الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: حتى إذَا بَلَغَ ذو القرنين "مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، فاختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة والبصرة: في عَيْنٍ حَمِئَةٍ بمعنى: أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته جماعة من قراء المدينة، وعامّة قرّاء الكوفة: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ» يعني أنها تغرب في عين ماء حارّة.

واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القرّاء في قراءته... عن ابن عباس "وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ "قال: في طين أسود...

وقال آخرون: بل هي تغيب في عين حارّة...

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولكلّ واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارّة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ في عين حامية بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة، ويكون القارئ في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين. وقد رُوي بكلا صيغتيها اللتين قلت إنهما من صفتيها أخبار...

وقوله: "وَوَجَدَ عَنْدَها قَوْما"... وقوله: "قُلْنا يا ذَا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذّبَ" يقول: إما أن تقتلهم إن هم لم يدخلوا في الإقرار بتوحيد الله، ويذعنوا لك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم. "وإمّا أنْ تَتّخِذَ فِيهِمْ حُسْنا" يقول: وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد.

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}... فيها وجهان:

الثاني: أنه وجدها تَغرُب وراء العينِ حتى كأنها تَغيب في نفس الْعَيْن...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه.

{وجدها تغرب في عين حمئة} ففيه مباحث:

...

...

...

البحث الثاني: أنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال: {ووجد عندها قوما} ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: {تغرب في عين حمئة} من وجوه:

الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.

الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار...

الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحمأة وهذا في غاية البعد، وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفا قمريا فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أول الليل ورأينا المشرقيين قالوا: حصل في أول النهار فعلمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث. ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار. وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنها تغيب في الطين والحمأة كلاما على خلاف اليقين وكلام الله تعالى مبرأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلا أن يصار إلى التأويل الذي ذكرناه.

{ووجد عندها قوما} الضمير في قوله عندها إلى ماذا يعود؟ فيه قولان:

الأول: أنه عائد إلى الشمس ويكون التأنيث للشمس لأن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان هذا الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

والقول الثاني: أن يكون الضمير عائدا إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه،

{قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} وفيه مباحث:

الأول: أن قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} يدل على أنه تعالى تكلم معه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيا، وحمل هذا اللفظ على أن المراد أنه خاطبه على ألسنة بعض الأنبياء فهو عدول عن الظاهر.

البحث الثالث: قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} يدل على أن سكان آخر المغرب كانوا كفارا فخير الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب لهم إن أقاموا على كفرهم وبين المن عليهم والعفو عنهم وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح الأمرين كما خير نبيه عليه السلام بين المن على المشركين وبين قتلهم، وقال الأكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأما اتخاذ الحسنى فيهم فهو تركهم أحياء.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

رأى الشمسَ في مَنظَرِه تَغرُب في البحر المُحيط، وهذا شأنُ كلِّ مَن انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تَغرُب فيه...

{قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} معنى هذا: أن الله تعالى مَكَّنَه منهم وحَكَّمَه فيهم، وأَظْفَرَه بهم وخَيّرَه: إنْ شاء َقَتَل وسَبَى، وإنْ شاء مَنَّ أو فَدَى. فعرف عدْله وإيمانه فيما أبداه عدْلُه وبيانُه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

... {و وَجَدَ عِنْدَها} أي على السّاحل المتّصِل بتلك العَيْنِ {قوماً} كفاراً لهم قوةٌ على ما يحاولونه ومَنَعَةٌ، فكأنه قيل: ماذا أُمِرَ فيهم؟ فأجيب بقوله: {قلنا} بمَظْهَر العظمة: {يا ذا القرنين} إعلاماً بقُرْبِه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أَمَره به، إما بواسطة المَلَك إن كان نبياً وهو أظهر الاحتمالات،... أو باجتهاده في شريعته الاجتهادَ المُصيبَ، {إمّا أنْ تُعَذِّبَ}... {وإمّا أنْ تَتَّخِذَ} أي بغاية جُهْدِك {فيهم حُسْناً} أمراً له حُسْنٌ عظيمٌ، وذلك هو البَداءة بالدُّعاء، إشارةً إلى أن القتل وإن كان جائزاً فالأَوْلَى أن لا يُفعَل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجِبه...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي -وكان يسمى بحر الظلمات ويظن أن اليابسة تنتهي عنده- فرأى الشمس تغرب فيه...

ولكن يتعذر علينا تحديد المكان، لأن النص لا يحدده. وليس لنا مصدر آخر موثوق به نعتمد عليه في تحديده. وكل قول غير هذا ليس مأمونا لأنه لا يستند إلى مصدر صحيح...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

اِتَّجَه في سَيْره إلى غرب بلاده أوّلاً، لأنها الأقاليم التي تُصاقِبُه، وإن الحاكِم العادلَ يُؤَمِّن أرضَه من جيرانه أوّلاً، ثم يتّجِه إلى ما بعدها شيئا فشيئا حتى يصل إلى أقصاها، وكذلك فَعَلَ، ولذا قال تعالى عنه: {حتى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ}...

وما المراد من هذه العين؟ المراد منها الماءُ، ولكن أهو ماءُ المحيطِ، أم البحرِ، أم هو ماء نهرٍ؟ الظاهِر لدي أنه ماءُ النهر، لا ماءُ محيطٍ، لأنه ذَكَر أنه عين، وماء العيون في أكثر أحواله ليس ماء ملحا، وإن كان فهو معدني إلى العذوبة أمْيَل، ولأنه ذكر أنها عينٌ حَمِئَةٌ، أي التي اختَلط ماؤها بطين، وتلك تكون في الأنهار لا في البحار. ومهما يكن فقد كان اتجاهُه ونهايتُه إلى الغرب من آسيا وأصْقابِها كبلاد البلغار، ونحوها...

{وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فيهم حُسْناً}... والحسن هو ضد القبيح، واتخاذ الحسن معناه اتخاذ ما ليس بقبيحٍ في ذاته ولا يَستنكِرُه عُرْفٌ ولا عقلٌ، وهذا هو معنى الإحسان وهو الإتقان وفَضْلُ العدلِ وزيادتُه...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} استطاع أن يسيطر عليهم بالقوة القاهرة التي كان يملكها، وأن يحكمها بالمنهج الذي يراه أساساً للحكم، ولكنه ليس المنهج الذي يتخذ السلطة وسيلةً للقهر أو لأخْذ المُحسِن بذنب المسيء، أو للعمل على خنق حريتهم ومُصادَرة إنسانيّتهم، كما يفعل الأقوياء. وهكذا واجه الخِيار الذي يقف أمامه في موقع الاختيار بين العذاب الذي يَسومُهم به، وبين العفو والتسامح والرحمة التي يعاملهم بها. وهذا هو ما يستوحيه من التعاليم الإلهية المُنزلة على الرسل الذين عاصَرهم، أو تَقدَّموا عليه، وذلك كما لو كان يستمع إلى كلام الله بشكلٍ مباشرٍ، لأن الإنسان الواعي المنفتح على الرسالة يواجِه كلام الله الذي يقرأه أو يسمعه، كما لو كان يَستمع إليه من ربه...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

قوله تعالى : " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة " قرأ ابن عاصم وعام وحمزة والكسائي " حامية " أي حارة . الباقون " حمئة " أي كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء ، تقول : حمأت البئر حمْأ ( بالتسكين ) إذا نزعت حمأتها . وحمئت البئر حمأ ( بالتحريك ) كثرت حمأتها . ويجوز أن تكون " حامية " من الحمأة فخففت الهمزة وقلبت ياء . وقد يجمع بين القراءتين فيقال : كانت حارة وذات حمأة . وقال عبد الله بن عمرو : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غربت ، فقال : ( نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض ) . وقال ابن عباس :( أقرأنيها أبي كما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم " في عين حمئة " ، وقال معاوية : هي " حامية " فقال عبد الله بن عمرو بن العاص : فأنا مع أمير المؤمنين ، فجعلوا كعبا بينهم حكما وقالوا : يا كعب كيف تجد هذا في التوراة ؟ فقال : أجدها تغرب في عين سوداء ، فوافق ابن عباس ) وقال الشاعر وهو تبع اليماني :

قد كان ذو القرنين قبلي مسلما *** مَلِكًا تدين له الملوك وتسجدُ

بلغ المغارب والمشارق يبتغي *** أسبابَ أمر من حكيم مرشدِ

فرأى مغيب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خُلُبٍ وثَأْطٍ حَرْمَدِ{[10723]}

الخلب : الطين : والثأط : الحماة . والحرمد . والأسود . وقال القفال قال بعض العلماء : ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغربا ومشرقا وصل إلى جرمها ومسها ؛ لأنها تدور مع السماء حول الأرض من غير أن تلتصق بالأرض ، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض ، بل هي أكبر من الأرض أضعافا مضاعفة ، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق ، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة ، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض ؛ ولهذا قال : " وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم ، بل أراد{[10724]} أنهم أول من تطلع عليهم . وقال القتبي : ويجوز أن تكون هذه العين من البحر ، ويجوز أن تكون الشمس تغيب وراءها أو معها أو عندها ، فيقام حرف الصفة مقام صاحبه والله أعلم .

قوله تعالى : " ووجد عندها قوما " أي عند العين ، أو عند نهاية العين ، وهم أهل جابرس ، ويقال لها بالسريانية : جرجيسا ، يسكنها قوم من نسل ثمود{[10725]} بقيتهم الذين آمنوا بصالح ، ذكره السهيلي . وقال وهب بن منبه : ( كان ذو القرنين رجلا من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره وكان اسمه الإسكندر ، فلما بلغ وكان عبدا صالحا قال الله تعالى : يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة ألسنتهم ، وهم أمم جميع الأرض ، وهم أصناف : أمتان بينهما طول الأرض كله ، وأمتان بينهما عرض الأرض كله ، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج ، فأما اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك ، وأما الأخرى فعند مطلعها ويقال لها منسك . وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل ، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل . فقال ذو القرنين : إلهي قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت ، فأخبرني عن هذه الأمم بأي قوة أكاثرهم ؟ وبأي صبر أقاسيهم ؟ وبأي لسان أناطقهم ؟ فكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس عندي قوة ؟ فقال الله تعالى : سأظفرك بما حملتك ، أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء ، وأثبت لك فهمك فتفقه كل شيء ، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء ، وأسخر لك النور والظلمة فيكونان جندا من جنودك ، يهديك النور من أمامك ، وتحفظك الظلمة من ورائك ، فلما قيل له ذلك سار بمن اتبعه ، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس ؛ لأنها كانت أقرب الأمم منه وهي ناسك ، فوجد جموعا لا يحصيها إلا الله تعالى وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله . وألسنة مختلفة ، وأهواء متشتتة فكاثرهم بالظلمة ، فضرب حولهم ثلاث عساكر من جند الظلمة قدر ما أحاط بهم من كل مكان ، حتى جمعتهم في مكان واحد ، ثم دخل عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وإلى عبادته ، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر وصد عنه ، فأدخل على الذين تولوا الظلمة فغشيتهم من كل مكان ، فدخلت إلى أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم وغشيتهم من كل مكان ، فتحيروا وماجوا وأشفقوا أن يهلكوا ، فعجوا إلى الله تعالى بصوت واحد : إنا آمنا ، فكشفها عنهم ، وأخذهم عنوة ، ودخلوا في دعوته ، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة فجعلهم جندا واحدا ، ثم انطلق بهم يقودهم ، والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه ، والنور أمامهم يقوده ويدله ، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن وهى هاويل ، وسخر الله تعالى يده وقلبه وعقله ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا ، فإذا أتوا مخاضة أو بحرا بنى سفنا من ألواح صغار مثل النعال فنظمها في ساعة ، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الأمم ، فإذا قطع البحار والأنهار فتقها ودفع إلى كل رجل لوحا فلا يكترث بحمله ، فانتهى إلى هاويل ، وفعل بهم كفعله بناسك فآمنوا ، ففرغ منهم ، وأخذ جيوشهم وانطلق إلى ناحية الأرض الأخرى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس ، فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأولى ، ثم كر مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى يريد تاويل ، وهي الأمة التي تقابل هاويل بينهما عرض الأرض ، ففعل فيها كفعله فيما قبلها ، ثم عطف إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن الإنس ويأجوج ومأجوج ، فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك من المشرق قالت أمة صالحة من الإنس : يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى كثيرا لهم عدد ، وليس فيهم مشابهة من الإنس ، وهم أشباه البهائم ، يأكلون العشب ، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع ، ويأكلون حشرات الأرض كلها من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق الله تعالى في الأرض ، وليس لله تعالى خلق ينمو نماءهم في العام الواحد ، فإن طالت المدة فسيملؤون الأرض ، ويجلون أهلها فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ؟ . . . ) وذكر الحديث ، وسيأتي من صفة يأجوج ومأجوج والترك إذ هم نوع منهم ما فيه كفاية .

قوله تعالى : " قلنا يا ذا القرنين " قال القشيري أبو نصر : إن كان نبيا فهو وحي ، وإن لم يكن نبيا فهو إلهام من الله تعالى . " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " قال إبراهيم بن السري : خيره بين هذين كما خير محمدا صلى الله عليه وسلم فقال : " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم{[10726]} " [ المائدة : 42 ] ونحوه . وقال أبو إسحاق الزجاج : المعنى أن الله تعالى خيره بين هذين الحكمين ، قال النحاس : وردّ علي بن سليمان عليه قوله ؛ لأنه لم يصح أن ذا القرنين نبي فيخاطب بهذا ، فكيف يقول لربه عز وجل : " ثم يرد إلى ربه " ؟ وكيف يقول : " فسوف نعذبه " فيخاطب بالنون ؟ قال : التقدير ، قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين . قال أبو جعفر النحاس : هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء . أما قوله : " قلنا يا ذا القرنين " فيجوز أن يكون الله عز وجل خاطبه على لسان نبي في وقته ، ويجوز أن يكون قال له هذا كما قال لنبيه : " فإما منا بعد وإما فداء " {[10727]} [ محمد : 4 ] ، وأما إشكال " فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه " فإن تقديره أن الله تعالى خيره بين القتل في قوله تعالى : " إما أن تعذب " وبين الاستبقاء في قوله جل وعز : " وإما أن تتخذ فيهم حسنا " . قال أحمد بن يحيى : " أن " في موضع نصب في " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " قال : ولو رفعت كان صوابا بمعنى فإما هو ، كما قال :

فسيرا فإما حاجة تقضيانها *** وإما مَقِيلٌ صالح وصديق


[10723]:حرمد (بالفتح والكسر) كجعفر وزبرج.
[10724]:في ك: المراد.
[10725]:في ك: هود. ولعله خطأ من الناسخ.
[10726]:راجع جـ 6 ص 182 فما بعد.
[10727]:راجع جـ 16 ص 225 فما بعد.