11- وأن الله سبحانه هو الذي يحفظكم ، فكل واحد من الناس له ملائكة تحفظه بأمر الله وتتناوب علي حفظه من أمامه ومن خلفه ، وأن الله سبحانه لا يغير حال قوم من شدة إلي رخاء ، ومن قوة إلي ضعف ، حتى يغيروا ما بأنفسهم بما يتناسب مع الحال التي يصيرون إليها ، وإذا أراد الله أن ينزل بقوم ما يسوؤهم فليس لهم ناصر يحميهم من أمره ، ولا من يتولي أمورهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم .
{ له } لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب . { معقّبات } ملائكة تعتقب في حفظه ، جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضا ، أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها ، أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة ، أو لأن المراد بالمعقبات جماعات . وقرئ " معاقيبُ " جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين . { من بين يديه ومن خلفه } من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر . { يحفظونه من أمر الله } من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له ، أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى . وقد قرئ به وقيل من بمعنى الباء . وقيل من أمر الله صفة ثانية ل { معقبات } . وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى . { إن الله لا يغيّر ما بقوم } من العافية والنعمة . { حتى يغيّروا ما بأنفسهم } من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مردّ له } فلا راد له فالعامل في { إذا } ما دل عليه الجواب . { وما لهم من دونه من والٍ } ممن يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء ، وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال .
كل واحدٍ من الناس له ملائكة تحفَظه بأمرِ الله ، وتتناوبُ عل حفظه في كل حال .
إن الله تعالى لا يغير النعمة على قوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهِم ، وكذلك لا يغير ذلة أو مهانة إلا أن يغير الناس من أعمالهم وواقع حياتهم ، وأكبر دليلٍ على ذلك واقُعنا اليوم من تفكّك وتمزق . . . فنحن العربَ والمسلمين نملك أكبر ثروة في العالم ، ونعيش على أعظم بقاع الأرض ، ومع ذلك نعاني من الذل والفقر والمرض والجهل وكل ذلك بسبب تردي أحوالِنا وبُعدِنا عن ربّنا ، وفي ذلك عبرة كبيرة لنا .
{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .
إذا أراد اللهُ أن يُنزلَ بقومٍ ما يسوءهم فليس لهم ناصرٌ يحمِيهم من أمْرِه ، ولا من يتولّى أمورَهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم .
قوله : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { له } ، أي لمن أسر ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب . والمعقبات ، هم الملائكة الحفظة . سموا بالمعقبات ؛ لأن الملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس . والمعنى : أن للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، فريق يحرسونه بالليل وآخرون يحرسونه بالنهار { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن روائه ، ومن كل ما حوله ؛ فقد أحط به هؤلاء المعقبات ليحصلوا عليه كل أعماله وأقواله على التمام ، من غير أن يفرطوا في حفظ شيء منها . وقيل : المراد أنهم يحرسونه من جميع المهالك .
قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { من } ، بمعنى الباء ؛ أي يحفظونه بأمر الله أو بإذنه . وقريب من ذلك كون { من } ، بمعنى عن ؛ أي يحفظونه عن أمر الله . وقيل : يحفظونه من اجل أمر الله ؛ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه من بأسه ونقمته بدعائهم له . وقيل : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الأسواء{[2325]} ؛ والنائبات ؛ فالملائكة موكلة بالعبد لحفظه من الوحوش والهوام والأخطار كأن تقع عليه حائط ، أو يهوي في بئر ، أو يأكله سبع ، أو ينتابه غرق أو حرق ، فغذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر .
وذكر أن هذه الآية : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10 لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } نزلت في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاءة الله له من الأشرار والخائنين ؛ فقد روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر : ما تجعل لي إن أنا اتبعك ؟ قال : ( أنت فارس ، أعطيك أعنة الخيل ) . قال : لا . قال : ( فما تبغي ؟ ) قال : لي الشرق ولك الغرب . قال : ( لا ) قال : فلي الوبر ولك المدر . قال : ( لا ) قال : لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة ) يريد الأوس والخزرج . فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تشاورا فيما بينهما . فقال عامر : ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة . فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم والآخر قال : اقصص علينا قصصك ، ما يقول قرآنك ، فجعل يجادله ويستبطئه وهو يرجو أن يضرب أربد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف . ثم قال له عامر : مالك ، أجشمت{[2326]} ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فما قدرت على أن أحركها ! ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عامر : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة ، وأخرج أنا إلى نجد فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصف فيها صاعقة فاحرقته . وخرج عامر حتى إذا كان بواد يقال له الجرير أرسل الله عليه الطاعون فجعل يصيح : يا آل عامر أعدة{[2327]} كغدة البكر تقتلني ! يا آل عامر أغدة البكر تقتلني ! فذلك هو قول الله : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ } حتى قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } {[2328]} .
قوله : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ذلك إخبار من الله عن فضله على الناس وعن عدله فيهم ، وإن ما بهم من نعمة أو خير فما يزول إلا بعصيانهم وضلالهم وفسقهم عن أمر ربهم ؛ فالله جل وعلا لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيلهما عنهم ويهلكهم حتى يقع منهم تغيير ، وذلك بظلم بعضهم بعضا ، واعتداء بعضهم على بعض ؛ فتحل بهم حينئذ من الله العقوبة والتغيير . أي أن زوال النعم وتغيير الحال من العافية والسلامة والعزة سببه المعاصي والحيدة عن منهج الله إلى ما يخالفه .
قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } إذا أراد أن يصيب أحدا أو قوما أو أمة من الأمم بعذاب أو بلاء ، من أمراض أو أسقام أو كروب أو نحو ذلك من ألوان البلاء ؛ ساقهم ليختاروا ما فيه بلائهم . وهم بذلك يمضون إلى ما فيه هلاكهم من حيث لا يدرون ، وربما يساق المرء مختارا إلى حتفه وهو لا يدري أو يسعى جادا ليظفر بما يبتغيه ثم يجد ثمة مهلكته وهو لا يعلم . ولو كان بعلم لامتنع من الفعل وأحجم ؛ فهذا هو تقدير الله على عباده ، ولا يملك أن يرد ما أراده الله بعباده من سوء وغيره { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم غير الله من ناصر يلي أمرهم فيدرأ عنهم البلاء ، أو ملجأ يأوون إليه فيحول بينهم وبين ما يريده الله لهم من السوء{[2329]} .