{ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ( 11 ) }
لله تعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه ، يحفظونه بأمر الله ويحصون ما يصدر عنه من خير أو شر . إن الله سبحانه وتعالى لا يغيِّر نعمة أنعمها على قوم إلا إذا غيَّروا ما أمرهم به فعصوه . وإذا أراد الله بجماعةٍ بلاءً فلا مفرَّ منه ، وليس لهم مِن دون الله مِن وال يتولى أمورهم ، فيجلب لهم المحبوب ، ويدفع عنهم المكروه .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ . . . } .
والضمير في { له } يعود إلى { من } في قوله { مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل } باعتبار تأويله بالمذكور .
و " معقبات " صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات .
قال الشوكانى : " والمعقبات المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه . وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال " معقبات " مع كون الملائكة ذكوراً ؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات .
قال الجوهرى : والتعقيب العود بعد البدء قال الله - تعالى - { ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ } يقال : عقب الفرس في عدوه ، أى : جرى بعد جريه . وعقبه تعقيبا . أى : جاء عقبة و " من " في قوله { مِنْ أَمْرِ الله } بمعنى باء السببية .
والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك .
قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " .
وفى الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحويهم وأكرموهم " أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره .
وقال عكرمة عن ابن عباس " يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه " .
ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .
أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أنه - سبحانه - لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية ؛ ومن جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد .
وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا من عذاب أو هلاك ما يشبهها بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه .
وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه ، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد .
فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله في شئون عباده ، وتحذير شديد لهم من الإِصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة ، فإنه - سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم . ولا يدفعه دافع .
قال الإِمام ابن كثير : " قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول الله لهم لهم مما يحبون إلى ما يكرهون .
ثم قال : إن مصداق ذلك في كتاب الله { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .
وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال : كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى ، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى ، وإنه حدثنى عن ربه - عز وجل - قال : " قال الرب : وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتى ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتى " .
قوله : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { له } ، أي لمن أسر ومن جهر ، ومن استخفى ومن سرب . والمعقبات ، هم الملائكة الحفظة . سموا بالمعقبات ؛ لأن الملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس . والمعنى : أن للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، فريق يحرسونه بالليل وآخرون يحرسونه بالنهار { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار ، ومن روائه ، ومن كل ما حوله ؛ فقد أحط به هؤلاء المعقبات ليحصلوا عليه كل أعماله وأقواله على التمام ، من غير أن يفرطوا في حفظ شيء منها . وقيل : المراد أنهم يحرسونه من جميع المهالك .
قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } { من } ، بمعنى الباء ؛ أي يحفظونه بأمر الله أو بإذنه . وقريب من ذلك كون { من } ، بمعنى عن ؛ أي يحفظونه عن أمر الله . وقيل : يحفظونه من اجل أمر الله ؛ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه من بأسه ونقمته بدعائهم له . وقيل : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الأسواء{[2325]} ؛ والنائبات ؛ فالملائكة موكلة بالعبد لحفظه من الوحوش والهوام والأخطار كأن تقع عليه حائط ، أو يهوي في بئر ، أو يأكله سبع ، أو ينتابه غرق أو حرق ، فغذا جاء القدر خلوا بينه وبين القدر .
وذكر أن هذه الآية : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10 لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } نزلت في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلاءة الله له من الأشرار والخائنين ؛ فقد روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر : ما تجعل لي إن أنا اتبعك ؟ قال : ( أنت فارس ، أعطيك أعنة الخيل ) . قال : لا . قال : ( فما تبغي ؟ ) قال : لي الشرق ولك الغرب . قال : ( لا ) قال : فلي الوبر ولك المدر . قال : ( لا ) قال : لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة ) يريد الأوس والخزرج . فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تشاورا فيما بينهما . فقال عامر : ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة . فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم والآخر قال : اقصص علينا قصصك ، ما يقول قرآنك ، فجعل يجادله ويستبطئه وهو يرجو أن يضرب أربد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف . ثم قال له عامر : مالك ، أجشمت{[2326]} ؟ قال : وضعت يدي على قائم سيفي فيبست فما قدرت على أن أحركها ! ثم خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عامر : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة ، وأخرج أنا إلى نجد فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصف فيها صاعقة فاحرقته . وخرج عامر حتى إذا كان بواد يقال له الجرير أرسل الله عليه الطاعون فجعل يصيح : يا آل عامر أعدة{[2327]} كغدة البكر تقتلني ! يا آل عامر أغدة البكر تقتلني ! فذلك هو قول الله : { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ } حتى قوله : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ } {[2328]} .
قوله : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ذلك إخبار من الله عن فضله على الناس وعن عدله فيهم ، وإن ما بهم من نعمة أو خير فما يزول إلا بعصيانهم وضلالهم وفسقهم عن أمر ربهم ؛ فالله جل وعلا لا يغير ما بقوم من عافية ونعمة فيزيلهما عنهم ويهلكهم حتى يقع منهم تغيير ، وذلك بظلم بعضهم بعضا ، واعتداء بعضهم على بعض ؛ فتحل بهم حينئذ من الله العقوبة والتغيير . أي أن زوال النعم وتغيير الحال من العافية والسلامة والعزة سببه المعاصي والحيدة عن منهج الله إلى ما يخالفه .
قوله : { وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } إذا أراد أن يصيب أحدا أو قوما أو أمة من الأمم بعذاب أو بلاء ، من أمراض أو أسقام أو كروب أو نحو ذلك من ألوان البلاء ؛ ساقهم ليختاروا ما فيه بلائهم . وهم بذلك يمضون إلى ما فيه هلاكهم من حيث لا يدرون ، وربما يساق المرء مختارا إلى حتفه وهو لا يدري أو يسعى جادا ليظفر بما يبتغيه ثم يجد ثمة مهلكته وهو لا يعلم . ولو كان بعلم لامتنع من الفعل وأحجم ؛ فهذا هو تقدير الله على عباده ، ولا يملك أن يرد ما أراده الله بعباده من سوء وغيره { وما لهم من دونه من وال } أي ليس لهم غير الله من ناصر يلي أمرهم فيدرأ عنهم البلاء ، أو ملجأ يأوون إليه فيحول بينهم وبين ما يريده الله لهم من السوء{[2329]} .