فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا} (86)

{ حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس } أي : نهاية الأرض من جهة المغرب ، لأن من وراء هذه النهاية البحر المحيط ، وهو لا يمكن المضيّ فيه { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } قرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي «حامية » : أي : حارّة . وقرأ الباقون «حمئة » أي : كثيرة الحمأة ، وهي الطينة السوداء ، تقول : حمئت البئر حمأ بالتسكين : إذا نزعت حمأتها ، وحمأت البئر حمأتها بالتحريك : كثرت حمأتها ، ويجوز أن تكون حامية من الحمأة ، فخففت الهمزة وقلبت ياء ، وقد يجمع بين القراءتين فيقال : كانت حارة وذات حمأة . قيل : ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره ، ولا يبعد أن يقال : لا مانع من أن يمكنه الله من عبور البحر المحيط حتى يصل إلى تلك العين التي تغرب فيها الشمس ، وما المانع من هذا بعد أن حكى الله عنه أنه بلغ مغرب الشمس ، ومكن له في الأرض والبحر من جملتها ، ومجرد الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره { وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً } الضمير في عندها إما للعين أو للشمس . قيل : هم قوم لباسهم جلود الوحش ، وكانوا كفاراً ، فخيّره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم ، فقال : { إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } أي : إما أن تعذبهم بالقتل من أوّل الأمر ، وإما أن تتخذ فيهم أمراً ذا حسن أو أمراً حسناً مبالغة بجعل المصدر صفة للأمر ، والمراد : دعوتهم إلى الحق وتعليمهم الشرائع .

/خ91