الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{و} قال إبليس: {ولأضلنهم} عن الهدى، {ولأمنينهم} بالباطل، ولأخبرنهم ألا بعث ولا جنة ولا نار، {ولآمرنهم فليبتكن}: ليقطعن، {آذان الأنعام}، وهي البحيرة للأوثان، {ولأمرنهم فليغيرن خلق الله}، يعني ليبدلن دين الله. {ومن يتخذ الشيطان}: إبليس {وليا}: ربا {من دون الله} عز وجل، {فقد خسر خسرانا مبينا}: فقد ضل ضلالا بينا...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يعني بقوله جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل الشيطان المَريد، الذي وصف صفته في هذه الآية: {ولأضلهم}: ولأصدنّ النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر. {ولأُمَنّيَنّهُمْ}: لأزيغنهم بما أجعل في نفوسهم من الأماني عن طاعتك وتوحيدك إلى طاعتي، والشرك بك. {وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُبَتّكُنّ آذَانَ الأنْعامِ}: ولآمرنّ النصيب المفروض لي من عبادك بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد، حتى يَنْسُكوا له، ويحّرموا، ويحللوا له، ويشرعوا غير الذي شرعته لهم فيتبعوني ويخالفونك. والبَتْك: القطع، وهو في هذا الموضع: قطع أذن البَحِيرة ليعلم أنها بحيرة. وإنما أراد بذلك الخبيث أنه يدعوهم إلى البَحيرة فيستجيبون له ويعملون بها طاعة له... كانوا يُبَتّكون آذانها لطواغيتهم.

{وَلاَمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ}: اختلف أهل التأويل في معنى قوله: {فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ}؛

فقال بعضهم: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله من البهائم بإخصائهم إياها. عن ابن عباس، أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت {وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ}.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرنّ دين الله... عن مجاهد في قوله: {فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ} قال: الفطرة دين الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرُنّ خلق الله بالوشْم... قال عبد الله: لعن الله المتفلّجات والمتنمّصات والمستوشمات المغيّرات خلق الله.

وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله، قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: {فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدّينُ القَيّمُ}. وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووَشْره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كلّ ما أمر الله به، لأن الشيطان لا شكّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه¹ ولا معنى لتوجيه من وجه قوله: {وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ} إلى أنه وعد الأمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإذ كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، إنما فعل ذلك لأن معناه: كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، فإنّ في قوله جلّ ثناؤه إخبارا عن قِيل الشيطان: {وَلآمُرَنّهُمْ فَلَيُغَيّرُنّ خَلْقَ اللّهِ} ما ينبئ أن معنى ذلك غير ما ذهب إليه، لأن تَبْتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام. وقد مضى الخبر عنه أنه وعد الأمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسرا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملاً، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر وبالخاصّ عن العامّ دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعامّ عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام وأولى من توجيه إلى غيره ما وجد إليه السبيل {وَمَنْ يَتّخِذِ الشّيْطانَ وَلِيّا مِنْ دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانا مُبِينا يَعِدُهُمْ ويُمَنّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشّيْطانُ إلاّ غُرُورا}: وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن حال نصيب الشيطان المفروض من الذين شاقّوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى، يقول الله: ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله، وخلاف أمره، ويواليه فيتخذه وليّا لنفسه ونصيرا دون الله، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانا مُبِينا}: فقد هلك هلاكا، وَبخَس نفسه حظها فأوبقها بَخْسا مبينا يبين عن عطبه وهلاكه، لأن الشيطان لا يملك له نصرا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمَره، بل يخذله عند حاجته إليه. وإنما حاله معه ما دام حيّا ممهلاً بالعقوبة، كما وصفه الله جلّ ثناؤه بقوله: {يَعِدُهُمْ ويُمَنّيهِمْ ومَا يَعِدُهُمُ الشّيْطانُ إلاّ غُرُورا}.

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :

{فقد خسر خسرانا مبينا} خسر الجنة ونعيمها...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{وَلأمَنّيَنَّهُمْ} الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك. وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. وتغييرهم خلق الله: فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب. وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم. وأما في بني آدم فمحظور. وعند أبي حنيفة: يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم. وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

قوله: {ولأضلنهم} معناه أصرفهم عن طريق الهدى،

{ولأمنينهم}: لأسولن لهم.

وهذا لا ينحصر إلى نوع واحد من الأمنية، لأن كل واحد في نفسه إنما تمنيه بقدر نصبته وقرائن حاله...

والتبديل يقع موضعه التغيير، وإن كان التغيير أعم منه، وقالت فرقة: «تغيير خلق الله» هو أن الله تعالى خلق الشمس والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ليعتبر بها وينتفع بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة... وملاك تفسير هذه الآية: أن كل تغيير ضار فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح، ولما ذكر الله تعالى عتو الشيطان وما توعد به من بث مكره، حذره تبارك وتعالى عباده، بأن شرط لمن يتخذه ولياً جزاء الخسران، وتصور الخسران إنما هو بأن أخذ هذا المتخذ حظ الشيطان، فكأنه أعطى حظ الله تبارك وتعالى فيه وتركه من أجله.

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

... لَمَّا كَانَ مِنْ إبْلِيسَ مَا كَانَ مِنْ الِامْتِنَاع مِنْ السُّجُودِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآمِرِ بِهِ بِالتَّسْفِيهِ أَنْفَذَ اللَّهُ فِيهِ حُكْمَهُ وَأَحَقَّ عَلَيْهِ لَعَنَتْهُ، فَسَأَلَهُ النَّظْرَةَ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا زِيَادَةً فِي لَعْنَتِهِ، فَقَالَ لِرَبِّهِ: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلِأُضِلَّنَّهُمْ وَلِأُمَنِّيَنهمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}، وَكَانَ مَا أَرَادَ، وَفَعَلَتِ الْعَرَبُ مَا وَعَدَ بِهِ الشَّيْطَانُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَتَحْرِيمٌ، وَتَحْلِيلٌ بِالطُّغْيَانِ، وَقَوْلٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ، وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ، فَلِذَلِكَ رَأَى الشَّيْطَانُ أَنْ يُغَيِّرَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَرْكَبُ عَلَى ذَلِكَ التَّغْيِيرِ الْكُفْرُ بِهِ، لَا جَرَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ»، مَعْنَاهُ أَنْ تُلْحَظَ الْأُذُنُ؛ لِئَلَّا تَكُونَ مَقْطُوعَةً أَوْ مَشْقُوقَةً؛ فَتُجْتَنَبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الشَّيْطَانِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «نَهَى النَّبِيُّ صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ»، وَهِيَ هَذِهِ، وَشَبَّهَهَا مِمَّا وَفَّى فِيهَا لِلشَّيْطَانِ بِشَرْطِهِ حِينَ قَالَ: {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلْيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ}.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ولأضلنهم} أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوساوس وتزيين الأباطيل {ولأمنينّهم} أي كل ما أقدر عليه من الباطل من عدم البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من الدنيا والآخرة بالرحمة والعفو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة {ولآمرنهم}.

ولما كان قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته، وكانت طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد؛ أكد قوله: {فليبتكن} أي يقطعن تقطيعاً كثيراً {آذان الأنعام} ويشققونها علامة على ما حرموه على أنفسهم {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} أي الذي له الحكمة الكاملة فلا كفوء له، بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ما دون ذلك من فقء عين الحامي ونحو ذلك، وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها، المشار إلى إبطاله في أول المائدة بقوله أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] المصرح به في آخرها بقوله: {ما جعل الله من بحيرة} [المائدة: 103] ويكون التغيير بالوشم والوشر، ويدخل فيه كل ما خالف الدين، فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك حتى أدخلوا فيه تشبيه الرجال بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه النساء بالرجال في السحق ومانحاً فيه نحوه.

ولما كان التقدير: فقد خسر من تابعه في ذلك، لأنه صار للشيطان ولياً؛ عطف عليه معمماً قوله: {ومن يتخذ} أي يتكلف منهم ومن غيرهم تغيير الفطرة الأولى فيأخذ {الشيطان ولياً} ولما كان ذلك ملزوماً لمحادة الله سبحانه وتعالى، وكان ما هو أدنى من رتبته في غاية الكثرة؛ بعّض ليفهم الاستغراق من باب الأولى فقال: {من دون الله} أي المستجمع لكل وصف جميل {فقد خسر} باتخاذه ذلك ولو على أدنى وجوه الشرك {خسراناً مبيناً} أي في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان، لأنه تولى من لا خير عنده.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{ولأضلنهم ولأمنينهم} أي لأتخذن منهم نصيبا ولأضلنهم عن الحق ولأشغلنهم بالأماني الباطلة، أي هذا شأنه ومقتضى طبعه، والأماني جمع أمنية، قال الراغب: وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء. يقال تمنى الشيء إذا أحب أن يكون له وإن لم يتخذ له أسبابه كما يتمنى المقامر الثروة بالمقامرة وهي ليست سببا طبيعيا للغنى بل ليست من الكسب المعتاد. والمعنى الأصلي لهذه المادة التقدير، يقال منى لك الماني أي قدر لك المقدر، والمصدر المنى بالفتح. قال الراغب ومنه المنا الذي يوزن به فيما قيل. وأقول الأجدر بهذا أن يكون هو الأصل على المذهب المعروف في كون الأشياء الجامدة والمدركة بالحواس هي أصل للأشياء المعنوية. والتمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وقد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون عن روية وبناء على أصل، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك، فأكثره تصور ما لا حقيقة له كما قال الراغب.

وقال الأستاذ الإمام:

إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى. وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح. بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.

{ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقا بائنا. والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك،

والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقا واسعا ويتركون الحمل عليها. وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم قال الأستاذ الإمام: ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلا فيما قبله.

{ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} تغيير خلق الله وسوء التصرف فيه عام يشمل التغيير الحسي كالخصاء وقد رووا تفسيره بالخصاء عن ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما فليعتبر به من يطعنون في الإسلام نفسه باتخاذ ملوك المسلمين وأمرائهم للخصيان ويظنون أن خصيهم جائز في هذا الدين ويشمل سائر أنواع التشويه والتمثيل بالناس الذي حرمه الشرع، وإذا كان قد حرم تبتيك آذان الأنعام فكيف لا يحرم سمل أعين الناس وصلم آذانهم وجدع أنوفهم وما أشبه ذلك مما كان يفعله بعض الملوك والأمراء الظالمين بغير حق ولا حجة، ويشمل التغيير المعنوي وقد روي عن ابن عباس وغيره أن المراد هنا بخلق الله دينه لأنه دين الفطرة وهي الخلقة، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} [الروم:30] وروي أيضا تفسير تغيير خلق الله بوشم الأبدان ووشر الأسنان وكل منهما يقصد به الزينة وفي الحديث (لعن الله الواشمة والمستوشمة) ولعل سبب التشديد فيه إفراطهم فيه حتى يصل إلى درجة التشويه بجعل معظم البدن ولا سيما الظاهر منه كالوجه واليدين أزرق بهذا النقش القبيح وكان الناس ولا يزالون يجعلون منه صورا للمعبودات وغيرها كما يرسم النصارى به الصليب على أيديهم وصدورهم. وأما وشر الأسنان بتحديدها وأخذ قليل من طولها إذا كانت فلا يظهر فيه معنى التغيير المشوه بل هو إلى تقليم الأظافر وتقصير الشعر أقرب، ولولا أن الشعر والأظافر تطول دائما ولا تطول الأسنان لما كان ثم فرق. وجملة القول أن التغيير الصوري الذي يجدر بالذم ويعد من إغراء الشيطان هو ما كان فيه تشويه وإلا لما كان من السنة الختان والخضاب وتقليم الأظافر.

الأستاذ الإمام:

جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه وذهب بعضهم إلى أنه التغيير حسي وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي وبعضهم إلى ما يشملها، وقال كثير منهم إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويل النفس عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس. اه.

أقول: إن هذا القول هو بمعنى القول بأن المراد تغيير الدين لأن من قالوا أنه تغيير الدين استدلوا بآية {فأقم وجهك للدين} [الروم:30] كما ذكرنا ذلك آنفا والدين الفطري الذي هو من خلق الله وآثار قدرته ليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل عليهم السلام فإن هذه الأحكام من كلام الله الذي أوحاه إليهم ليبلغوه ويبينوه للناس، لا مما خلقه في أنفس الناس وفطرهم عليه وقد بينا الدين الفطري في غير هذا الموضع ومعنى كون الإسلام دين الفطرة، وحديث (كل مولود يولد على الفطرة) 193 وقد أشار الأستاذ الإمام إلى ذلك بما نقلناه عنه آنفا من كون الإنسان فطر على طلب الحق والاستدلال والأخذ بما يظهر له بالدليل أنه الحق أو الخير إن لم يكن ظاهرا بالبداهة، ومن أصول الدين وأسسه الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون اكتناه حقيقتها العقول أي لمصدر هذه السلطة والتصرف في الكائنات كلها وهو الله عز وجل، وكان أكبر وأشد مفسدات الفطرة حصر تلك السلطة العليا في بعض المخلوقات التي يستكبرها الإنسان ويعيا في فهم حقيقتها بادي الرأي وإن كان فهمها وعلمها ممكنا في نفسه لو جاءه طالبه من طريقه،وهذا هو أصل الشرك وقد بيناه آنفا في تفسير {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] وفي مواضع أخرى. ويتلو هذا الفساد والإفساد التقليد الذي يمده ويؤيده ويحول بين العقول التي كمل الله بها فطرة البشر وبين عملها الذي خلقت لأجله وهو النظر والاستدلال لأجل التوصل إلى معرفة الحق والخير وترجيح الحق والخير متى تبينا له على ما يقابلهما.

{ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا} أي من يتخذ الشيطان وليا له وتلك حاله في التمرد والبعد من أسباب رحمة الله وفضله وإغوائه للناس وتزيينه لهم الشرور وسوء التصرف في فطرة الله وتشويه خلقه، بأن يواليه ويتبع وسوسته فقد خسر خسرانا بينا ظاهرا في معاشه ومعاده إذ يكون أسيرا للأوهام والخرافات يتخبط في عمله على غير هدى فيفوته الانتفاع التام بما وهبه الله من العقل وسائر القوى والمواهب.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وهذا النصيب المفروض الذي أقسم لله إنه يتخذهم ذكر ما يريد بهم وما يقصده لهم بقوله: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ْ} أي: عن الصراط المستقيم ضلالا في العلم، وضلالا في العمل. {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ْ} أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم فإنهم كما حكى الله عنهم، {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ْ} {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ْ} {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ْ} الآية. وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين: {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ْ}

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة، وشعائر سخيفة، من نسج الأساطير. كتمزيق آذان بعض الأنعام، ليصبح ركوبها بعد ذلك حراما، أو أكلها حراما -دون أن يحرمها الله- ومن تغيير خلق الله وفطرته بقطع بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان، كخصاء الرقيق، ووشم الجلود.. وما إليها من التغيير والتشويه الذي حرمه الإسلام...

وشعور الإنسان بأن الشيطان -عدوه القديم- هو الذي يأمر بهذا الشرك وتوابعه من الشعائر الوثنية، يثير في نفسه -على الأقل- الحذر من الفخ الذي نصبه العدو. وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسية بين الإنسان والشيطان. ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض؛ والوقوف تحت راية الله وحزبه، في مواجهة الشيطان وحزبه: وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها. لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده. والمؤمن لا يغفل عنها، ولا ينسحب منها. وهو يعلم أنه إما أن يكون وليا لله، وإما أن يكون وليا للشيطان؛ وليس هنالك وسط.. والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات؛ ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة. والمسلم يكافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في أتباعه.. معركة واحدة متصلة طوال الحياة. ومن يجعل الله مولاه فهو ناج غانم. ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك: (ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينًا)...

.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها. وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمّى: « النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح».

وجملة {ومن يتّخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً} تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان: من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وفي هذه الآية تفصيل لطرق أخذ إبليس لنصيب مفروض من بني آدم فإبليس هو القائل كما يحكي القرآن: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (من الآية16سورة الأعراف)." ولأمنينهم "والأماني هي أن ينصب الإنسان في خياله شيئا يستمتع به من غير أن يخطو له خطوة عمل تقربه من ذلك هكذا كان يفعل السدنة ويحاولون بشتى الطرق من الحيل والخدع حتى يأخذوا من الغافلين السذج الإبل والبقر والغنم، وعندما يقطع صاحب الإبل أو البقر أو الغنم أذن أي واحدة منها فهذا يعني أنها منذورة للأصنام والأصنام بطبيعتها لا تأكل ولكن السدنة يأكلون. وهناك من يتحذلق في عصرنا قائلا: أنا نباتي، لا آكل اللحم، على الرغم من أن الواحد منهم قد يذبح إنسانا ويدعي الحزن عند ذبح دجاجة، ونقول لهؤلاء: انتبهوا إن الله قد سخر لنا هذه الأنعام وهي نفسها تحب أن ينتفع بها. والحق سبحانه وتعالى خلق كل خلق من خلقه لغاية، فإن استعملنا مخلوقه لغايته فلن نقع في محظور تغيير خلق الله ولكن لو استعملنا المخلوق لغير الغاية فهذا هو التغيير لخلق الله وساعة نريد فهم لفظ من الألفاظ فلنبحث في القرآن عن نظائره وقد نجد في القرآن نفسه ما يفسر القرآن نفسه، فالحق يقول هنا:"فليغيرن خلق الله"، وفي موقع آخر يقول: {ألا له الخلق والأمر} (من الآية54سورة الأعراف).الخلق كله على أصل الفطرة فإذا ما حاول أحد أن يغير الفطرة فهذا تغيير لخلق الله ما الفطرة إذن؟ إنها الصفاء الأولي في النفس والطبيعة. ودليلنا على أن الفطرة سليمة بطبيعتها هو أننا نجد أن الذي يحاول صنع أمر ما يخالف الفطرة إنما يتلصص ويستتر لأنه يعرف أن هذا الأمر غير سليم. والتكلف هو الإتيان بشيء خارج عن الفطرة الإنسانية وتغيير كل ما يتعلق بالفطرة هو تغيير لخلق الله. وصور الفساد لا تأتي إلا من هذه الناحية. وبعض النساء يقمن بإجراءات لتغيير الخلقة كنزع شعر الحواجب من منابته وإعادة رسم مكانه بوضع خط بالقلم الملون ويفضح ذلك نبت الشعر من جديد، فتتحول إلى شكل قبيح وتنسى أن الجمال إبداع تقاسيم فقد يكون سر جمال واحدة أن يكون شعر الحاجبين كثيفا وقد يكون سر الجمال للمرأة اتساع الفم، أو طول الأنف. والحق سبحانه وتعالى كما وزع الأمزجة على العباد وزع أيضا أسلوب الخلق بما يغطي هذه الأمزجة وهو سبحانه الذي أنشأ السيال العاطفي ليتواءم الخلق بهذا السيال وقد تحاول فتاة أن تغير من خلق الله فتسبب بذلك فسادا لهذا السيال العاطفي. ومن تفعل ذلك إنما تخدع نفسها ومن يعجب بها، ولنا أن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعدل من مزاج الكون فيعطي للإنسان سكنا ومتعة ولكن بتوازن عاطفي وعقلي ويقول الحق م بعد ذلك: "ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا "والولي للشيطان هو الذي يليه ويقرب منه ومن فعل ذلك فقد ترك الأفضل وذهب إلى الأضعف الذي يورده مهاوي وموارد الهلاك ويخسر الخسران الواضح والمحيط من كل الجهات.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

فيه تسع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولأضلنهم " أي لأصرفنهم عن طريق الهدى . " ولأمنينهم " أي لأسولن لهم ، من التمني ، وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية ؛ لأن كل واحد في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله . وقيل : لأمنينهم طول الحياة الخير والتوبة والمعرفة مع الإصرار . " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " البتك القطع ، ومنه سيف باتك . أي أحملهم على قطع آذان البحيرة والسائبة ونحوه . يقال : بتكه وبتكه ، ( مخففا ومشددا ) وفي يده قطعة ، والجمع بتك ، قال زهير{[4946]} :

*طارت وفي كفه من ريشها بتك*

الثانية : قوله تعالى : " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " اللامات كلها للقسم . واختلف العلماء في هذا التغيير{[4947]} إلى ماذا يرجع ، فقالت طائفة : هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان ، قال معناه ابن عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح . وذلك كله تعذيب للحيوان ، وتحريم وتحليل بالطغيان ، وقول بغير حجة ولا برهان . والآذان في الأنعام جمال ومنفعة ، وكذلك غيرها من الأعضاء ، فلذلك رأى الشيطان أن يغير [ بها ]{[4948]} خلق الله تعالى . وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي : ( وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم{[4949]} عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وأمرتهم أن يغيروا خلقي ) . الحديث ، أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضا . وروى إسماعيل قال : حدثنا أبو الوليد وسليمان بن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة ، قال : ( هل لك من مال ) ؟ [ قال ]{[4950]} قلت : نعم . قال ( من أي المال ) ؟ قلت : من كل المال ، من الخيل والإبل والرقيق - قال أبو الوليد : والغنم - قال : ( فإذا أتاك الله مالا فلير عليك أثره ) ثم قال : ( هل تنتج إبل{[4951]} قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتشق آذانها وتقول هذه بمر وتشق جلودها وتقول هذه صرم{[4952]} لتحرمها عليك وعلى أهلك ) ؟ قال : قلت أجل . قال : ( وكل ما آتاك الله حل وموسى الله أحد من موسك ، وساعد الله أشد من ساعدك ) . قال قلت : يا رسول الله ، أرأيت رجلا نزلت به فلم يقرني ثم نزل بي أفأقريه أم أكافئه ؟ فقال : ( بل أقره ) .

الثالثة : ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن نستشرف{[4953]} العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء ) أخرجه أبو داود عن علي قال : أمرنا ، فذكره . المقابلة : المقطوعة طرف الأذن . والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن . والشرقاء : مشقوقة الأذن . والخرقاء التي تخرق أذنها السمة . والعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء . قال مالك والليث : المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ ، والشق للميسم يجزئ ، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء . فإن كانت سكاء ، وهى التي خلقت بلا أذن فقال مالك والشافعي : لا تجوز . وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت ، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك .

الرابعة : وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره . والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحي بالخصي ، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره . ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبدالعزيز . وخصى عروة بن الزبير بغلا له . ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم ، وإنما جاز ذلك لأنه لا يقصد به تعليق{[4954]} الحيوان بالدين لصنم يعبد ، ولا لرب يوحد . وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل{[4955]} ، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله{[4956]} عن الأنثى . ومنهم من كره ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون ) . واختاره ابن المنذر وقال : لأن ذلك ثابت عن ابن عمر ، وكان يقول : هو نماء{[4957]} خلق الله ، وكره ذلك عبدالملك بن مروان . وقال الأوزاعي : كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل . وقال ابن المنذر : وفيه حديثان : أحدهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل . والآخر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر{[4958]} الروح وخصاء البهائم . والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره الإخصاء ويقول : فيه تمام الخلق . قال أبو عمر : يعني في ترك الإخصاء تمام الخلق ، وروي نماء الخلق . قلت : أسنده أبو محمد عبدالغني من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تخصوا ما ينمي خلق الله ) . رواه عن الدارقطني شيخه ، قال : حدثنا أبو عبدالله المعدل حدثنا{[4959]} عباس بن محمد حدثنا أبو مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل ، فذكره . قال الدارقطني : ورواه عبدالصمد بن النعمان عن أبي مالك .

الخامسة : وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة ، فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته ، عكس الحيوان ، وانقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام : ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم ){[4960]} ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك ، فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس ، وكل ذلك منهي عنه . ثم هذه مثلة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، وهو صحيح . وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا : لو لم يشتروا منهم لم يخصوا . ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز ؛ لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى ، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود ، قاله أبو عمر .

السادسة : وإذا تقرر هذا فاعلم أن الوسم والإشعار مستثنى من نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان ، وهي ما قدمناه من نهيه عن تعذيب الحيوان بالنار ، والوسم : الكي بالنار وأصله العلامة ، يقال : وسم الشيء يسمه إذا علمه بعلامة يعرف بها ، ومنه قوله تعالى : " سيماهم في وجوههم{[4961]} " [ الفتح : 29 ] . فالسيما العلامة والميسم المكواة . وثبت في صحيح مسلم عن أنس قال : رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه ، ولا يتجاوز به إلى غيره .

السابعة : والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه ، لما رواه جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه ، أخرجه مسلم . وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء ، إذ هو مقر الحسن والجمال ، ولأن به قوام الحيوان ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يضرب عبده فقال : ( اتق الوجه{[4962]} فإن الله خلق آدم على صورته ) . أي على صورة المضروب ؛ أي وجه هذا المضروب يشبه وجه آدم ، فينبغي أن يحترم لشبهه{[4963]} . وهذا أحسن ما قيل في تأويله والله أعلم .

وقالت طائفة : الإشارة بالتغيير إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن ، قاله ابن مسعود والحسن . ومن ذلك الحديث الصحيح عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{[4964]} : ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات{[4965]} والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله ) الحديث أخرجه مسلم ، وسيأتي بكماله في الحشر{[4966]} إن شاء الله تعالى . والوشم يكون في اليدين ، وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنئور{[4967]} فيخضر . وقد وشمت تشم وشما فهي واشمة . والمستوشمة التي يفعل ذلك بها ؛ قال الهروي . وقال ابن العربي : ورجال صقلية وإفريقية يفعلونه ؛ ليدل كل واحد منهم على رجلته{[4968]} في حداثته . قال القاضي عياض : ووقع في رواية الهروي - أحد رواة مسلم - مكان " الواشمة والمستوشمة " " الواشية والمستوشية " ( بالياء مكان الميم ) وهو من الوشي وهو التزين ، وأصل الوشي نسج الثوب على لونين ، وثور موشى في وجهه وقوائمه سواد ، أي تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التنميص والتفليج والأشر . والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص ، وهو الذي يقول الشعر ، ويقال لها النامصة . ابن العربي : وأهل مصر ينتفون شعر العانة وهو منه ، فإن السنة حلق العانة ونتف الإبط ، فأما نتف الفرج فإنه يرخيه ويؤذيه ، ويبطل كثيرا من المنفعة فيه . والمتفلجات جمع متفلجة ، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها ، أي تعانيه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة . وفي غير كتاب مسلم : " الواشرات " ، وهي جمع واشرة ، وهي التي تشر أسنانها ، أي تصنع فيها أشرا ، وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان{[4969]} ؛ تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبها بالشابة . وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر . واختلف في المعنى الذي نهي لأجلها ؛ فقيل : لأنها من باب التدليس . وقيل : من باب تغيير خلق الله تعالى ، كما قال ابن مسعود ، وهو أصح ، وهو يتضمن المعنى الأول . ثم قيل : هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيا ؛ لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى ، فأما ما لا يكون باقيا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك مالك وغيره . وكرهه مالك للرجال . وأجاز مالك أيضا أن تشي المرأة يديها بالحناء . وروي عن عمر إنكار ذلك وقال : إما أن تخضب يديها كلها وإما أن تدع ، وأنكر مالك هذه الرواية عن عمر ، ولا تدع الخضاب بالحناء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة لا تختضب قال : ( لا تدع إحداكن يدها كأنها يد رجل ) فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت . قال القاضي عياض : وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء ، ذكره صاحب المصابيح ولا تتعطل ، ويكون في عنقها قلادة من سير في خرز ، فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها{[4970]} : ( إنه لا ينبغي أن تكوني بغير قلادة إما بخيط وإما بسير . وقال أنس : يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سيرا . قال أبو جعفر الطبري : في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان ، التماس الحسن لزوج أو غيره ، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها ، أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها . وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها ؛ لأن كل ذلك تغيير خلق الله . قال عياض : ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه ؛ لأنه من تغيير خلق الله تعالى : إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره .

الثامنة : قلت : ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ) أخرجه مسلم . فنهى صلى الله عليه وسلم عن وصل المرأة شعرها ، وهو أن يضاف إليه شعر آخر يكثر به ، والواصلة هي التي تفعل ذلك ، والمستوصلة هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها . مسلم عن جابر قال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئا{[4971]} . وخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن لي ابنة عريسا{[4972]} أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله ؟ فقال : ( لعن الله الواصلة والمستوصلة ) . وهذا كله نص في تحريم وصل الشعر ، وبه قال مالك وجماعه العلماء . ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغير ذلك ؛ لأنه في معنى وصله بالشعر{[4973]} . وشذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق وما ليس بشعر ، وهذا أشبه بمذهب أهل الظاهر . وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس وقالوا : إنما جاء النهي عن الوصل خاصة ، وهذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى . وشذ قوم فأجازوا الوصل مطلقا ، وهو قول باطل قطعا ترده الأحاديث . وقد روي عن عائشة رضي الله عنها ولم يصح . وروي عن ابن سيرين أنه سأل رجل فقال : إن أمي كانت تمشط النساء ، أتراني آكل من مالها ؟ فقال : إن كانت تصل فلا . ولا يدخل في النهي ما ربط منه{[4974]} بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل ، والله أعلم .

التاسعة : وقالت طائفة : المراد بالتغيير لخلق الله هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات ؛ ليعتبر بها وينتفع بها ، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة . قال الزجاج : إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم ، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها ، فقد غيروا ما خلق الله . وقاله جماعة من أهل التفسير : مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة .

وروي عن ابن عباس " فليغيرن خلق الله " دين الله . وقاله النخعي ، واختاره الطبري قال : وإذا كان ذلك معناه دخل فيه فعل{[4975]} كل ما نهى الله عنه من خصاء ووشم وغير ذلك من المعاصي ؛ لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي ؛ أي فليغيرن ما خلق الله في دينه . وقال مجاهد أيضا : " فليغيرن خلق الله " فطرة الله التي فطر الناس عليها ، يعني أنهم ولدوا على الإسلام فأمرهم الشيطان بتغييره ، وهو معنى قوله عليه السلام : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) . فيرجع معنى الخلق إلى ما أوجده فيهم يوم الذر من الإيمان به في قوله تعالى : " ألست بربكم قالوا بلى{[4976]} " [ الأعراف : 172 ] . قال ابن العربي : روي عن طاوس أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض ولا بيضاء بأسوده ويقول : هذا من قول الله " فليغيرن خلق الله " . قال القاضي : وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض ، بظئره بركة الحبشية أم أسامة وكان أسود من أبيض ، وهذا مما خفي على طاوس مع علمه . قلت : ثم أنكح أسامة فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية . وقد كانت تحت بلال أخت عبدالرحمن بن عوف زهرية . وهذا أيضا يخص وقد خفي عليهما{[4977]} .

قوله تعالى : " ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله " أي يطيعه ويدع أمر الله . " فقد خسر " أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى الشيطان حق الله تعالى فيه وتركه من أجله .


[4946]:هذا عجز بيت، وصدره *حتى إذا ماهوت كف الغلام لها*
[4947]:في ا وح: التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج و ط وابن عطية، والزيادة منها أيضا.
[4948]:في ا وح: التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج و ط وابن عطية، والزيادة منها أيضا.
[4949]:اجتالتهم: استخفتهم فجالوا معهم في الضلال.
[4950]:في ا وح: التفسير. وهو تصحيف وصوابه ما أثبتناه من ج و ط وابن عطية، والزيادة منها أيضا.
[4951]:نتجت الناقة (من باب ضرب): إذا ولدتها ووليت نتاجها. وفي النهاية: هل تنتج إبلك. أي تولدها وتلي نتاجها.
[4952]:صرم: (جمع صريم) وهو المقطوع الأذن. وفي ج و ط و ز: حرم.
[4953]:أي تأمل سلامتهما من آفة تكون بهما، وآفة العين عورها، وآفة الأذن قطعها. أو من الشرفة وهي خيار المال. أي أمرنا أن نتخيرها.
[4954]:كذا في الأصول. في ابن العربي: "تعليق الحال بالدين".
[4955]:عن ابن العربي.
[4956]:في ا و ح: انقطع عن الأنثى. و في ط و ج و ز: انقطع أصله. والمثبت من ابن العربي.
[4957]:في ج، ط، ز: هو مما خلق الله.
[4958]:صبر الإنسان وغيره على القتل: هو أن يحبس ثم يرمى بشيء حتى يموت.
[4959]:كذا في كل الأصول بالدال المهملة، ولعله أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعذل بالمعجمة.
[4960]:كذا في الأصول وكثير من الكتب. وصحة الرواية كما في البيهقي "تناكحوا تكثروا فإني مباهي بكم الأمم يوم القيامة" راجع كشف الخفا ج 1 ص 318.
[4961]:راجع ج 16 ص 292.
[4962]:في ج: اتق الله.
[4963]:في ج: ما يشبهه.
[4964]:من ج.
[4965]:الزيادة عن صحيح مسلم.
[4966]:راجع ج 18 ص 18.
[4967]:النئور: دخان الشحم.
[4968]:كذا في ابن العربي و ج، ط، وهو مثلث الراء.
[4969]:في ج: الشباب.
[4970]:من ج و ط.
[4971]:هكذا في الأصول. وفي صحيح مسلم : "برأسها".
[4972]:عريسا (بضم العين وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة) تصغير عروس والعريس يقع على المرأة والرجل عند الزواج. وتمرق: انتثر وتساقط.
[4973]:في ج: وصل الشعر.
[4974]:من ج ، ط.
[4975]:من ج، ط.
[4976]:راجع ج 7 ص 314.
[4977]:كذا في الأصول: وحقه الإفراد. ولعل الضمير يعود لطاوس وابن العربي.