المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (18)

18- حتى إذا بلغوا وادي النمل قالت نملة : يا أيها النمل ادخلوا مخابئكم ، لكيلا تميتكم جنود سليمان وهم لا يحسون بوجودكم{[166]} .


[166]:{حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}: يتضح من هذه الآية الشريفة أن النمل يعيش في جماعات: أي أن له مجتمعا، وأن من خصائصه اليقظة والحذر. وقد عرف لمجتمع النمل منذ القدم خصائص عدة تشهد بأن له مجتمعا منظما، له نظام دقيق في الحكم وأنه على قدر كبير من الذكاء والدهاء وقوة الذاكرة وحب العمل والمثابرة، والجهاد الذي لا يعرف الكلل ولا اليأس، كما عرف عنه سعة الحيلة فيما يقوم به من أعمال. وآية ذلك أن مجتمع النمل هو الوحيد بين المخلوقات الحية بعد الإنسان الذي يقوم بدفن موتاه، وتحرص جماعاته المختلفة على الالتقاء في صعيد واحد من حين إلى آخر، ولهذا خصص أياما معينة لإقامة سوق تجتمع فيه جماعات لتبادل السلع والتعارف، وهذه الجماعات حين تلتقي تتجاذب أطراف الحديث باهتمام بالغ ويسأل بعضها البعض أسئلة تتصل بشئونها. ومن مظاهر مجتمعها المترابط قيامها بمشروعات جماعية مثل إقامة الطرق الطويلة، في أناة ومثابرة تثيران الدهشة، ولا تكفي هذه الجماعات بالعمل نهارا بل تواصله ليلا في الليالي القمرية، ولكنها تلتزم مستعمراتها في الليالي المظلمة، ولأعضاء هذا المجتمع في جمع المواد الغذائية وحملها وتخزينها والمحافظة عليها طرق فريدة في نوعها، فإذا لم تستطع النملة حمل ما جمعته في فمها كعاداتها لكبر حجمه، حركته بأرجلها الخلفية ورفعته بذراعيها، ومن عاداتها أن تقضم الجذور وتفلق بعض الحبوب قبل تخزينها حتى لا تعود إلى الإنبات مرة أخرى، وتجزئ البذور الكبيرة لكي يسهل عليها إدخالها في مستودعاتها، وإذا ما ابتلت بفعل المطر أخرجتها إلى الهواء والشمس لتجف.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (18)

قوله : { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ } لما أتى سليمان وجنوده على واد النمل ، قيل : بأرض الشام ، وقيل : بالطائف { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } { لا } ، ناهية{[3426]} أي لا يكسرنكم سليمان وجنوده بوطئهم عليكم { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي لا يعلمون بكم . أو لا يعلمون أنهم يحطمونكم .

وهذه واحدة من المعجزات التي أوتيها نبي من أنبياء بني إسرائيل . معجزة ظاهرة مثيرة تتجلى في كلام تنطق به نملة من النمل فيفهمه سليمان . وذلك من تقدير الله الذي يختار من عباده من يشاء ليميزهم بالنبوة الطاهرة وما تقتضيه من الظواهر العجيبة الخارقة لنواميس الحياة وقوانين الطبيعة .

من أجل ذلك كان للنمل تكريم . فقد قال ابن عباس : " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب ، الهدهد والصرد{[3427]} والنملة والنحلة " وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة . وثبت في الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قرصت{[3428]} نبيا من الأنبياء نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه : أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح ؟ فهلا نملة واحدة ؟ " ويستدل من هذا أيضا على جواز قتل ما يؤذي أو يضر من النمل ؛ فقد أبيح للمؤمن أن يدفع عن نفسه الأذى والضرر إن كان من إنسان ، فكيف بالهوام والدواب التي سخرها الله للإنسان وسلطه عليها ؟ وعلى هذا إذا تأذى الإنسان من النمل جاز له قتل المؤذي منه . فإن قوله : " فهلا نملة واحدة ؟ " دليل على أن الذي يؤدي ، يؤذى ويقتل . وكلما كان القتل لنفع أو لدفع ضرر فلا بأس به عند العلماء .


[3426]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 220.
[3427]:الصرد: بوزن عمر: طائر فوق العصفور. أو هو نوع من الغربان ويقال له الواق. وكانت العرب تتطير من صوته وتقتله فنهى عن قتله دفعا للطيرة وجمعه صردان. انظر لسان العرب جـ 3 ص 249 والمصباح المنير جـ 1 ص 361.
[3428]:القرص: الأخذ بأطراف الأصابع. قرصت الشيء قرصا: لويت عليه بأصبعين. أو أخذ جلده بظفرين. انظر مختار الصحاح جـ 2 ص 155.