جاءت آيات بعدها توضح موقف الكفار من المعجزات ، وإصرارهم على التكذيب ، وتطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإعراض عنهم وإمهالهم ليوم يخرجون فيه من الأجداث كأنهم جراد منتشر .
وتتابعت الآيات بعد ذلك ، تعرض أطرافا من أحوال الأمم السابقة مع رسلهم ، والعذاب الذي حاق بهم ، وبين كل قصة وأخرى تنبه الأذهان إلى أن القرآن الكريم ميسر لمن يطلب العظة والاعتبار .
منتهية إلى بيان أن كفار مكة ليسوا أقوى ولا أشد من الأمم السابقة ، وأنه ليس لهم أمان من العذاب ، ثم ختمت السورة بتهديد المكذبين المعاندين بمصائرهم يوم يسبحون في النار على وجوههم ، ويقال لهم : ذوقوا مس جهنم التي كنتم بها تكذبون ، وتطمئن المتقين إلى منازلهم في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .
" بسم الله " : كلمة بها نور القلوب والأبصار ، وبعرفانها يحصل سرور الأرواح والأسرار . كلمة تدل على جلاله – الذي هو استحقاقه لأوصافه . كلمة تدل على نعته الذي هو غاية أفضاله وألطافه .
قوله جل ذكره : { اقتربت الساعة وانشق القمر } .
أجمع أهلُ التفسير على أنَّ القمرَ قد انشقَّ على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم .
قال ابن مسعود : " رأيت حراء بين فلقتي القمر " ولم يوجد لابن مسعود مخالف في ذلك ؛ فقد روي أيضاً عن أنس وابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم . . كلهم رووا هذا الخبر .
وفيه إعجازٌ من وجهين : أحدهما رؤية مَنْ رأى ذلك ، والثاني خفاء مثل ذلك على مَنْ لم يَرَه ؛ لأنه لا ينكتم مثله في العادة فإذا خفي كان نقض العادة .
وأهل مكة رأوا ذلك ، وقالوا : إنَّ محمداً قد سحر القمر .
ومعنى { اقْتَرَبَتِ السَّاعِةُ } : أي ما بقي من الزمانِ إلى القيامةِ إلا قليلٌ بالإضافةِ إلى ما مضى .
سورة القمر مكية ، وآياتها ( 55 ) آية ، نزلت بعد سورة الطارق .
وهي سورة تمثل سياطا لاذعة للمكذبين المنكرين ، وتعرض مشاهد خاطفة لما أصاب المكذبين السابقين ، وتستعرض مواقف القيامة وأهوال الحشر ، وأحوال المجرمين ، وما يصبيهم من العذاب والنكال في الآخرة .
يصف مطلع السورة حادثا فذا ، هو انشقاق القمر بقدرة الله تعالى معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد وردت روايات متواترة من طرق شتى عن وقوع انشقاق القمر في مكة قبل الهجرة ، حيث جاءت هذه الروايات في البخاري ، ومسلم ، ومسند الإمام أحمد ، وغيرها من كتب السنة .
فقد روى الشيخان ، عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية ، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما .
وروى البخاري عن عبد الله بن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشةi ، قال : فقالوا : انظروا ما يأتيكم من السُّفارii فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ، قال : فجاء السُّفار فقالوا ذلك .
وهذه الروايات مع غيرها تتفق على انشقاق القمر بمكة .
كما ثبت أن أهل مكة قابلوا هذه الآية بالعناد ، وادعوا أن محمدا سحر أهل مكة حتى يشاهدوا القمر منشقا ، ثم اتفقوا على أن يسألوا عن الحادث المسافرين القادمين إلى مكة ، وقد شهد المسافرون بأنهم شاهدوا القمر نصفين في ذلك اليوم ، فادعى أهل مكة أن محمدا سحر الناس جميعا .
قال تعالى : { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } . ( القمر : 1-2 ) .
ويرى بعض المفسرين أن الآية تخبر عن الأحداث الكونية المستقبلة ، فعند قيام الساعة ستنشق الأرض والسماوات ، كما قال سبحانه : إذا السماء انشقّت . ( الانشقاق : 1 ) . كما ينشق القمر وينفصل بعضه عن بعض ، وتتناثر النجوم ، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات .
في الآيات ( 1-8 ) وصف لجحود الكافرين ، وعدم إيمانهم بالقرآن ، وانصرافهم عنه إلى الهوى والبهتان .
وفي الآيات تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين بيوم الجزاء ، فهم يخرجون من قبورهم خاشعين من الذل ، في حالة سيئة من الرعب والهول ، فيسرعون الخطى ليوم الحشر كأنهم جراد منتشر ، وقد أسقط في أيديهم فيقول الكافرون : هذا يوم صعب عسر .
الآيات من ( 9-42 ) تشتمل على عرض سريع لمصارع قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط ، وفرعون وملئه ، وكلها موضوعات سبقت في سورة مكية ، ولكنها تعرض في هذه السورة عرضا خاصا ، يحيلها جديدة كل الجدة ، فهي تعرض عنيفة عاصفة ، وحاسمة قاصمة يفيض منها الهول ، ويتناثر حولها الرعب ويظللها الدمار والفزع .
وأخص ما يميزها في سياق السورة ، أن كلا منها يمثل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة ، يشهدها المكذبون وكأنما يشهدون أنفسهم فيها ، ويحسون إيقاعات سياطها ، فإذا انتهت الحلقة وبدؤوا يتسردون أنفاسهم اللاهثة المكروبة عاجلتم حلقة جديدة أشد هولا ورعبا ، حتى تنتهي الحلقات الخمس في هذا الجو المفزع الخانق .
وتلمح في الآيات مشهد المكذبين يتهمون نوحا بالجنون ، ونوح يظهر لله ضعفه ويدعوه أن ينتصر له ، وتستجيب السماء فينهمر المطر وتنفجر عيون الأرض ، ويلتقي ماء السماء بماء الأرض ، ثم يغرق الكافرون ، وينجي الله نوحا ومن آمن معه ، ويسأل القرآن سؤالا لإيقاظ القلوب إلى هول العذاب وصدق النذير ، فيقول : { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } . ( القمر : 16 )
والقرآن كتاب إلهي سهل التناول ميسر الإدراك ، فيه جاذبية الصدق والبساطة وموافقة الفطرة ، لا تفنى عجائبه ، ولا يَخلق على كثرة الرد ، وكلما تدبره القلب عاد منه بزاد جديد ، وكلما صحبته النفس زادت له ألفة وبه أنسا : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } . ( القمر : 17 ) .
هذا هو التعقيب الذي يتكرر بعد كل مصرع من مصارع السابقين .
2- عاد قوم هود ( الآيات 18-22 ) :
أرسل الله عليهم ريحا عاتية تدمر كل شيء بإذن ربها ، وقد سلسلوا أنفسهم بالسلاسل حتى لا تعصف بهم الريح ، وشقوا لأجسامهم شقوقا داخل الأرض ، وتركوا رؤوسهم خارجها ، فكانت الريح تكسر رؤوسهم وتتركهم كالنخيل التي قُطعت رؤوسها وتُركت أعجازها وجذورها .
3- ثمود قوم صالح ( الآيات 23-32 ) .
وقد أرسل الله إليهم نبيه صالحا ومعه الناقة ، فأخبرهم بأن الماء قسمة بينهم وبينها ، فللناقة يوم ولهم يوم ، لها شِرب ولهم شِرب يوم معلوم .
وكان اليوم الذي ترد فيه ثمود البئر لا تأتي الناقة إليه ولا تشرب منه ، ولكنها تسقيهم لبنا ، وفي اليوم التالي تحضر شربها وحدها ومع وضوح هذه الآية ، فإن ثمود ملّت هذه القسمة ، وحرَّضوا شقيا من الأشقياء على قتل الناقة ، فلما قتلها استحقوا عقاب الله ، وأرسل الله عليهم صيحة واحدة فكانوا كفتات الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لغنمه .
اشتهر قوم لوط بالشذوذ الجنسي ، حيث استغنى الرجال بالرجال ، وهو انتكاس للفطرة وشرود في الرذيلة ، ولقد حذرهم لوط مغبة فعلتهم ، ، فكذبوه وجادلوا بالباطل ، وجاءت الملائكة إلى نبي الله لوط في صورة رجال عليهم مسحة الجمال والجلال ، فرغب قوم لوط في أن يفعلوا فعلتهم الشنعاء في الملائكة ، وراودوه عن ضيفه ليفعلوا بهم اللواط ، فاستحقوا عقوبة السماء ، وأرسل الله عليهم حاصبا ، أي ريحا تحمل الحجارة ، ليذوقوا العذاب .
5- ثم تعرض السورة حلقة قصيرة عن فرعون وجحوده وعقاب الله له حيث أخذه أخذ عزيز مقتدر .
وفي الآيات الأخيرة من السورة ( 43-55 ) تعقيب على هلاك السابقين ، وتوجيه لأهل مكة بأنهم لن يكونوا أحسن حالا ممن سبقهم ، ثم إن الساعة تنتظرهم وهي أدهى وأمر من كل عذاب شاهدوه فيما سبق ، أو سمعوا وصفه فيما مرَّ ، من الطوفان الذي أصاب قوم نوح ، إلى الصرصر مع عاد ، إلى الصاعقة مع ثمود ، إلى الحاصب مع قوم لوط ، إلى إغراق فرعون .
وتشير الآيات إلى حكمة الله العالية ، فتقول : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } . ( القمر : 49 ) .
وهذه الحكمة تظهر في خلق الكون ، وفي خلق السماء والأرض ، وفي خلق الإنسان ، وفي خلق الطيور والحيوانات ، وفي سائر خلق الله : { يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير } . ( النور : 45 ) .
إن قدرة الله تعالى وراء طرف الخيط البعيد لكل حادث ، ولكل نشأة ، ولكل مصير ، ووراء كل نقطة وكل خطوة وكل تبديل أو تغيير ، إنه قَدَر الله النافذ الشامل الدقيق العميق .
وأحيانا تخفى الحكمة على العباد فيستعجلون أمرا ، والله لا يعجل لعجلة العباد ، فالواجب أن يرضى المؤمن بالقضاء والقدر ، وأن يحني رأسه أمام حكمة الله ومشيئته .
ثم يعرض الختام مشهد المجرمين يسحبون في النار على وجوههم ليذوقوا العذاب ، كما يعرض مشهد المتقين في نعيم الجنة ورضوان الله العلي القدير .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 ) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ( 6 ) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 ) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 ) }
انشق القمر : انفصل بعضه عن بعض وصار فرقتين .
1- { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } .
اقتربت القيامة ، فالباقي من عمر الدنيا أقل بكثير مما سبق منها ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " بعثت أنا والساعة كهاتين " v . وقرن بين أصبعيه الوسطى والسبابة . ( متفق عليه ) .
وقد مرّ بعد الرسالة المحمدية أكثر من أربعة عشر قرنا ، لكنها قليلة بالنسبة إلى عمر الدنيا وهو قرابة13 بليون سنة .
وفي عام 1994م انعقد مؤتمر علمي في الولايات المتحدة الأمريكية بشأن معرفة عمر الكون وعمر الإنسان على هذه الأرض ، وانتهى المؤتمر إلى أن عمر الكون 13 بليون سنة ، وأن عمر الإنسان على هذه الأرض 7 بلايين سنة .
وقد انشق القمر معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى رُئي جبل حراء بين الشقّين ، فقال أهل مكة : انتظروا حتى يأتي السفّار ، أي المسافرون خارج مكة ، فلم قدم المسافرون قالوا : شاهدنا القمر قد انشق نصفين ، فقال الكفار : إن محمدا سحر الناس جميعا .
وذهب بعض المفسرين على أن المعنى :
سينشق القمر عند قيام الساعة ، حيث يكون من علامات الساعة تكوير الشمس وذهاب ضوئها ، وانكدار النجوم ، وانشقاق القمر .
ونحن أمام الأحاديث الصحيحة الواردة في الموضوع ، وإشارة القرآن الكريم إلى ذلك ، نصدق ونؤيد وقوع انشقاق القمر ، معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتصديقا له .
وهذا أمر متفق عليه بين العلماء ، أنّ انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرة .
وقد أيد هذا المعنى الآلوسي في تفسيره فقال : والأحاديث الصحيحة في الانشقاق كثيرة ، واختلف في تواترها ، فقيل : هي غير متواترة ، وفي شرح المواقف أنها متواترة ، وهو الذي اختاره العلامة السبكي ، فقد قال : الصحيح عندي أنَّ انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه في القرآن ، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق شتّى ، لا يمترى في تواتره .
وقد جاءت أحاديثه في روايات صحيحة ، عن جماعة من الصحابة ، منهم : علي بن أبي طالب ، وأنس ، وابن مسعود . أ . ه .
والساعة لا يعلم وقت مجيئها إلا الله ، واقتراب الساعة يمكن أن يراد به أن الباقي من عمر الدنيا قليل ، بالنسبة لما مضى منها .
روى الحافظ أبو بكر البزار ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أصحابه ذات يوم ، وقد كادت الشمس أن تغرب ، فلم يبق منها إلا سف يسير ، فقال : " والذي نفسي بيده ، ما بقي من الدنيا فيما مضى منها ، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه " ، وما نرى من الشمس إلا يسيرا . والمقصود حثّ الناس على التوبة والإنابة والإيمان قبل فوات الأوان .
وقريب من ذلك قوله تعالى : { أتى أمر الله فلا تستعجلوه . . . } ( النحل : 1 )
وقوله سبحانه : اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون . ( الأنبياء : 1 ) .
وقوله تعالى : { يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا . } ( الأحزاب : 63 ) .
والخلاصة : إن جمهور المحدثين والمفسرين على أن الانشقاق حقيقة ، فقد قال القرطبي : ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره ، وقيل : معناه : وضح الأمر وظهر ، والعرب تضرب بالقمر مثلا فيما وضح ، ثم علّق القرطبي قائلا : قد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة ، وهو ظاهر التنزيل ، ولا يلزم أن يستوي الناس في رؤيته ، لأنها كانت آية ليلية ، وأنها كانت باستدعاء النبي صلى الله عليه وسلم من الله عند التحدي . . .
{ اقتربت الساعة } قربت القيامة جدا . { وانشق القمر } وانفلق القمر فلقتين معجزة له صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين ؛ حين سأله أهل مكة أن يريهم آية تدل على صدقه ، فأراهم القمر فلقتين حتى رأوا حراء بينها ؛ فقال صلى الله عليه وسلم اشهدوا ! ! وقد رآه كثير من الناس ؛ والأحاديث الصحيحة في هذه المعجزة كثيرة . وقيل : اقتربت الساعة ، فإذا جاءت انشق القمر بعد النفخة الثانية .
سورة القمر مكية وآياتها خمس وخمسون ، نزلت بعد سورة الطارق . وهي كباقي السور المكية في معالجتها أصول الدين ، ولكن بطابع خاص ، وفي عرضها للموضوعات عرضا خاصا فيه التهديد والوعيد . وفيها حملة عنيفة على المكذبين بآيات القرآن المبين . وقد جاءت الآية الأولى من هذه السورة تنبه الأسماع إلى اقتراب القيامة ، وتحذّر الناس من أمرها ، ثم جاءت آيات بعدها توضح موقف الكفار من المعجزات ، وإصرارهم على التكذيب ، وتطلب على الرسول الكريم الإعراض عن المشركين وإمهالهم إلى يوم يخرجون فيه من قبورهم كأنهم جراد منتشر .
ثم تتابع الآيات بعد ذلك بالنذر والصبر ، وتعرض أطرافا من أحوال الأمم السابقة مثل قوم نوح ، وعاد وثمود ، وقوم لوط ، وفرعون وملئه ، والعذاب الذي حاق بهم . وبين كل قصة وأخرى تنبه الأذهان إلى أن القرآن الكريم ميسّر لمن يطلب العظة والاعتبار .
ثم تنتهي إلى بيان أن كفار مكة ليسوا أقوى ولا أشد من الأمم السابقة ، وأنه ليس لهم أمان من العذاب . ثم تُختتم السورة بتهديد المكذبين المعاندين بمصيرهم يوم يُسحبون إلى النار على وجوههم ، ويقال لهم : { ذوقوا مسّ سقر } ، وتبيّن مآل السعداء المتقين ، وأنهم في منازلهم في جنات النعيم . ويظهر الفرق بالمقارنة بين الفجار المعاندين ، والمؤمنين المتقين المصدقين : { إن المتقين في جنات ونهر ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر } .
يخبرنا الله تعالى باقترابِ يوم القيامة ، ونهايةِ الدنيا وانقضائها ، وأنّ الكونَ يختلُّ كثيرٌ من نظامه عند ذاك ، كما جاء في قوله تعالى : { إِذَا الشمس كُوِّرَتْ وَإِذَا النجوم انكدرت } [ التكوير : 1-2 ] ، والتكدُّر هو الانتثار ، فعبّر بالماضي ، وهنا التعبير جاء بالماضي ، وكما قال في آخر سورة النجم { أَزِفَتِ الآزفة } [ النجم : 57 ] .
وقد روى الإمام أحمد عن سهلِ بن سعد ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « بُعثتُ أنا والساعةُ هكذا ، وأشار بأصبعَيه السبّابةِ والوسطَى » .
وهنا يقول : اقتربت القيامة ، وسينشقُّ القمرُ لا محالة . وتشير الأبحاثُ الفلكية إلى أن القمر يدنو من الأرض ويستمرُّ بالدنوّ منها حتى يبلغَ درجةً يتمزقُ عندها ويصير قِطعاً كلّ واحدةٍ تدور في فلكها الخاص . وهذا طبعاً سيحدُث عند انتهاء هذه الحياةِ الدنيا ، ولا يعلم وقتَ ذلك إلا الله .
ويقول المفسّرون الأقدمون : إن انشقاق القمر قد حدَث فعلا ، ويرون عدة أحاديث أسندوها إلى أنس بن مالك وعبد الله بن عباس ، وجبير بن مطعم ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم . ويقول ابن كثير : قد كان هذا في زمان رسول الله كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .
والروايةُ عن خمسة من الصحابة فقط فكيف تكون متواترة ؟ واللهُ أعلم .
{ 1-5 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ }
يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها ، وحان وقت مجيئها ، ومع ذلك ، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها ، غير مستعدين لنزولها ، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر ، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على [ صحة ما جاء به و ] صدقه ، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن الله تعالى ، فانشق فلقتين ، فلقة على جبل أبي قبيس ، وفلقة على جبل قعيقعان ، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى{[921]} الكائنة في العالم العلوي ، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل .
1- سورة القمر : هي السورة الرابعة والخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة الطلاق ، وقبل سورة " ص " .
ويبلغ عدد السور التي نزلت قبلها ، سبعا وثلاثين سورة .
ويبلغ على الظن أن نزولها كان في السنوات الأولى من بعثته صلى الله عليه وسلم .
قال بعض العلماء : وكان نزولها في حدود سنة خمس قبل الهجرة . ففي الصحيح أن عائشة –رضي الله عنها- قالت : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، وإني لجارية ألعب ، قوله –تعالى- : [ بل الساعة موعدهم ، والساعة أدهى وأمر ]( {[1]} ) .
2- وتسمى هذه السورة بسورة القمر ، وبسورة اقتربت الساعة ، وتسمى بسورة اقتربت ، حكاية لأول كلمة افتتحت بها .
روى الإمام مسلم وأهل السنن عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بسورتي " ق " و " اقتربت الساعة " .
وعدد آياتها : خمس وخمسون آية وهي من السور المكية الخالصة –على الرأي الصحيح- ، وقيل : هي مكية إلا ثلاث آيات منها ، وهي قوله –تعالى- : [ أم يقولون نحن جميع منتصر . سيهزم الجمع ويولون الدبر . بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ] فإنها نزلت يوم بدر ، وهذا القيل لا دليل له يعتمد عليه .
ويرده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : أنزل الله –تعالى- على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة قبل يوم بدر : سيهزم الجمع ويولون الدبر ، وقال عمر بن الخطاب : قلت : يا رسول الله أي جمع يهزم ؟ فلما كان يوم بدر ، وانهزمت قريش ، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتا بالسيف ، وهو يقول : [ سيهزم الجمع ويولون الدبر ] فكانت ليوم بدر .
وبذلك نرى أن هذا الحديث ، وحديث عائشة السابق ، يدلان على أن هذه الآيات مكية –أيضا- ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قرأها في غزوة بدر على سبيل الاستشهاد بها .
3- والسورة الكريمة قد تحدثت في مطلعها عن اقتراب يوم القيامة ، وعن جحود المشركين للحق بعد إذ جاءهم ، وعما سيكونون عليه يوم القيامة من ندم وحسرة . قال –تعالى- [ اقتربت الساعة وانشق القمر . وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر . وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ] .
4- ثم تحدثت السورة الكريمة عن مصارع الغابرين ، فذكرت ما حل من هلاك ودمار ، بقوم نوح ، وهود ، ولوط –عليهم السلام- وما حل أيضا بفرعون وملئه من عقاب .
ثم ختم –سبحانه- السورة الكريمة ، ببيان مظاهر قدرته ، وبليغ حكمته ، ودقة نظامه في كونه ، وبشر المتقين بما يشرح صدورهم فقال –تعالى- : [ إنا كل شيء خلقناه بقدر . وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر . ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر . وكل شيء فعلوه في الزبر . وكل صغير وكبير مستطر . إن المتقين في جنات ونهر . في مقعد صدق عند مليك مقتدر ] .
5- والمتدبر في السورة الكريمة يراها قد اهتمت بالحديث عن أهوال يوم القيامة ، وعن تعنت المشركين وعنادهم ، وعن سنن الله –تعالى- في خلقه ، التي من أبرز مظاهرها ، نصر المؤمنين ، وخذلان الكافرين .
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .
افتتحت السورة الكريمة بهذا الافتتاح الذى يبعث فى النفوس الرهبة والخشية ، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها .
إذ قوله - تعالى - : { اقتربت الساعة } أى : قرب وقت حلول الساعة ، ودنا زمان قيامها .
والساعة فى الأصل : اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتحديدها بزمن معين اصطلاح عرفى ، وتطلق فى عرف الشرع على يوم القيامة .
وأطلق على يوم القيامة يوم الساعة ، لوقوعه بغتة ، أو لسرعة ما فيه من الحساب ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله - تعالى - .
وقد وردت أحاديث كثيرة ، تصرح بأن ما مضى من الدنيا كثير بالنسبة لما بقى منها ، ومن هذه الأحاديث ما رواه البزار عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خطب أصحابه ذات يوم ، وقد كادت الشمس أن تغرب . . فقال : " والذي نفسى بيده ما بقى من الدنيا فيما مضى منها ، إلا كما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه " " .
وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " بعثت أنا والساعة هكذا " وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى .
وشبيه بهذا الافتتاح قوله - تعالى - : فى مطلع سورة الأنبياء : { اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ } وقوله - سبحانه - فى افتتاح سورة النحل : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمقصود من هذا الافتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة ، تذكير الناس بأهوال هذا اليوم ، وحضهم على حسن الاستعداد لاستقباله عن طريق الإيمان والعمل الصالح .
وقوله - تعالى - : { وانشق القمر } معطوف على ما قبله عطف جملة على جملة .
وقوله : { وانشق } من الانشقاق بمعنى الافتراق والانفصال .
أى : اقترب وقت قيام الساعة ، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين ، معجزة للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ذلك بمكة قبل هجرته - صلى الله عليه وسلم - بنحو خمس سنين ، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس .
وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث فى هذا الشأن ، وقد بلغت الأحاديث مبلغ التواتر المعنوى .
قال الإمام ابن كثير : وهذا أمر متفق عليه بين العلماء - أى : انشقاق القمر- ، فقد وقع فى زمان النبى - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات .
ثم ذكر - رحمه الله - جملة من الأحاديث التى وردت فى ذلك ، ومنها ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : سأل أهل مكة النبى - صلى الله عليه وسلم - آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : { اقتربت الساعة وانشق القمر } .
وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصار فلقتين : فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا الجبل .
فقالوا : سحرنا محمد ، فقالوا : إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم .
وروى الشيخان عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شقتين ، حتى نظروا إليه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اشهدوا " .
وقال الآلوسى : بعد أن ذكر عددا من الأحاديث فى هذا الشأن : والأحاديث الصحيحة فى الانشقاق كثيرة ، واختلف فى تواتره ، فقيل : هو غير متواتر : وفى شرح المواقف أنه متواتر . وهو الذى اختاره العلامة السبكى ، فقد قال : الصحيح عندى أن انشقاق القمر متواتر ، منصوص عليه فى القرآن ، مروى فى الصحيحين وغيرهما من طرق شتى ، لا يمترى فى تواتره .
وقد جاءت أحاديثه فى روايات صحيحة ، عن جماعة من الصحابة ، منهم عل بن أبى طالب ، وأنس ، وابن مسعود . .
ثم قال - رحمه الله - بعد أن ذكر شبهات المنكرين لحادث الانشقاق : والحاصل أنه ليس عند المنكر سوى الاستبعاد ، ولا يستطيع أن يأتى بدليل على الاستحالة الذاتية ولو انشق ، والاستبعاد فى مثل هذه المقامات قريب من الجنون . عند من له عقل سليم .