيرة- الإنسانية -وإقامة قيم وموازين في هذا الحقل، للباذلين وللباخلين.. فقد ابتدأ الدرس بالقاعدة الأساسية التي تنبثق منها كل القيم والموازين- كما ينبثق منها منهج الحياة كله في المجتمع المسلم -وهي قاعدة التوحيد.. وربط كل حركة وكل نشاط، وكل خالجة وكل انفعال بمعنى العبادة لله. التي هي غاية كل نشاط إنساني، في ضمير المسلم وفي حياته.. وبسبب من الحديث عن عبادة الله وحده- في محيطها الشامل -جاءت الفقرة الثانية في الدرس؛ تبين بعض أحكام الصلاة والطهارة؛ وتتخذ خطوة في طريق تحريم الخمر- ولم تكن قد حرمت بعد -باعتبار هذه الخطوة جزءا من برنامج التربية الإسلامية العامة الدائبة الخطى في المجتمع الوليد. وباعتبار علاقتها بالعبادة والصلاة والتوحيد...

. حلقات متماسكة بعضها مع بعض. ومع الدرس السابق. ومع محور السورة كذلك...

(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. وبالوالدين إحسانا. وبذي القربى واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب. وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم...). إن التشريعات والتوجيهات- في منهج الله -إنما تنبثق كلها من أصل واحد، وترتكز على ركيزة واحدة. إنها تنبثق من العقيدة في الله، وترتكز على التوحيد المطلق سمة هذه العقيدة.. ومن ثم يتصل بعضها ببعض؛ ويتناسق بعضها مع بعض؛ ويصعب فصل جزئية منها عن جزئية؛ وتصبح دراسة أي منها ناقصة بدون الرجوع إلى أصلها الكبير الذي تلتقي عنده؛ ويصبح العمل ببعضها دون البعض الآخر غير واف بتحقيق صفة الإسلام؛ كما أنه غير واف بتحقيق ثمار المنهج الإسلامي في الحياة...

من العقيدة في الله تنبع كل التصورات الأساسية للعلاقات الكونية والحيوية والإنسانية. تلك التصورات التي تقوم عليها المناهج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والعالمية. والتي تؤثر في علاقات الناس بعضهم ببعض، في كل مجالي النشاط الإنساني في الأرض؛ والتي تكيف ضمير الفرد وواقع المجتمع؛ والتي تجعل المعاملات عبادات- بما فيها من اتباع لمنهج الله ومراقبة الله -والعبادات قاعدة للمعاملات- بما فيها من تطهير للضمير والسلوك -والتي تحيل الحياة في النهاية وحدة متماسكة؛ تنبثق من المنهج الرباني، وتتلقى منه وحده دون سواه، وتجعل مردها في الدنيا والآخرة إلى الله...

هذه السمة الأساسية في العقيدة الإسلامية، وفي المنهج الإسلامي، وفي دين الله الصحيح كله، تبرز هنا في تصدير آية الإحسان إلى الوالدين والأقربين، وغيرهم من طوائف الناس. بعبادة الله وتوحيده- كما أسلفنا -ثم في الجمع بين قرابة الوالدين، وقرابة هذه الطوائف من الناس، متصلة هذه وتلك بعبادة الله وتوحيده- كذلك -وذلك بعد أن جعل هذه العبادة وهذا التوحيد واسطة ما بين دستور الأسرة القريبة في نهاية الدرس الماضي، ودستور العلاقات الإنسانية الواسعة في هذا الدرس- على النحو الذي بينا من قبل -ليصلها جميعا بتلك الآصرة التي تضم الأواصر جميعا؛ وليوحد المصدر الذي يشرع ويوجه في شأن هذه الأواصر جميعا...

. اعبدوا الله.. ولا تشركوا به شيئًا.. الأمر الأول بعبادة الله.. والنهي الثاني لتحريم عبادة أحد- معه -سواه. نهيا باتا، شاملا، لكل أنواع المعبودات التي عرفتها البشرية: (ولا تشركوا به شيئًا) شيئا كائنا ما كان، من مادة أو حيوان أو إنسان أو ملك أو شيطان.. فكلها مما يدخل في مدلول كلمة شيء، عند إطلاق التعبير على هذا المنوال.. ثم ينطلق إلى الأمر بالإحسان إلى الوالدين- على التخصيص -ولذوي القربي- على التعميم -ومعظم الأوامر تتجه إلى توصية الذرية بالوالدين- وإن كانت لم تغفل توجيه الوالدين إلى الذرية؛ فقد كان الله أرحم بالذراري من آبائهم وأمهاتهم في كل حال. والذرية بصفة خاصة أحوج إلى توجيهها للبر بالوالدين. بالجيل المدبر المولي. إذ الأولاد -في الغالب- يتجهون بكينونتهم كلها، وبعواطفهم ومشاعرهم واهتماماتهم إلى الجيل الذي يخلفهم؛ لا الجيل الذي خلفهم! وبينما هم مدفوعون في تيار الحياة إلى الأمام، غافلون عن التلفت إلى الوراء، تجيئهم هذه التوجيهات من الرحمن الرحيم، الذي لا يترك والدا ولا مولودا، والذي لا ينسى ذرية ولا والدين؛ والذي يعلم عباده الرحمة بعضهم ببعض، ولو كانوا ذرية أو والدين!... كذلك يلحظ في هذه الآية -وفي كثير غيرها- أن التوجيه إلى البر يبدأ بذوي القربي -قرابة خاصة أو عامة- ثم يمتد منها ويتسع نطاقه من محورها، إلى بقية المحتاجين إلى الرعاية من الأسرة الإنسانية الكبيرة. وهذا المنهج يتفق -أولا- مع الفطرة ويسايرها. فعاطفة الرحمة، ووجدان المشاركة، يبدآن أولا في البيت. في الأسرة الصغيرة. وقلما ينبثقان في نفس لم تذق طعم هذه العاطفة ولم تجد مس هذا الوجدان في المحضن الأول. والنفس كذلك أميل إلى البدء بالأقربين -فطرة وطبعا- ولا بأس من ذلك ولا ضير؛ ما دامت توجه دائما إلى التوسع في الدائرة من هذه النقطة ومن هذا المحور.. ثم يتفق المنهج -ثانيا- مع طريقة التنظيم الاجتماعي الإسلامية: من جعل الكافل يبدأ في محيط الأسرة؛ ثم ينساح في محيط الجماعة. كي لا يركز عمليات التكافل في يد الأجهزة الحكومية الضخمة -إلا عندما تعجز الأجهزة الصغيرة المباشرة- فالوحدات المحلية الصغيرة أقدر على تحقيق هذا التكافل: في وقته المناسب وفي سهولة ويسر. وفي تراحم وود يجعل جو الحياة لائقا ببني الإنسان!... وهنا يبدأ بالإحسان إلى الوالدين. ويتوسع منهما إلى ذوي القربي. ومنهم إلى اليتامى والمساكين -ولو أنهم قد يكونون أبعد مكانا من الجار. ذلك أنهم أشد حاجة وأولى بالرعاية- ثم الجار ذو القرابة. فالجار الأجنبي -مقدمين على الصاحب المرافق- لأن الجار قربه دائم، أما الصاحب فلقاؤه على فترات -ثم الصاحب المرافق- وقد ورد في تفسيره أنه الجليس في الحضر، الرفيق في السفر -ثم ابن السبيل. العابر المنقطع عن أهله وماله. ثم الرقيق الذين جعلتهم الملابسات "ملك اليمين "ولكنهم يتصلون بآصرة الإنسانية الكبرى بين بني آدم أجمعين. ويعقب على الأمر بالإحسان، بتقبيح الاختيال والفخر (إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا)...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} هذا أول الخط الذي يسير فيه الفاضل في علاقته بالله وبالناس، وهو أول الخط المستقيم، والعبادة معناها خلوص النفس لله تعالى، والاتجاه إليه وحده، والإخلاص في كل ما يعمل لله تعالى، وهي بهذا المعنى تشمل العبادات من صلاة وحج وصوم، وصدقات. والصلاة لب العبادة، وهي ذات صور مختلفة في الديانات، ولكنها في صميمها لا تكون صلاة إلا إذا تحققت فيها الضراعة التامة، والاتجاه إلى الله وحده، وعدم الانشغال عنه سبحانه بأي عرض من أعراض الدنيا. وهذه هي العبادات المفروضة، وبعدها يكون الاتجاه إلى الله تعالى في كل مقصد وعمل، ولا يحس بالالتجاء إلا له، فالدعاء له وحده، لا يشرك معه أحدا في دعائه، ولذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال:"الدعاء مخ العبادة". ويلي هذه المرتبة في سمو العبادة ألا يفعل العمال إلا لله، ولا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا في الله...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

بعد أن تكلم الحق على ما سبق من الأحكام في الزواج وفي المحرمات، وأخذنا من مقابلها المحللات، وتكلم عمن لا يستطيع طولا وتكلم عن المال.. وحذرنا أن نأكله بالباطل، وتكلم عن الحال بين الرجل والمرأة، وبعد ذلك لفتنا الحق ووجهنا ونبهنا إلى المنهج الأعلى وهو قوله سبحانه: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا}...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

فيه ثمان عشرة مسألة :

الأولى : أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه ، ليس منها شيء منسوخ . وكذلك هي في جميع الكتب . ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل ، وإن لم ينزل به الكتاب . وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار ، لمن له الحكم والاختيار ؛ فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه ، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره . قال الله تعالى " فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " {[4373]} [ الكهف : 110 ] حتى لقد قال بعض علمائنا : إنه من تطهر تبردا أو صام محميا لمعدته ، ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه ؛ لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص ، كما قال تعالى : " ألا لله الدين الخالص " {[4374]} [ الزمر : 3 ] . وقال تعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " {[4375]} [ البينة : 5 ] . وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره ؛ لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) . وروى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة : القوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي ) . وروي أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء ) .

مسألة : إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا : الشرك على ثلاث مراتب وكله محرم . وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته ، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية ، وهو المراد بقوله تعالى : " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " . [ النساء : 48 ] . ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل ، وهو قول من قال : إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الأمة ، وقد تبرأ منهم ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام . ويلي هذه الرتبة الإشراك في العبادة وهو الرياء ، وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره . وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه ، وهو مبطل للأعمال وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي . ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه " الرعاية " وبين إفساده للأعمال . وفي سنن ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ) . وفيه عن أبي سعيد الخدري قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيخ الدجال فقال : ( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ الدجال ؟ ) قال : فقلنا بلى يا رسول الله . فقال : ( الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ) . وفيه عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية ) خرجه الترمذي الحكيم . وسيأتي في آخر الكهف{[4376]} ، وفيه بيان الشهوة الخفية . وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهوة الخفية فقال : ( هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه ) . قال سهل بن عبدالله التستري رضي الله عنه : الرياء على ثلاثة وجوه :

أحدها : أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله ، فهذا صنف من النفاق وتشكك في الإيمان .

والآخر : يدخل في الشيء لله فإذا اطلع عليه غير الله نشط ، فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمل .

والثالث : دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى مدحهم ، فهذا الرياء الذي نهى الله عنه . قال سهل : قال لقمان لابنه : الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا ، وإنما عمل القوم للآخرة . قيل له : فما دواء الرياء ؟ قال : كتمان العمل ، قيل له : فكيف يكتم العمل ؟ قال : ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص ، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا يطلع عليه إلا الله . قال : وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل . وقال أيوب السختياني : ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله .

قلت : قول سهل " والثالث دخل في العمل بالإخلاص " إلى آخره ، إن كان سكونه وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبروه وينال ما يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم ؛ لأن قلبه مغمور فرحا باطلاعهم عليه ، وإن كانوا قد اطلعوا عليه بعد الفراغ . فأما من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب إطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة ؛ كما قال تعالى : " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " {[4377]} [ يونس : 58 ] . وبسط هذا وتتميمه في كتاب " الرعاية للمحاسبي " ، فمن أراده فليقف عليه هناك . وقد سئل سهل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ( أني أسر العمل فيطلع عليه فيعجبني ) قال : يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا . فهذه جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال . وقد مضى في " البقرة " {[4378]} . حقيقة الإخلاص . والحمد لله .

الثانية : قوله تعالى : " وبالوالدين إحسانا " قد تقدم في صدر هذه السورة أن من الإحسان إليهما عتقهما ، ويأتي في " سبحان " {[4379]} [ الإسراء : 1 ] حكم برهما معنى مستوفى . وقرأ ابن أبي عبلة " إحسان " بالرفع أي واجب الإحسان إليهما . الباقون بالنصب ، على معنى أحسنوا إليهما إحسانا . قال العلماء : فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان ؛ فقال تعالى : " أن اشكر لي ولوالديك{[4380]} . [ لقمان : 14 ] . وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلي بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين " .

الثالثة : قوله تعالى : " وبذي القربى واليتامى والمساكين " وقد مضى الكلام فيه في ( البقرة ){[4381]} .

الرابعة : قوله تعالى : " والجار ذي القربى والجار الجنب " أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه . ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى : " والجار ذي القربى " أي القريب . " والجار الجنب " أي الغريب ؛ قال ابن عباس ، وكذلك هو في اللغة . ومنه فلان أجنبي ، وكذلك الجنابة البعد . وأنشد أهل اللغة :

فلا تحرِمَّنِي نائلا عن جنابة *** فإني امرؤ وسط القباب غريب{[4382]}

وقال الأعشى :

أتيت حُرَيْثاً زائرا عن جنابة *** فكان حريث{[4383]} عن عطائي جامدا

وقرأ الأعمش والمفضل " والجار الجنب " بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان ، يقال : جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة ، وجمعه أجانب . وقيل : على تقدير حذف المضاف ، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية . وقال نوف الشامي : " الجار ذي القربى " المسلم " والجار الجنب " اليهودي والنصراني .

قلت : وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا ، وهو الصحيح . والإحسان قد يكون بمعنى المواساة ، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه . روى البخاري عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) . وروي عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) قيل : يا رسول الله ومن ؟ قال : ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) وهذا عام في كل جار . وقد أكد عليه السلام ترك إذايته بقسمه ثلاث مرات ، وأنه لا يؤمن الكامل من أذى جاره . فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره ، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه ، ويرغب فيما رضياه وحضا العباد عليه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الجيران ثلاثة : فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد ، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام ، والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار ، والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار ) .

الخامسة : روى البخاري عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله ، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ، قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) . فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى : " والجار ذي القربى " وأنه القريب المسكن منك . " والجار الجنب " هو البعيد المسكن منك . واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار ، وعضدوه وبقوله عليه السلام : ( الجار أحق بصقبه ){[4384]} . ولا حجة في ذلك ، فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره . قال ابن المنذر : فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق . وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال : إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له . وعوام العلماء يقولون : إن أوصى الرجل لجيرانه أعطي اللصيق وغيره ، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال : لا يعطى إلا اللصيق وحده .

السادسة : واختلف الناس في حد الجيرة ، فكان الأوزاعي يقول : أربعون دارا من كل ناحية ، وقال ابن شهاب . وروي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد : ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه{[4385]} . وقال علي بن أبي طالب : من سمع النداء فهو جار . وقالت فرقة : من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد . وقالت فرقة : من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار . قال الله تعالى : " لئن لم ينته المنافقون " [ الأحزاب : 60 ] إلى قوله : " ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " {[4386]} فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا . والجيرة مراتب بعضها الصق من بعض ، أدناها الزوجة ؛ كما قال :

أيا جارتا بيني فإنك طالقة{[4387]}

السابعة : ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ) . فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق ؛ لما رتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة ؛ فإن الجار قد يتأذى بقتار{[4388]} قدر جاره ، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة ، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة ، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة . وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل . وكل هذا يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليهم ، ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية ؛ لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها ، فإذا رأى ذلك أحب أن يشارك فيه ، وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عندما ينويه من حاجة في أوقات الغفلة والغرة ؛ فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب . والله أعلم .

الثامنة : قال العلماء : لما قال عليه السلام " فأكثر ماءها " نبه بذلك على تيسير الأمر على البخيل تنبيها لطيفا ، وجعل الزيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء ؛ ولذلك لم يقل : إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها ؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد . ولقد أحسن القائل :

قِدْري وقدر الجار واحدة *** وإليه قبلي تُرفع القِدر

ولا يهدى النزر اليسير المحتقر ؛ لقوله عليه السلام : ( ثم أنظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف ) أي بشيء يهدى عرفا ؛ فإن القليل وإن كان مما يهدى فقد لا يقع ذلك الموقع ، فلو لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقر ، وعلى المهدى إليه قبوله ؛ لقوله عليه السلام : ( يا نساء المؤمنات لا تحتقرن إحداكن لجارتها ولو كراع{[4389]} شاة محرقا ) أخرجه مالك في موطئه . وكذا قيدناه ( يا نساء المؤمنات ) بالرفع على غير الإضافة ، والتقدير : يا أيها النساء المؤمنات ، كما تقول يا رجال الكرام ؛ فالمنادى محذوف وهو يا أيها ، والنساء في التقدير النعت لأيها ، والمؤمنات نعت للنساء . قد قيل : فيه : يا نساء المؤمنات بالإضافة ، والأول أكثر .

التاسعة : من إكرام الجار ألا يمنع من غرز خشبة له إرفاقا به ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ) . ثم يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمين بها بين أكنافكم . روي " خشبه وخشبة " على الجمع والإفراد . وروي " أكتافهم " بالتاء و " أكنافهم " بالنون . ومعنى " لأرمين بها " أي بالكلمة والقصة .

وهل يقضى بهذا على الوجوب أو الندب ؟ فيه خلاف بين العلماء . فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه ، وليس ذلك على الوجوب ؛ بدليل قوله عليه السلام : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) . قالوا : ومعنى قوله ( لا يمنع أحدكم جاره ) هو مثل معنى قوله عليه السلام : ( إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها ) . وهذا معناه عند الجميع الندب ، على ما يراه الرجل من الصلاح والخير في ذلك . وقال{[4390]} الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الحديث : إلى أن ذلك على الوجوب . قالوا : ولولا أن أبا هريرة فهم فيما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم معنى الوجوب ما كان ليوجب عليهم غير واجب . وهو مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؛ فإنه قضى على محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة في الخليج أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة ، فقال محمد بن مسلمة : لا والله . فقال عمر : والله ليمرن به ولو على بطنك . فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك ؛ رواه مالك في الموطأ .

وزعم الشافعي في كتاب " الرد " أن مالكا لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر في هذا الباب ، وأنكر على مالك أنه رواه وأدخله في كتابه ولم يأخذ به ورده برأيه . قال أبو عمر : ليس كما زعم الشافعي ؛ لأن محمد بن مسلمة كان رأيه في ذلك خلاف رأي عمر ، ورأي الأنصار أيضا كان خلافا لرأي عمر ، وعبدالرحمن بن عوف في قصة الربيع{[4391]} وتحويله - والربيع الساقية - وإذا اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى النظر ، والنظر ، يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بعضهم على بعض حرام إلا ما تطيب به النفس خاصة ، فهذا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويدل على الخلاف في ذلك قول أبي هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمينكم بها ، هذا أو نحوه . أجاب الأولون فقالوا : القضاء بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله عليه السلام : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) لأن هذا معناه التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بينهما في الحكم . فغير واجب أن يجمع بين ما فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم . وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاض يقضي به يسمى أبو المطلب{[4392]} . واحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال : استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول : أبشر هنيئا لك الجنة ؛ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ( وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره ) . والأعمش لا يصح له سماع من أنس ، والله أعلم . قاله أبو عمر .

العاشرة : ورد حديث جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه مرافق الجار ، وهو حديث معاذ بن جبل قال : قلنا يا رسول الله ، ما حق الجار ؟ قال : ( إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته وإن احتاج أعطيته وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير سرك وهنيته وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته ولا تؤذه بنار قدرك إلا أن تعرف له منها ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله ) أو كلمة نحوها . هذا حديث جامع وهو حديث حسن ، في إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني غير مرضي .

الحادية عشرة : قال العلماء : الأحاديث في إكرام الجار جاءت مطلقة غير مقيدة حتى الكافر كما بينا . وفي الخبر قالوا : يا رسول الله أنطعمهم من لحوم النسك ؟ قال : ( لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين ) . ونهيه صلى الله عليه وسلم عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه ولا أن يطعمه الأغنياء ، فأما غير الواجب الذي يجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل الذمة . قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة عند تفريق لحم الأضحية : ( ابدئي بجارنا اليهودي ) . وروي أن شاة ذبحت في أهل عبدالله بن عمرو فلما جاء قال : أهديتم لجارنا اليهودي ؟ - ثلاث مرات - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .

الثانية عشرة : قوله تعالى : " والصاحب بالجنب " أي الرفيق في السفر . وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم غيضة{[4393]} ، فقطع قضيبين أحدهما معوج ، فخرج وأعطى لصاحبه القويم ، فقال : كنت يا رسول الله أحق بهذا ! فقال : ( كلا{[4394]} يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسؤول عن صحابته ولو ساعة من نهار ) . وقال ربيعة بن أبي عبدالرحمن : للسفر مروءة وللحضر مروءة ، فأما المروءة في السفر فبذل الزاد ، وقلة الخلاف على الأصحاب ، وكثرة المزاح في غير مساخط الله . وأما المروءة في الحضر فالإدمان إلى المساجد ، وتلاوة القرآن وكثرة الإخوان في الله عز وجل . ولبعض بني أسد - وقيل إنها لحاتم الطائي :

إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي *** له مركب فضلاً فلا حملت رِجلي

ولم يك من زادي له شطرُ مِزوَدِي *** فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضل

شريكان فيما نحن فيه وقد أرى *** علي له فضلا بما نال من فضلي

وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى : " الصاحب بالجنب " الزوجة . ابن جريج : هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك . والأول أصح ، وهو قول ابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك . وقد تتناول الآية الجميع بالعموم . والله أعلم .

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " وابن السبيل " قال مجاهد : هو الذي يجتاز بك مارا . والسبيل الطريق ، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه . ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده .

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " وما ملكت أيمانكم " أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك ، وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فروى مسلم وغيره عن المعرور بن سويد قال : مررنا بأبي ذر بالربذة{[4395]} وعليه برد وعلى غلامه مثله ، فعلنا : يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة ؛ فقال : إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام ، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه ، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية ) قلت : يا رسول الله ، من سب الرجال سبوا أباه وأمه . قال : ( يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) . وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه ، فقال له قائل : لو أنزلته يسعى خلف دابتك ؛ فقال أبو هريرة : لأن يسعى معي ضغثان{[4396]} من نار يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي . وخرج أبو داود عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لا يلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) . لايمكم وافقكم . والملايمة الموافقة .

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) وقال عليه السلام : ( لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي ) وسيأتي بيانه في سورة يوسف{[4397]} عليه السلام . فندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يروا لأنفسهم مزية على عبيدهم ؛ إذ الكل عبيدالله والمال مال الله ، لكن سخر بعضهم لبعض ، وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة وتنفيذا للحكمة ؛ فإن أطعموهم أقل مما يأكلون ، وألبسوهم أقل مما يلبسون صفه ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه . ولا خلاف في ذلك والله أعلم . وروى مسلم عن عبدالله بن عمرو إذ جاءه قهرمان{[4398]} له فدخل فقال : أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال لا . قال : فأنطلق فأعطهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) .

الخامسة عشرة : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ضرب عبده حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه ){[4399]} . ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم يكن عليه حد . وجاء عن نفر من الصحابة أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب وأعتقوا الخادم لما لم يرد القصاص وقال عليه السلام : ( من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحد يوم القيامة ثمانين ) . وقال عليه السلام : ( لا يدخل الجنة سيئ الملكة ){[4400]} . وقال عليه السلام : ( سوء الخلق شوم وحسن الملكة نماء وصلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تدفع ميتة السوء ) .

السادسة عشرة : واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد ؟ فروى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( للعبد المملوك المصلح أجران ) والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك . وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مدتين ) . فاستدل بهذا وما كان مثله من فضل العبد ؛ لأنه مخاطب من جهتين : مطالب بعبادة الله ، مطالب بخدمة سيده . وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبدالبر النمري وأبو بكر محمد بن عبدالله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ . استدل من فضل الحر بأن قال : الاستقلال بأمور الدين والدنيا وإنما يحصل بالأحرار والعبد كالمفقود لعدم استقلال ، وكالآلة المصرفة بالقهر ، وكالبهيمة المسخرة بالجبر ؛ ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الولايات ، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار ، والحر وإن طولب من جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر ، وعناؤه أعظم فثوابه أكثر . وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله : لولا الجهاد والحج ، أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور . والله أعلم .

السابعة عشرة : روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن ، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا ، وما زال يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفي فمي - وروي حتى كاد - وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لا ينامون ليلا ) . ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره .

الثامنة عشرة : قوله تعالى : " إن الله لا يحب " أي لا يرضى . " من كان مختالا فخورا " فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته ، أي لا يظهر عليه آثار نعمه في الآخرة . وفي هذا ضرب من التوعد . والمختال ذو الخيلاء أي الكبر . والفخور : الذي يعدد مناقبه كبرا . والفخر : البذخ{[4401]} والتطاول . وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم . وقرأ عاصم فيما ذكر المفضل عنه " والجار الجنب " بفتح الجيم وسكون النون . قال المهدوي : هو على تقدير حذف المضاف ؛ أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية . وأنشد الأخفش :

الناس جنبٌ والأمير جنبُ{[4402]}

والجنب الناحية ، أي المتنحي عن القرابة . والله أعلم .


[4373]:راجع ج 11 ص 64.
[4374]:راجع ج 15 ص 232.
[4375]:راجع ج 20 ص 144.
[4376]:راجع ج 11 ص 69.
[4377]:راجع ج 8 ص 353.
[4378]:راجع ج 2 ص 146.
[4379]:راجع ج 10 ص 236.
[4380]:راجع ج 14 ص 63.
[4381]:راجع ج 2 ص 14.
[4382]:البيت لعلقمة بن عبدة يخاطب به الحارث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا، وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأسا من سجنه فأطلقه ومن أسر معه من بني تميم. (عن اللسان).
[4383]:كذا في ز، وديوان الأعشى ط أوربا ص 49، وفي تفسير الطبري: فكان حريث في عطائي جاهدا وفي باقي الأصول: عن عطائي حامدا.
[4384]:الصقب: الملاصقة والقرب، والمراد به الشفعة.
[4385]:بوائقه: أي غوائله وشروره، واحدها بائقة، وهي الداهية.
[4386]:راجع ج 14 ص 245.
[4387]:هذا صدر بيت للأعشى وعجزه: كذاك أمور الناس غاد وطارقه
[4388]:القتار (بضم القاف): ريح القدر والشواء ونحوهما.
[4389]:الكراع من البقر والغنم: بمنزلة الوظيف من الخيل والإبل والحمر، وهو مستدق الساق العاري من اللحم، يذكر ويؤنث، والجمع أكرع ثم أكارع.
[4390]:كذا في الأصول: قال. إلى. ضمنه معنى ذهب.
[4391]:راجع الموطأ باب "القضاء في المرافق".
[4392]:في الأصول: "يسمى المطلب" والتصويب عن شرح الموطأ.
[4393]:الغيضة (بالفتح): الأجمة ومجتمع الشجر في مغيض ماء.
[4394]:في الطبري "كلا" وسقطت من الأصول وابن عطية.
[4395]:الربذة (بالتحريك). من قرى المدينة على ثلاثة أميال، بها مدفن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
[4396]:ضغثان: حزمتان من حطب فاستعارهما للنار، يعني أنهما قد اشتعلتا وصارتا نارا.
[4397]:راجع ج 9 ص 176، 188، 222.
[4398]:القهرمان (بفتح القاف وتضم) كالخازن والوكيل، والحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل، بلغة الفرس.
[4399]:الحديث في مسلم: "ضرب غلاما له – فإن كفارته".
[4400]:أي الذي يسيء صحبة المماليك.
[4401]:في ط: المدح.
[4402]:كأنه عدل بجميع الناس.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا} (36)

قوله تعالى : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجانب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) العبودية تعني التذلل والخضوع لله وحده والإخلاص له في القول والفعل . حتى إن العبادة التي يشوبها رياء أو نقص في الإخلاص فإنها غير مقبولة إذ لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا لله تماما . قال سبحانه في هذا الصدد : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ( ص ) قال : " عن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : " الرياء ، يقول الله يوم القيامة ، إذا جزى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " . وبذلك يأمر الله سبحانه عباده أن يخلصوا له العبادة بعبادته وحده من غير شريك ذلك أن الإشراك بالله هو أكبر الكبائر وأعظم العظائم . والله تعالى أشد ما يغضب للإشراك به من قبل العباد كيفما كانت صورة الشرك ، وصور الشرك كثيرة وشتى فمنها أن يتخذ الناس مع الله آلهة أخرى كالأوثان والأوطان والملوك ، فكل أولئك أصناف من الشركاء التي يتخذ منها الناس آلهة تعبد مع الله أو من دونه . ومنها الرياء وهو إحساس خفي يخالط قلب الإنسان فيحرفه عن الإخلاص لله في القول والعمل ليبتغي بذلك إطراء الناس وثناءهم .

قوله : ( وبالوالدين إحسانا ) إحسانا مصدر لفعل محذوف تقديره أحسنوا . والله يأمر بالإحسان لجملة من الناس يأتي في طليعتهم أحقهم بالفضل والإجلال والتكريم ، وهما الوالدان . وقد قال العلماء : إن أحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة والإذعان ذلكما اللذان قرن الله الإحسان إليهما بعبادته سبحانه ألا وهما الوالدان . ويبدو ذلك في قوله تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك ) وقد قال النبي ( ص ) : " رضا الرب في رضا الوالدين ، وسخطه في سخط الوالدين " . والإحسان للوالدين في هذه الآية لا يرد على سبيل الندب والاستحباب ، بل هو وارد مورد الفرضية والإيجاب . فإن طاعة الوالدين في غير معصية والإحسان إليهما وبرهما أمور أوجبها الله إيجابا على كل مسلم عاقل بالغ له أبوان أو أحدهما على قيد الحياة . وليس في معصيتهما والنكول عن البر بهما والإحسان إليهما أو أحدهما إلا ضرب من ضروب الجريمة الكبرى التي يسقط فيها الخاسرون التعساء ، وهي جريمة بشعة نكراء قد شدد الإسلام في الإغلاظ عليها بأنها إحدى السبل التي تؤدي بالعاقين العصاة إلى جهنم والعياذ بالله .

وتوجب الآية كذلك الإحسان لذوي القربى بعد أن عطفهم على الوالدين . وأولوا القربى هم الذين تربطهم بالمرء رابطة النسب على اختلاف درجاتهم ، سواء كانوا من أولي الأرحام أو العصبات وسواء كانوا من الورثة أو غير وارثين .

وكذلك توصي الآية بالإحسان للمساكين وهم جمع تكسير مفردة مسكين . وفي بيان حقيقة المسكين قد وردت أقوال كثيرة مختلفة لعل أصوبها وأرجحها أن المسكين هو الذي يملك من المال والمؤونة ما لا يكفيه . فهو بذلك من ذوي الحاجة الذين ليس لديهم ما يكفي لسد حاجتهم فهؤلاء يجدر بالمسلمين أن يحدبوا عليهم وأن يحسنوا إليهم بمختلف وجوه الإحسان .

وقوله : ( والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب ) الجار من الجوار وهو الأمان والعهد وإعطاء الرجل ذمة فيكون بها جاره فيجيره . يقال " هو في جواري " أي في عهدي وأماني{[745]} . وفي كلمة الجار ما يوحي بوجوب صون الجار من الضرر وكف الأذى عنه ثم الإحسان إليه باعتباره داخلا في الجوار لجاره أي في أمانه وعهده . وهذه مرتبة عظيمة يحتلها الجار من حيث وجوب الإحسان إليه ودفع الشر والبوائق عنه . وإسداء النصح والبر وكل وجوه البر والخير له .

وفي الآية تقسيم للجار إلى صنفين . أولهما : الجار ( ذي القربى ) أي القريب ، ثانيهما : ( الجار الجنب ) . وهو الغريب . وقيل المقصود بالجار ذي القربى المسلم . أما الجار الجنب فهو النصراني أو اليهودي وكل هؤلاء موصى بهم سواء كانوا أقرباء أم غرباء ، أو كانوا مسلمين أو غير مسلمين . وقد أوصى النبي ( ص ) بالجار حق التوصية وعلى نحو ينتزع الاهتمام البالغ بالجار وحقه فقد روى أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : " وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " وروى البخاري ومسلم عن أبي شريح أن النبي ( ص ) قال : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن " قيل : يا رسول الله ومن ؟ قال : " الذي لا يأمن جاره بوائقه " . وروى البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ( ص ) أنه قال : " الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد ، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام . والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار . والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار " .

أما في حد الجوار فقد قيل إن حده أربعون دارا من كل ناحية استنادا إلى الحديث الذي يقول : " ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه " وفي إكرام الجار أخرج مسلم عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " .

وذلكم حديث آخر قد جمع فيه النبي ( ص ) حقوق الجار وهو مروي عن معاذ بن جبل قال : " قلنا يا رسول الله ، ما حق الجار ؟ قال : " إن استقرضك أقرضته ، وإن استعانك أعنته ، وإن احتاج أعطيته ، وإن مرض عدته ، وإن مات تبعت جنازته ، وإن أصابه خير سرّك وهنيته ، وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزّيته ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه ، وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها ، وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله " .

وقوله : ( والصاحب بالجنب ) قيل في تفسيره : هو الرفيق في السفر . وقيل : هي الزوجة ، وقيل : الضيف والقول الأول أرجح والله أعلم .

قوله : ( وابن السبيل ) قيل هو الضيف . وقيل هو الذي يمر بك مجتازا في السفر ، وهذا الأرجح .

قوله : ( وما ملكت أيمانكم ) هم المماليك أو الأرقاء يوصي الله سبحانه بالإحسان إليهم وألا يمسوا بأذى يكرهونه . وقد جعل النبي ( ص ) يوصي بهم في مرض موته ويقول : " الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم " جعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه . وفي البر بالمماليك وجوب الإحسان إليهم ورفع الأذى والظلم عنهم روى البخاري ومسلم عن أبي ذر أن النبي ( ص ) قال : " هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " وقال عليه الصلاة والسلام : " لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا سيء الملكة " أي الذي يسيء معاملة من عنده من مماليك .

قوله : ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) . المختال هو ذو الخيلاء المستكبر الذي يجد نفسه عظيما ولا يقوم بحقوق أحد فهو يأنف من أقاربه وجيرانه إذا كانوا ضعفاء ، بل يأنف من ضعاف الناس ومحاويجهم فلا يحسن عشرتهم . قال صاحب الكشاف في المختال : التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم .

وأما الفخور فهو الذي يعدد مناقبه ويمتن على عباد الله بما أعطاه الله{[746]} .


[745]:- القاموس المحيط جـ 1 ص 409.
[746]:- الكشاف جـ 1 ص 526 وتفسير الرازي جـ 10 ص 98- 100 وتفسير القرطبي جـ 5 ص 182- 190.